آراءمجتمع
أخر الأخبار

استقلال المحاماة في مواجهة توسع اختصاصات وزارة العدل: قراءة دستورية في القانون رقم 66.23

د. خالد خالص 

يشكل استقلال مهنة المحاماة أحد المرتكزات الجوهرية لدولة القانون، باعتبارها شريكا أساسيا في تحقيق العدالة، وضمانة فعلية لحماية الحقوق والحريات.

ولذلك لم يعد ينظر إلى استقلال المحامي باعتباره امتيازا مهنيا، وإنما باعتباره ضمانة دستورية مقررة لفائدة المتقاضين ولصالح حسن سير العدالة.

وقد كرس دستور 2011 هذا التوجه من خلال إعادة بناء الهندسة الدستورية لمرفق العدالة، فأقر استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأخرجت النيابة العامة من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، بما يجعل جميع المتدخلين في العدالة يمارسون وظائفهم في إطار من الاستقلال المتبادل والتوازن المؤسساتي.

غير أن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، المعروض حاليا على أنظار المحكمة الدستورية، يبدو أنه يسير في اتجاه مغاير لهذا التطور الدستوري، إذ أعاد وزارة العدل إلى قلب التنظيم المهني للمحاماة، ومنحها اختصاصات واسعة تمس مختلف جوانب الولوج إلى المهنة، والتكوين، ومراقبة المؤسسات المهنية، والعلاقات المهنية الدولية، وهو ما يثير إشكالا دستوريا حقيقيا يتعلق بمدى انسجام هذه الاختصاصات مع مبدأ استقلال المحاماة.

ومن هنا يثور التساؤل الآتي: هل ينسجم الحضور المكثف لوزارة العدل في مشروع القانون رقم 66.23 مع الاستقلال الدستوري لمهنة المحاماة، أم أنه يشكل عودة إلى الوصاية الإدارية التي تجاوزها دستور 2011؟

أولا: التطور الدستوري لموقع وزارة العدل داخل منظومة العدالة

قبل دستور 2011 كانت وزارة العدل تمثل المركز المحوري داخل جهاز العدالة، إذ كانت تشرف على الإدارة القضائية وترأس المجلس الأعلى للقضاة بالنيابة ، وترأس النيابة العامة، وتمارس اختصاصات واسعة تجاه مختلف مكونات العدالة.

غير أن دستور 2011 أحدث تحولا عميقا في هذا البناء المؤسساتي، عندما نص على استقلال السلطة القضائية، وأحدث المجلس الأعلى للسلطة القضائية باعتباره الضامن لاستقلال القضاء.

ثم جاء القانون رقم 33.17 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة، لينهي نهائيا ارتباط النيابة العامة بالسلطة التنفيذية ابتداء من سنة 2017.

وبذلك لم تعد وزارة العدل جزءا من السلطة القضائية، وإنما أصبحت سلطة حكومية تمارس اختصاصات إدارية وتشريعية مرتبطة بتدبير السياسة العمومية في مجال العدالة، دون أن يكون لها أي إشراف على القضاء أو على النيابة العامة.

وهذا التطور الدستوري لم يكن مجرد إعادة توزيع للاختصاصات، وإنما كان تجسيدا لمبدأ الفصل بين السلط، وتحصينا لاستقلال العدالة من أي تأثير حكومي مباشر.

ثانيا: مشروع القانون 66.23 يعيد وزارة العدل إلى قلب التنظيم المهني للمحاماة

رغم هذا التطور الدستوري، منح القانون الجديد لوزارة العدل اختصاصات واسعة وغير مسبوقة، يمكن إجمالها في عدة مجالات نذكرها على سبيل المثال لا الحصر:

فهي التي تشرف على إحداث معهد تكوين المحامين (القانون غامض بخصوص الإحالة على نص تنظيمي بإحداث المعهد)

وهي التي تحدد نظام وكيفية إجراء مباراة ولوج المعهد وكيفية قضاء فترة التكوين (المادة 11)

وهي التي تنظم امتحان شهادة الكفاءة لممارسة المهنة عند انتهاء فترة التكوين (مشار اليها بالمادة 8)

وهي التي تمنح الترخيص للمحامين الأجانب لممارسة المحاماة بالمغرب.

وهي التي تتوصل بجداول هيئات المحامين قصد نشرها على موقعها الإلكتروني (المادة 25).

كما تبدي رأيها في العقود المبرمة بين المحامين المغاربة والمحامين الأجانب (المادة 28).

كما يعطي وزير العدل لمكتب محاماة أجنبي لا تربط بلده مع المغرب أية اتفاقية الاذن لممارسة مهنة المحاماة وفقا للمادة 33 إذا أتبث أنه مرتبط بعقد مع شركة أجنبية تنجز مشروعا استثماريا أو صفقة بالمغرب ويأمر هيئة المحامين بتسجيله بلائحة مستقلة بالجدول..

وتسهر كذلك من خلال المعهد على جانب مهم من التكوين المستمر (المادة 41 و42).

وغيرها من التدخلات غير المبررة والتداعيات التي تمس بالاستقلالية وبالخصوصية

ويلاحظ الباحث بأن الأمر لا يتعلق بمجرد اختصاصات تقنية أو إدارية معزولة، وإنما باختصاصات تمس مختلف مراحل الحياة المهنية للمحامي، منذ الولوج إلى المهنة، مرورا بالتكوين والتكوين المستمر، وانتهاء بتنظيم العلاقات المهنية الدولية، فضلا عن تتبع المعطيات المتعلقة بالهيئات المهنية.

وهذا التراكم يجعل وزارة العدل فاعلا رئيسيا داخل التنظيم المهني، وهو وضع يختلف جذريا عن الفلسفة التي قامت عليها القوانين السابقة في المغرب منذ 1913، والتي كانت تجعل الهيئات المهنية والأجهزة المنتخبة هي صاحبة الاختصاص الأصيل في تدبير شؤون المهنة.

ثالثا: استقلال المحاماة يقتضي استقلال مؤسساتها عن السلطة التنفيذية

من المبادئ المستقرة في الفقه الدستوري أن استقلال المهنة لا يتحقق بمجرد النص عليه، وإنما يقتضي استقلال المؤسسات التي تديرها.

فإذا كانت المؤسسة المهنية خاضعة لتدخل السلطة التنفيذية، فإن استقلال أعضائها يصبح استقلالا صوريا.

ولذلك فإن استقلال هيئة المحامين، والجمعية العامة، ومجلس الهيئة، ومؤسسة التكوين، يعد امتدادا طبيعيا لاستقلال المحامي نفسه.

ولا يمكن تصور محام مستقل يخضع في تكوينه، وتأهيله، وتنظيم علاقاته المهنية، وإدارة مؤسساته، لتدخلات السلطة الحكومية.

ولهذا السبب اعتمدت العديد من الأنظمة المقارنة على نموذج التدبير الذاتي للمهنة (Auto-administration des professions juridiques)، باعتباره الضمانة الأساسية لاستقلال الدفاع.

فالمحامي ليس موظفا عموميا، ولا يمارس وظيفة إدارية، وإنما يؤدي رسالة مستقلة تقوم على مواجهة السلطة العامة عند الاقتضاء دفاعا عن الحقوق والحريات. ومن ثم فإن إخضاع مؤسساته لإشراف السلطة التنفيذية يمس جوهر هذه الرسالة.

رابعا: الرقابة المشروعة على المحاماة تمارسها السلطة القضائية وليس وزارة العدل

قد يقال إن تدخل وزارة العدل يجد مبرره في ضرورة ضمان جودة التكوين أو حسن تنظيم المهنة. غير أن هذا التبرير لا يصمد أمام البناء الدستوري الحالي.

فالمحاماة ليست خارج دائرة الرقابة، بل تخضع بالفعل لرقابة القضاء ولرقابة النيابة العامة في الحدود التي يحددها القانون.

فالنيابة العامة تمارس اختصاصاتها في مختلف الإجراءات المرتبطة بالمهنة.

كما تمارس محاكم الاستئناف ومحكمة النقض رقابة واسعة على مقررات الهيئات المهنية، سواء تعلق الأمر بالتسجيل، أو التأديب، أو مختلف القرارات المهنية.

وبالتالي فإن ضمان المشروعية القانونية متحقق بواسطة السلطة القضائية المستقلة، ولا يقتضي إقامة رقابة موازية تمارسها وزارة العدل.

بل إن نقل الاختصاصات من القضاء إلى الإدارة يمثل، في حقيقته، تراجعا عن الاختيارات الدستورية التي قامت على تحصين العدالة من تدخل السلطة التنفيذية.

