آراءثقافة
أخر الأخبار

تجديد الخطاب الديني.. بين ثبات النص وحركية التأويل

يتوزع الفكر الإنساني بين خطابات متعددة النزعات تفرضها الممارسات السياسية والتحولات الاجتماعية والمقتضيات الاقتصادية، وهي خطابات تتصف بالمرونة والنسبية والتحول المستمر بحكم مصدرها البشري، بينما يتفرد الخطاب الديني بخصائص مغايرة تستمد مسوغاتها من مصدر مفارق ومقدس يمتد من السماء إلى الأرض ليؤطر حركة الإنسان.

حيث يتجسد هذا المعلم في النص القرآني الموحى به وفي البيان النبوي المأثور، غير أن تداول مفهوم الإصلاح والتحديث في هذا المجال يثير تساؤلات حادة تتصل بحدود المشروعية الفكرية.

فكيف يستقيم القول بتجديد خطاب يستمد سلطته من الإطلاق والكمال مع افتراض الثبات في أصوله، وهل ينصب هذا التجديد على بنية النص الخالد أم يمتد ليشمل آليات الفهم والقراءة البشرية المتغيرة عبر الأزمنة؟

ينجلي الغموض المحيط بهذه الإشكالية حين ندرك أن فعل التجديد يتوجه رأسا إلى العقل الإنساني وطرق تأويله للخطاب ولا يمس النص المقدس في ذاته، إذ يظل اللفظ القرآني ثابتا لا يتغير بينما تتعدد القراءات وتتسع المدارك بتغير البيئات والعصور دون التعدي على الأحكام القطعية والدلالات النصية المحكمة، وهو ما يجسده موقف الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أوقف العمل بسهم المؤلفة قلوبهم في الزكاة واجتهد في عدم تقسيم أرض السواد بالعراق بين الفاتحين وجعلها وقفا للأمة، مستحضرا روح العدل والمصلحة دون أن يمس ثبات النص القرآني.

يمتد هذا المنحى المعرفي في الفكر المعاصر مع الدكتور رشدي فكار في كتابه تأملات في الفكر الإسلامي، حيث أكد على أن تجديد الخطاب لا يعني الانسلاخ عن الثوابت، بل يتطلب امتلاك العقل المسلم لأدوات المناهج العلمية والنقدية الحديثة بعد إخضاعها للتمحيص وتنقيتها من المنطلقات المادية الوافدة، للتوصل إلى قراءة نقدية تعي خصوصية المرجعية الإسلامية وتلبي متطلبات الواقع برصانة واقتدار.

طبعا، يؤدي التعصب للقراءات الحرفية والجمود على ظواهر النصوص إلى تفريغ الدين من طاقته الإصلاحية الحية، إذ يتحول التعاطي مع الكتاب والسنة في هذه الحالة إلى ممارسة شكلية تقف عند حدود التلاوة والتعبد الفردي، مع تعطيل الأدوات الفكرية الكفيلة بتقديم حلول واقعية لقضايا المجتمع والمعرفة.

إن إهمال البعد المقاصدي يجعل الرؤية الفكرية عاجزة عن فك الارتباط بين المقاصد الكلية وبين الفتاوى التاريخية التي ارتبطت بظروف زمانية محددة، مما يفسح المجال أمام القراءات السطحية لتعيد إنتاج إجابات الماضي عن أسئلة الحاضر بطريقة تفصل النص عن حركة الواقع وتعيق تطور العقل البشري.

تشتد خطورة هذا الجمود حين يتحول التفكير الديني إلى بضعة شعارات عاطفية يروج لها دعاة الشاشات الافتراضية، أولئك الذين يعتمدون الترهيب الوجداني والإثارة للتأثير على المتلقين وتضليلهم بيقين زائف، حيث تُرفع الاجتهادات البشرية الفردية إلى مرتبة المقدس المعصوم.

يظهر هذا الانحراف في اختزال الفقه المقاصدي الواسع إلى أحكام تفتقر للعمق المعرفي، مما يصنع تدينا مظهريا يقدم الشكل على الجوهر، ويتسبب في خلق تكتلات منقادة تُدار بلغة الإقصاء والمزايدة ضد كل طرح عقلاني هادئ يسعى لحماية السكينة العامة وصيانة التفكير النقدي لدى الناشئة.

في الحقيقة يتأسس التحديث الحقيقي على العمل النقدي المتزن الذي ينطلق من النماذج المحلية المعتدلة القائمة على الوسطية، متكاملا مع النَّفَس الروحي للتصوف الذي يمنح الفقه أبعاده الأخلاقية والجمالية ويحميه من الجفاف والشكلانية.

إن هذا المسار يتجسد في عمقه العملي داخل منظومة التربية والتعليم، وتحديداً في الفصول الدراسية للتعليم الاعدادي والثانوي التأهيلي حيث يقع على عاتق الاستاذ المدرس رهان تحويل المعرفة الدينية من تلقين مجرد للنصوص إلى بناء ملكة التفكير النقدي وحسن الاستدلال لدى الناشئة.

يمثل هذا العمل التربوي الميداني خط الدفاع الأول لتزويد المتعلمين بالمناعة الفكرية التي تميز بين الثابت المعصوم والفهم البشري المتغير، دون اندفاع نحو المناهج الوافدة أو انسلاخ عن العمق الحضاري للمجتمع، إذ يظل التجديد الأصيل عملية تراكمية هادئة تبني الوعي وتحمي الأجيال من الغلو والتطرف.

يتسامى الخطاب الديني في أبهى غاياته حين يتحول إلى دعوة صريحة للانفتاح والتسامح وتكريس قيم التعايش الإنساني واستيعاب الآخر، ليغدو قوة دافعة لبناء حضارة راقية تقوم على عقل يتدبر سنن التغيير ويسهم بفاعلية في إغناء المشترك البشري.

فهل ينجح الفكر المعاصر والجهد التربوي في تحرير المقاصد من قيود الجمود الشكلي ليجعل من الرسالة منطلقا لبناء الإنسان وتطوير الواقع، أم ستظل محاولات التحديث محاصرة بين سطوة التيار الحرفي وبين ابتذال المنابر السطحية؟.

https://anbaaexpress.ma/2e3h9

عبدالله فضول

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى