بعد حوار داخلي، قررت أن أنبش داخل ذاكرتي، لعلي أسترجع ما مضى. بهذه العبارة بادرني الحر ونحن في جلسة قمرية، فقلت له: ما الخطب؟
فكان جوابه: إني أحمل داخلي ما لم أعد أطيق تركه، يؤلمني ويؤرقني.
فقلت له: ما العمل؟
فكان جوابه: عليك أن تدون ما أخبرك به، لعلي أخفف أحمال ما لم يعد عقلي ولا جسدي يتحمله.
فقلت له: هات ما عندك.
“في بلدنا، أجمل بلد، نعيش حالة ضياع وبؤس. نعم، أفلسنا في كل القيم: تنابز، تدابر، قذف، في كل مجالات الحياة!
لم نعد نعيش كما كنا من قبل، متلاحمين، متضامنين، نشد أزر بعضنا البعض، كالجسد الواحد، إذا تداعى منه عضو واحد استنفر الجميع للمساندة.
أصبحنا نعيش الفرقة التي أوصلت البعض إلى المحاكم، وكثرت الملفات، وتعقدت الحياة.
الكل يتحدث عن الوطن، والوطن هو مجموعة من الأسر المكونة من أفراد، وصلاح الأوطان بصلاح الأفراد، والأسر هي النواة الصلبة لتحقيق ذلك.
الصحفي والإعلامي في بلدنا يعيش حالة حرب يومية، قذائف وكلاشات تحت الحزام، بسبب دعم وولاءات لجهات متطاحنة فيما بينها: قطب شمالي، وقطب يميني، وقطب ما بينهما، الشيء الذي يجعلهم يحيدون عن المهمة الملقاة على عاتقهم، فتضيع المهمة ويبقى السراب والفراغ القاتل.
حتى السياسة لم تسلم من هذا التطاحن اليومي. السياسة أخلاق نبيلة تمارس لفائدة مصلحة المواطن ورقي الوطن، لكنها في بلدنا نزلت دركات إلى الحضيض؛ المعارضة تخون الأغلبية، والأغلبية تبخس عمل المعارضة، وتبقى المصلحة العامة حبيسة صراع ديكة، وصراخ، وسب، وقذف، في معترك ما يسمى البرلمان وقاعات المجالس الجماعية والبلدية والتجمعات العامة، التي تنتهي بتدخل السلطات المحلية وزيارات للمستشفيات بسبب إغماءات جراء تراشق بقنينات الماء، وأحيانًا بالكراسي.
حتى النقابات أصبحت أعدادها أكبر من عدد منخرطيها، ونفس الشيء يمكن قوله عن الجمعيات.
أصبح الهم لكل واحد طلب حظوة وجمع مال، ولو كان مالًا حرامًا. المهن الحرة بدورها أصيبت بنفس الأمراض المزمنة التي تذهب بالأخضر واليابس.
أما المنظمات الحقوقية، فأغلبها زاغ عن مهامه، ومن حافظ على استقلاليته والدفاع عما وجد من أجله، يعيش تضييقًا وخنقًا ومتابعات.
ما العمل إذن؟ كل من صادفته من هؤلاء يرمي باللوم على الآخر، كل واحد يشعر أنه مستهدف وأنه مظلوم، في حين أن المسؤولية مسؤولية الجميع: الدولة بكل مؤسساتها ومكوناتها، والمجتمع بكل أطيافه التي ذكرت ولم أذكر.
الرقي والتقدم والنمو والتنمية، كل ذلك يبدأ من مكون مهم ومادة خام أساسية، ألا وهو الإنسان، تربية وتعليمًا وخلقًا وتضامنًا، مع وجود مؤسسات حقيقية تؤدي أدوارها بكل تجرد وتفانٍ ومهنية، وأجهزة متابعة ومراقبة ومحاسبة.
صلاح الأوطان يكون بصلاح الراعي والرعية، والعمران يكون بالمواطن الذي يشتغل لصالح الوطن، باذلًا الغالي والنفيس من أجل تحقيق الرخاء والنماء والأمن والطمأنينة.
وكل هذا يكون كذلك بوضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، مع نظام تحفيز مستحق، والعمل الناجح يكون بوضع خطط قابلة للتحقق وفق دراسات ميدانية من طرف شركاء وخبراء.
وهذا ليس بعيدًا عمن يحلمون بوطن قوامه الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وقد تحقق بالفعل في دول يصعب حصر عددها، أترك لكم ذكر أسمائها حتى لا يقال إنني متحيز لإحداها.
خلاصة القول: الممكن ممكن تحقيقه، إن غلبنا المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وتركنا خلافاتنا، ودبرنا اختلافاتنا بمهنية وتجرد، ونحن على علم بأن العمر قصير، والفرص لا تأتي عدة مرات..”