خامسا: بين التنظيم الإداري والوصاية المقنعة

لا خلاف في أن للدولة حق تنظيم المهن الحرة بقانون. غير أن التنظيم التشريعي يختلف عن الوصاية الإدارية. فالتنظيم يضع القواعد العامة المجردة التي يخضع لها الجميع.

أما الوصاية فتظهر عندما تصبح السلطة التنفيذية صاحبة القرار في تدبير الشأن المهني أو مؤثرة فيه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وعندما تتولى وزارة العدل تنظيم الولوج إلى المهنة، والإشراف على التكوين والتكوين المستمر، والتخصص، ومنح بعض التراخيص، وإبداء الرأي في العقود المهنية الدولية، وتلقي الجداول المهنية، على سبيل المثال لا الحصر فإنها لا تكتفي بوضع الإطار القانوني، وإنما تصبح شريكا دائما في تدبير الحياة المهنية. وهو الأمر الذي يقترب من مفهوم الوصاية الإدارية أكثر مما يقترب من مجرد التنظيم التشريعي.

سادسا: قراءة دستورية محتملة لموقف المحكمة الدستورية

إذا استحضرت المحكمة الدستورية فلسفة دستور 2011، فإنها ستعمل لا محالة على فحص مدى احترام مشروع القانون لمبدأ استقلال الدفاع، باعتباره مبدأ يستفاد من مجموعة من المقتضيات الدستورية، وفي مقدمتها:

  • الفصل الأول المتعلق بفصل السلط وتوازنها؛
  • الفصل 107 الذي يقرر استقلال السلطة القضائية؛
  • الفصل 110 الذي يكرس استقلال مختلف الفاعلين داخل منظومة العدالة كل في حدود اختصاصه؛
  • الفصل 118 الذي يضمن حق التقاضي؛
  • والفصل 120 الذي يكرس الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة.

كما يمكن للمحكمة الدستورية أن تستحضر المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين المعتمدة في مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنعقد بهافانا سنة 1990 التي تعد امتدادا للعهد الدولي للحقوق السياسية والاقتصادية، والتي تؤكد أن المحامين يجب أن يتمكنوا من ممارسة مهنتهم مستقلين ومن خلال مؤسسات مستقلة، بعيدا عن أي تدخل غير مبرر من السلطات التنفيذية.

وحيث إن القانون 23.66 نفسه يشير في المادة 32 على أن المحامي يمارس مهامه بمجموع تراب المملكة وخارجه وفق الاتفاقيات الدولية المصادق عليها والمنشورة بالجريدة الرسمية.

وعليه، فإن معيار الدستورية لن يكون هو مجرد وجود تدخل لوزارة العدل، وإنما مدى ضرورة هذا التدخل، وتناسبه، وعدم مساسه بجوهر استقلال المهنة ومؤسساتها.

خاتمة

إن التطور الدستوري الذي عرفه المغرب منذ سنة 2011 اتجه بوضوح نحو تقليص حضور السلطة التنفيذية داخل منظومة العدالة، وتعزيز استقلال مختلف الفاعلين فيها.

ولذلك يبدو من غير المنسجم أن يعاد، بمقتضى القانون رقم 66.23، المعروض حاليا على انظار المحكمة الدستورية توسيع اختصاصات وزارة العدل داخل التنظيم المهني للمحاماة، في الوقت الذي خرجت فيه النيابة العامة نفسها من وصاية الوزارة، وأصبحت السلطة القضائية مستقلة عنها.

فإذا كان القضاء والنيابة العامة قد تحررا من الإشراف الحكومي، فإن من باب أولى أن تتمتع المحاماة، باعتبارها شريكا في تحقيق العدالة وضمانة أساسية للحق في الدفاع، بالاستقلال المؤسسي الكامل، وأن يظل تدخل الدولة مقتصرا على سن القواعد التشريعية العامة، مع إسناد تدبير الشأن المهني إلى المؤسسات المنتخبة للمحامين، تحت رقابة القضاء وحده.

ومن ثم، فإن إعادة توزيع الاختصاصات الواردة في مشروع القانون، بما ينسجم مع فلسفة دستور 2011، لا تمثل مطلبا فئويا للمحامين، وإنما تشكل استحقاقا دستوريا يهدف إلى تكريس استقلال الدفاع، وصيانة التوازن بين مختلف مكونات العدالة، وترسيخ دولة الحق والقانون.

* محام بهيئة المحامين بالرباط مقبول للترافع أمام محكمة النقض

https://anbaaexpress.ma/lkdzx

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى