آراءسياسة
أخر الأخبار

المعارضة البرلمانية بعد انتخابات 2026: من غريزة الرفض إلى عقلانية الرقابة وصناعة البديل

كتلة معارضة قد تقترب في بعض السيناريوهات من 197 مقعدا لا تستطيع الاختباء خلف حجة قلة العدد. قوة بهذا الحجم تعني مسؤولية بالحجم نفسه: لجان أكثر فاعلية، أسئلة أدق، مساءلة أشد، حضور أقوى في مناقشة الميزانية، وتتبع فعلي للسياسات والبرامج، لا موسما من الخطب ينتهي بانطفاء الكاميرات

ليست قوة المعارضة في أن تجعل الحكومة عاجزة عن السير، بل في أن تجعلها عاجزة عن الخطأ من دون حساب. وبين المعنيين مسافة كاملة تفصل السياسة عن العبث، فالمعارضة التي تراقب وتحاسب وتقترح تحرس الديمقراطية، أما التي ترفض لمجرد الرفض، فإنها لا تعارض الحكومة بقدر ما تعارض وظيفة البرلمان نفسه.

بعد انتخابات 2026، لم يعد هذا النقاش ترفا نظريا. فقد أفرزت النتائج المؤقتة خريطة برلمانية جديدة تصدر فيها حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا، فالعدالة والتنمية بـ54 مقعدا، داخل مجلس يضم 395 نائبا.

وبحسب الصيغة التي ستتشكل منها الأغلبية، تظهر الحسابات الممكنة أن المعارضة قد تضم ما بين 167 و197 مقعدا، وأن عددا مهما من التركيبات يضعها عند 190 مقعدا أو أكثر، أي على مسافة قصيرة من نصف المجلس.

وهنا تحديدا تصبح القوة امتحانا.

فأن تجلس خارج الحكومة لا يعني أن تتحول تلقائيا إلى خصم لكل ما يصدر عنها. وهنا تحضر «عصية فرويدة» بوصفها استعارة لذلك الرفض الذي يتحول، مع التكرار، إلى استجابة شبه غريزية: تقترح الحكومة فنرفض، تعدل فنشكك، تنجز فنبحث عن ثغرة، وتتراجع فنعلن انتصارنا.

وفي نهاية المطاف يصبح الموقف معروفا قبل معرفة الموضوع، ويولد الجواب قبل قراءة السؤال.

هذه ليست معارضة، إنها عادة سياسية.

المعارضة الحقيقية تبدأ من مكان آخر تماما. تبدأ بالسؤال لا بالصراخ، وبالملف لا بالمنصة، وبالرقم لا بالشعار. وظيفتها أن تضع كل سياسة عمومية تحت المجهر: ماذا وعدت الحكومة؟ ماذا أنجزت؟ كم أنفقت؟ من استفاد؟ أين تعثر التنفيذ؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ ثم، وهذا هو الأصعب، ماذا تقترح المعارضة بديلا؟.

فمن السهل أن تقول إن سياسة التشغيل فشلت، لكن الأصعب أن تقدم تصورا أكثر قدرة على خلق فرص العمل. ومن السهل انتقاد المدرسة والمستشفى والاستثمار والأسعار، لكن المعارضة التي تريد أن تكون بديلا للحكم مطالبة بأن تخرج من راحة التشخيص إلى مشقة الوصفة.

وهنا يظهر الفرق بين «معارضة الحكومة» و«معارضة من أجل المعارضة». الأولى تحتاج إلى حكومة ناجحة بقدر ما تحتاج إلى كشف أخطائها، لأن نجاح السياسات العامة نجاح للمجتمع كله.

أما الثانية فقد تقع في مفارقة مؤذية: أن تتمنى التعثر كي تثبت صحة خطابها، وأن تبحث في كل تقدم عن سبب لتقليله، وفي كل إخفاق عن مادة للاحتفال السياسي.

المعارضة الناضجة لا تخشى أن تقول للحكومة: أصبتم هنا. كما لا تتردد في أن تقول لها: أخطأتم هناك. لأن استقلاليتها لا تقاس بعدد المرات التي تقول فيها «لا»، بل بقدرتها على أن تشرح لماذا قالتها، وما الذي تقترحه بعدها.

ثم إن كتلة معارضة قد تقترب في بعض السيناريوهات من 197 مقعدا لا تستطيع الاختباء خلف حجة قلة العدد. قوة بهذا الحجم تعني مسؤولية بالحجم نفسه: لجان أكثر فاعلية، أسئلة أدق، مساءلة أشد، حضور أقوى في مناقشة الميزانية، وتتبع فعلي للسياسات والبرامج، لا موسما من الخطب ينتهي بانطفاء الكاميرات.

وسيكون المواطن هو الحكم الأكثر صرامة. فهو لم يعد يريد معارضة تحفظ قاموس الاحتجاج، بل معارضة تحفظ الملفات، لا يريد نائبا يجيد رفع صوته فقط، بل نائبا يعرف أين ذهبت الأموال، ولماذا تأخر المشروع، وكيف يمكن إصلاح القانون، وماذا سيحدث إن استمر الخطأ.

انتخابات 2026 قد تمنح المغرب معارضة عددية قوية. أما أن تتحول هذه القوة إلى قوة سياسية، فذلك شأن آخر.

فالبرلمان لا يحتاج عصا ترفع في وجه كل مقترح، وإنما يحتاج عينا لا تغفل، وعقلا لا يجامل، ولسانا لا يتردد، ويدا تشير إلى الخطأ ثم تضع إلى جانبه البديل.

هناك فقط تصبح المعارضة ضرورة للدولة، لا خصومة مع الحكومة، وتصبح قوة العدد قوة في الممارسة.

أما إذا كان الجواب عن كل شيء «لا»، قبل أن نعرف السؤال، فلن نكون أمام معارضة قوية، بل أمام «عصية فرويدة» تبحث كل صباح عن شيء جديد تضربه.

https://anbaaexpress.ma/br1mo

منير لكماني

مهندس مدني خبير في الإنشاءات والطاقة كاتب مغربي من ألمانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى