عباس محمد عمارة، كاتب عراقي
المقدمة:
يسعدني ويشرفني كثيرًا أن أحاور الشاعرة والباحثة الإيطالية ماريا كونتشيتا كونتي، تعيش في مدينة كاتانيا (Catania) على الساحل الشرقي لجزيرة صقلية في إيطاليا.
تخرجت في قسم الفلسفة بجامعة كاتانيا، وحصلت على درجة الماجستير في الكفايات والمهارات التربوية للتدريس من جامعة “روما تري” (Roma Tre)، فضلًا عن شهادة معتمدة في اليقظة الذهنية (Mindfulness).
تعمل أستاذة للآداب واللغة الإيطالية، وهي صاحبة تجربة تربوية وأدبية رائدة وثّقتها في كتابها: «ضحكات وأحلام: الهايكو في الفصل الدراسي» (Risate e sogni. Haiku in classe).
كما تحظى بحضور وتوثيق في الأرشيف الرسمي لـ «مؤسسة الهايكو الدولية» (The Haiku Foundation).
أسئلة المقابلة:
هل لكِ أن تحدثينا عن طفولتكِ، وجذوركِ، ومهنتكِ الحالية؟
الجواب: نشأتُ في كنف أسرة برجوازية، في بيئة مفعمة بقيم الإيمان المسيحي ومحورية الروابط الأسرية. ومنذ طفولتي المبكرة، استطاعت أمي أن تنقل إليّ بلطف ورقة حبًا عميقًا للأدب والشعر، وأن تغرس في داخلي حساسية وجدانية بالغة كان لها الفضل في توجيه كل خياراتي المستقبلية، بدأت وأنا لا أزال طفلةً بكتابة القصائد، ونظم الأبيات وإهدائها. ولما كان حلم تكريس حياتي للتعليم يراودني منذ صغري، واصلتُ مسيرتي الأكاديمية في جامعة كاتانيا حتى نلتُ شهادة التخرج في الفلسفة.
وسرعان ما تحول حلم الطفولة ذاك إلى حقيقة يومية: فأنا أعمل اليوم أستاذة للآداب في المرحلة الثانوية، وهي مهنة لا أراها مجرد عمل، بل ميلًا طبيعيًا وشغفًا أصيلًا ينبع من أعماقي. لا تزال حياتي منسوجة بخيوط الكتابة، والشعر الغنائي، والغوص المستمر في روائع الأدب والفكر الفلسفي.
وإنني لأعدّ القراءة فعلًا حيًا وجوهريًا لا يقل أهمية عن الكتابة ذاتها؛ فإذا كانت الكتابة وسيلة لمنح العالم الداخلي شكلًا وهيئة، فإن القراءة هي الإيماءة الحتمية التي تشرع أبوابنا للحوار، والإصغاء، والتفاعل الصادق مع العالم.
ما الذي أضافته مهنة التدريس إلى تجربتكِ في كتابة الهايكو؟
الجواب: لقد طبع التعليم كتابتي للهايكو بانضباط داخلي جوهري: البحث الصارم عن الجوهر والأساس. فالممارسة البيداغوجية والتربوية تفرض علينا يوميًا تجريد الفكر من البنى الزائدة للوصول إلى لبّ المفاهيم ونواتها.
وعلى النحو ذاته، يتغذى الشكل الشعري الموجز من هذا الاقتصاد اللغوي نفسه: فهو يقتضي تقطير الحدس أو العاطفة العميقة، وترك نقاء التكثيف ليعبر عن التجربة. وفي هذا المسار، تُعدّ علاقتي بالأجيال الشابة ينبوعًا لا ينضب للثراء الإنساني والفلسفي.
فكل فتى وفتاة يعبرون طريقي يعلمونني النظر إلى العالم بعيون جديدة، ويعيدون إليّ الدهشة إزاء ما نعدّه غالبًا من المسلّمات البديهيّة. لم تكن منصة التدريس يومًا حاجزًا أو رمزًا للتباعد، بل كانت على الدوام فضاءً مفتوحًا للإنصات، ونقطة التقاء حقيقية تتقاطع فيها الحساسيات وتغتني بالتفاعل المتبادل.
هذا التفاعل المستمر مع الطلاب يشحذ قدرتي على تأمل الحياة اليومية وتفاصيلها؛ فتفاصيل الحياة المدرسية، من ضوء يعبر قاعة الدرس في أواخر النهار، أو صمت كثيف مفعم بالترقب، أو نظرة تشع بالفهم والاستيعاب، تغدو كلها شظايا زمنية جديرة بالصون والحفظ.
وهكذا، لا يكتفي التدريس بتغذية شعري فحسب، بل يجسد روحه الأكثر أصالة: اقتناص اللحظة، واحتواء الآخر، وجعل اللقاء فعل اكتشاف مستمر.
من هم الشعراء الذين يمثلون بالنسبة إليكِ نموذجًا وقدوة وملاذًا مثاليًا؟
الجواب: يظل جاكومو ليوباردي منارتي التي لا تُضاهى، وشاعري الأثير الذي ينصهر في نتاجه التأمل الفلسفي مع نقاء الغنائية المطلق.
فمنه تعلمتُ القدرة على النظر إلى اللانهائي عبر سياج القيود اليومية، ومساءلة سرّ الوجود بيقظة شجاعة ووضوح، وتحويل الألم حتى إلى جمال عميق وتعاطف.
وتتغذى حساسيتي كذلك من أصوات كبرى في الأدب العالمي، يمنح كل صوت منها قبسًا مختلفًا:
جوزيبي أونغاريتي: يرشدني في فن الكلمة المكثفة الصاعقة، القادرة على إعادة القداسة للإيجاز.
إميلي ديكنسون: تعلمني اتساع الكون الداخلي، مؤكدة كيف يمكن للمرء أن يصون اللانهائي في صمت الجدران المنزلية.
روبندرونات طاغور وخليل جبران: يمثلان لي نبعًا من الحكمة الروحية، حيث يغدو الشعر أنشودة حب إنساني وتأملًا في الكائن البشري.
بابلو نيرودا: يهبني قوة الشغف الحميم، والاتصال العضوي بالعناصر، والاحتفاء بالطبيعة.
أما في قالب الهايكو على وجه التحديد، فبوصلتي تتجه نحو المعلمين الكبار للتقليد الأصيل، وممن حملوا مشعل هذا الإرث في العصر الحديث:
باشو: معلم الترحال والتأمل المقدس في اللحظة العابرة.
بوسون: يفتنني بحساسيته التصويرية والتشكيلية، وقدرته على رسم لوحات حية في ثلاثة أسطر فقط.
إيسا: يهز وجداني بتعاطفه الإنساني الغامر مع كل شكل من أشكال الحياة، حتى أشدها صغرًا وهشاشة.
شيكي: يوجهني نحو صرامة “الرسم من الواقع” (Shasei) وتجديد شكل القصيدة.
سانتوكا: يجسد الشعر العاري المتجرد، المتنقل والخالي من أي زوائد أو بهرجة.
جاك كيرواك: يوضح أخيرًا كيف يمكن للهايكو أن يندمج في إيقاع الحداثة الغربية محتفظًا بقدرته الكاملة على التقاط اللحظة الحاضرة.
كل واحد من هؤلاء لا يمثل مرجعًا أدبيًا فحسب، بل هو مرشد مثالي: من كل واحد منهم أستمد قبسًا من الرؤية لتغذية كتابتي، ومهنتي، وطريقتي في التواجد في هذا العالم.
ما هي أبرز الأعمال الإبداعية والأدبية التي تعكفين عليها حاليًا؟
الجواب: يسير التزامي الراهن في مسارين رئيسيين متكاملين: النشر الثقافي التوعوي، والبحث الشخصي في اللغة الشعرية. فعلى صعيد الترويج الأدبي والنشاط الثقافي، أتعاون بفاعلية مع جمعية «رَامي دورو» (Rami d’Oro – الأغصان الذهبية) الثقافية التي ترأسها تشينتسيا بيتينغارو.
وهي مؤسسة ناشطة وديناميكية تكرس جهودها لنشر الأدب بجميع أبعاده: حيث نضع خبراتنا وشغفنا في خدمة فن الكلمة، ونبرز أعمال الكتاب والشعراء عبر اللقاءات والندوات والمبادرات الثقافية.
وضمن المسابقات الشعرية التي ترعاها الجمعية، والتي تكتسب أحيانًا صبغة دولية، حظيتُ مرارًا بشرف المشاركة في لجان التحكيم، لا سيما في الأقسام المخصصة للأشكال التقليدية كالهايكو والسينريو.
وبالموازاة مع ذلك، أواصل بدأب دراساتي النظرية والتطبيقية المكرسة للهايكو؛دراساتي في حالة صيرورة وتطور مستمر، أغذّيها بتحليل النصوص النقدية والاطلاع المركز على الدوريات والمجلات المتخصصة الإيطالية والأجنبية.
وإنني لأرى في الدراسة الصارمة والحوار مع التجارب الدولية خطوة لا غنى عنها؛ إذ تتيح لي هذه المعايشة شحذ الحساسية النقدية باستمرار، وضخ دماء جديدة في نتاجي الشعري الخاص.
كيف تتشكل طقوسكِ الخاصة بكتابة الهايكو؟
الجواب: لا تنبثق كتابة الهايكو عندي من فعل إرادي صارم، بل من حالة من الاستقبال والتقبل الداخلي المستمر. فالطقس الحقيقي لا يكمن في الجلوس الرسمي للكتابة خلف المكتب، بل في الموقف النفسي والذهني الذي أقف به أمام تفاصيل الحياة اليومية.
اللحظة الأولى هي الإصغاء التأملي: يغدو الهاتف الذكي في هذا السياق مفكرتي الرقمية؛ أداة هادئة وفعالة أحملها معي دائمًا لتدوين الخواطر السريعة. يولد الهايكو دائمًا تقريبًا من ومضة مفاجئة، أو إشراقة حدسية: ورقة شجر تتهادى في الهواء لحظة قبل أن تلامس الأرض، ظل غصن على جدار، أو الصمت الذي يسبق المطر.
في تلك اللحظة، يتلخص الطقس في التوقف، وتعليق الضجيج المحيط، وتثبيت تلك اللحظة على الشاشة قبل أن تفلت وتتلاشى.
اللحظة الثانية هي لحظة الانعزال والحذف (التجريد): في هدوء منزلي، وغالبًا مع تباشير الصباح الأولى أو في سكون المساء، أعود لتلك الملاحظات السريعة.
وهنا يتدخل الانضباط الحقيقي: حيث أجرّد النص من كل زينة، وأحذف النعوت والصفات الزائدة، وأختزل اللغة. ومثلما يحدث في فن النحت، ينبثق الشعر عندي عبر “طريقة الحذف والنحت”: أُقلّص حضور “الأنا” لإفساح المجال للصورة في نقائها المطلق.
المرحلة الختامية هي القراءة بصوت عالٍ: يجب أن يتنفس الهايكو؛ لذا أردده مرارًا للتحقق من إيقاعه، وموسيقاه الطبيعية، وعمق فترات الصمت بين أجزائه. فإذا تردد صدى البيت صافيًا وترك وراءه مساحة من الرنين والسكون، أدرك حينها أن اللحظة قد صينت وحُفظت بنجاح.
ما هو شعر الهايكو بالنسبة لكِ، وما الذي يميزه عن الأجناس الشعرية الأخرى؟
الجواب: شعر الهايكو بالنسبة لي هو، قبل كل شيء، لقطة فوتوغرافية سريعة: اقتناص لحظة هاربة تتحول إلى رؤية عميقة. إنه لحظة حضور ويقظة واعية، وتعليق للزمن يتحول فيه البصر إلى إصغاء نقي خالص.
وحتى يولد الهايكو، لا بد من توفر الصمت؛ ذاك الصمت الخارجي في أنفاس الطبيعة والعالم، وذلك الصمت الداخلي الذي يهدأ فيه صخب الأفكار والأنا ليفسح المجال للإدراك الحسي النقي. أما ما يميز الهايكو جوهريًا عن الأجناس الشعرية الأخرى فهو جوهره المجرد من كل تصنع.
فبينما يميل الشعر الغنائي التقليدي غالبًا إلى تضخيم المشاعر، وبناء هياكل استعارية معقدة، أو وضع ذات الشاعر في مركز المشهد، يعمل الهايكو بأسلوب التجريد والحذف. هو لا يفسر الواقع، ولا يصدر عليه أحكامًا، ولا يشرحه: بل يكتفي بإظهاره في فوريته العارية والمقدسة.
في هذا القالب الشعري، يستحيل الشاعر قناة شفافة، وتضع الكلمة نفسها في خدمة التجربة. الهايكو هو الاحتفاء المطلق بـ “هنا والآن”، وفن الإيجاز حيث تزن المساحة البيضاء، وما لم يُقَل، ورنين الصمت تمامًا بقدر ما تزنه الأبيات القليلة المطبوعة على الصفحة.
برأيكِ، ما هي القواعد التقنية الأساسية لكتابة الهايكو؟
الجواب: أكثر من التقيد بقفص العروض الصارم أو العدّ الحرفي للمقاطع الصوتية، الذي يهدد في الغالب عفوية اللغة عند نقله إلى اللغات الغربية، تتطلب كتابة الهايكو إخلاصًا لنسق جمالي وروحي دقيق. فالعبرة ليست بالبنية الميكانيكية، بل بالإيقاع الطبيعي للنَفَس ونقاء التكثيف.
ومن بين القواعد التقنية والمفاهيم الأساسية، يحضر أولًا التورياواسي (Toriawase)، وهو فن التجاور والإظهار: أي القدرة على الجمع بين عنصرين متمايزين ومنفصلين ظاهريًا لإشعال شرارة من المعنى بينهما. هذا التراكب يحيا بفضل الكيري (Kire – القطع أو الوقف)، وهي لحظة فصل تخلق فضاءً أبيض وفراغًا خصبًا يُدعى فيه القارئ ليكمل الرؤية بنفسه. تتشابك مع هذه البنية المبادئ الجمالية العظمى للتقليد التراثي:
مونو نو أواري (Mono no aware): الحساسية المتأثرة والمشوبة بالتعاطف إزاء زوال الأشياء، وإدراك الزمن المتدفق الذي يجعل كل لحظة غير قابلة للتكرار.
الوابي سابي (Wabi-sabi): حب البساطة المتقشفة، والجمال الناقص أو الخشن، وعلامات الزمن، والجمال المجرد في تفاصيل اليومي.
الكارومي (Karumi – الخفة): المبدأ الذي نادى به باشو في مرحلة نضجه، والذي يدعو إلى ملامسة الواقع بنعومة وعفوية، وتجنب أي ثقل مفاهيمي أو عاطفية مفرطة أو نزعة وعظية.
اليوغين (Yūgen): الأناقة العميقة المحتجبة، ذلك البُعد الغامض الذي لا تستنفد فيه الكلمة المشهد، بل تلمح إلى اتساع غامر مستتر في الأعماق.
الشاسي (Shasei – التخطيط (الرسم من الواقع): فعل تصوير الواقع كما هو، دون مرشحات أيديولوجية أو تراكيب عقلية مسبقة، وترك الأشياء تتحدث عن نفسها.
(Kigo – الإشارة الفصلية) أمرًا لا مناص منه: فهو ليس مجرد حلية وصفية، بل هو الحبل السري الذي يربط اللحظة الفردية بالدورة الكبرى للطبيعة.
وفي المحصلة، ليست القواعد التقنية للهايكو قيودًا مخصية أو قامعة، بل هي قنوات للشفافية، وظيفتها تجريد الأنا للسماح للعالم بأن يكشف عن نفسه في حقيقته العارية والمقدسة. ومن هذا المنظور تحديدًا ينبثق التطور نحو الكيغو المعاصر”.
فالإشارة الفصلية لا يمكن، ولا ينبغي، أن تظل حبيسة معجم ريفي أو موغل في القدم فحسب؛ فالكينات المعاصرة(Gendai kigo) تغدو علامات حقيقية تدل على الواقع الراهن، وقادرة على تسجيل تقلبات الزمن في العصر الذي نحياه فعلًا.
ومن هذا الانفتاح على الحاضر يستمد هايكو الغينداي (Gendai Haiku – الهايكو الحديث والمعاصر) أصوله. فعناصر الحياة اليومية المعاصرة، كمكيف الهواء، أو بريق شاشة في الليل، أو إيقاع حركة السير، أو الإسمنت المبتل بالمطر، تدخل القصيدة بكامل حقوقها.
ولا يُعدّ ذلك تدنيسًا للتقليد، بل هو تطوره الطبيعي والحيوي: فالغينداي يثبت أن الهايكو شكل شعري نابض بالحياة، قادر على الانغماس في عصرنا ليحكي عن إنسان اليوم دون أن يفقد شحنته التأملية وجوهره الفلسفي.
من الناحية التاريخية، كيف انتشر الهايكو وتجذر في إيطاليا؟
الجواب: يمثل انتشار الهايكو وتجذره في إيطاليا مسارًا آسرًا، شُيّد من الإشراقات الأدبية، والوساطات الثقافية، والتمثل التدريجي تربويًا وشعريًا:
1. الإرهاصات الأولى ومطلع القرن العشرين: وصل الاهتمام بالهايكو إلى إيطاليا بين أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مدفوعًا بموجة الهوس بالثقافة اليابانية (Japonisme) التي اجتاحت أوروبا آنذاك.
وكان الدور الريادي من نصيب ماريو كيني، الباحث والمترجم الذي عرّف الجمهور الإيطالي لأول مرة بالشعر الياباني الكلاسيكي. وفي تلك الفترة، بدأت شخصيات مثل غابرييلي دانونزيو وممثلو الحركة المستقبلية (مثل كورادو غوفوني) بالتجريب في القوالب القصيرة، مأخوذين بفورية الصورة ووميضها.
2. التناغم مع المدرسة الهرمسية (Ermetismo): رغم عدم تبني البنية العروضية للهايكو بصورة شكلية، إلا أن الشعر الإيطالي العظيم في القرن العشرين استوعب بعمق درسه الروحي والجمالي.
وخير مثال على ذلك جوزيبي أونغاريتي: فالإشراقات الوجيزة والمجردة في ديوانه «الفرح» (L’Allegria) تتقاطع مع الهايكو في البحث عن الجوهر، ومحورية الكلمة العارية، والقدرة على التقاط استنارة كونية في رمشة عين.
ولاحقًا، قارب شعراء كبار مثل أندريا زانزوتو وإدواردو سانغوينيتي كتابة الهايكو مباشرة، مانحين هذا القالب مكانة رفيعة وكاملة في أدبنا.
3. نشأة مجتمع الهايكو والمأسسة (منذ ثمانينيات القرن الماضي): بدءًا من الثمانينيات، كفّ الهايكو عن كونه مجرد تجربة فردية ليصبح ممارسة مجتمعية قائمة بذاتها.
وتجلت النقطة المفصلية في تأسيس “الجمعية الإيطالية لأصدقاء الهايكو” (AIH) بروما عام 1987، وتلا ذلك ظهور المجلات المتخصصة، والمدونات، والمنتديات، والمجموعات التفاعلية، والمسابقات الأدبية المخصصة. وقد سمح ذلك بتكوين شعراء هايكو حقيقيين (Haijin) قادرين على مضاهاة التقليد الياباني والتحاور مع الساحات الدولية.
4. التجذر المعاصر والبُعد التعليمي: يمثل الهايكو اليوم واقعًا ينبض بالحياة في بلدنا، حيث تجذر عبر مسارين:
البحث الشعري: متأرجحًا بين احترام المعايير الكلاسيكية والانفتاح على الجنداي
(الهايكو الحديث)، القادر على تصوير المشاهد الحضرية والحياة اليومية الغربية.
البُعد البيداغوجي والمدرسي: دخل الهايكو بقوة إلى الفصول الدراسية كأداة تكوينية استثنائية، مثالية لتربية النشء على الإيجاز، والوعي اللغوي، والملاحظة الواعية والمحترمة للطبيعة.
وهكذا، لم يُستورد الهايكو إلى إيطاليا فحسب، بل احتضنته حساسيتنا وأخصبته، ليغدو جسرًا للقاء بين فلسفة الشرق والتقاليد الغنائية للغرب.
كيف تقيّمين حركة الهايكو المعاصرة في إيطاليا؟ وهل يُنظر إليه اليوم كجنس شعري متكامل الأركان؟
الجواب: تعيش حركة الهايكو المعاصرة في إيطاليا مرحلة من الحراك الاستثنائي، تتسم بنمو كمي لافت وترسيخ تصاعدي لمكانتها الأدبية.
أما فيما يتصل بإدراك هذا الجنس، فنحن نشهد تحولًا تدريجيًا ومستحقًا في المفاهيم. فطوال مدة طويلة، كان الهايكو يُستقبل في بلادنا بطريقة اختزالية مؤسفة؛ إذ كان يُخلط بينه وبين ألعاب الألغاز العروضية (الالتزام الصارم لمقاطع 5-7-5) أو يُحصر في مجرد تمرين مدرسي للأطفال. أما اليوم، فإن المشهد يتطور نحو اعتراف أكثر وعيًا وعمقًا بفضل:
تجاوز الأحكام المسبقة: يدرك عدد متزايد من القراء والنقاد والناشرين أن الهايكو ليس حكمة مقفاة، بل جنس شعري مستقل بذاته، يمتلك بنية داخلية دقيقة، وقوانين جمالية معقدة، وجذورًا فلسفية عميقة.
تجذر مجتمع أدبي ناضج: إن وجود جمعيات ثقافية فاعلة، وتنظيم مسابقات دولية، وظهور مجلات متخصصة، والجهد النشط لدور النشر، يتيح لشعراء الهايكو الإيطاليين الاحتكاك الدائم بالتقليد الكلاسيكي والدوائر الدولية.
الاعتراف بالقيمة التربوية والوجودية: يُفهم تدريس الهايكو اليوم كمسار حقيقي لمحو الأمية العاطفية واللغوية، وقادر على التدريب على الصمت، وتأمل الطبيعة، والإيجاز المكثف.
ومع ذلك، تواجه الحركة المعاصرة تحديًا مقلقًا: خطر الابتذال والتسطيح. فالسرعة التي تفرضها وسائل التواصل الحديثة تقود أحيانًا إلى الخلط بين إيجاز الهايكو والسطحية؛ مما يفرز نصوصًا ليست سوى جُمَل رنانة مفرغة من “الكيري” (القطع)، أو “التورياواسي” (التجاور الكاشف)، أو النزعة التأملية التي تؤلف روح القصيدة.
وعمومًا، فإن تقييمي إيجابي للغاية؛ إذ يفرض الهايكو نفسه في إيطاليا كشعر حقيقي مكتمل الشروط، قادر على محاورة تراثنا الغنائي الغربي. وسيعتمد نضجه النهائي على قدرة ممارسيه على مواصلة دراسة أسسه النظرية بدقة وصرامة، متجنبين الممرات السهلة والقصيرة، والتعامل مع هذا الفن وفق حقيقته: طريقًا للمعرفة ورياضة للبصيرة.
ما الذي يمكن أن يقدمه الهايكو لـ «الإنسان ذي البُعد الواحد»، استعارةً لتعبير هربرت ماركوزه الشهير؟
الجواب: إلى «الإنسان ذي البُعد الواحد» عند ماركوزه، الرازح تحت وطأة التنميط، ومنطق الإنتاجية بأي ثمن، والاستهلاك، يمنح الهايكو قبل كل شيء الإمكانية الثورية للتوقف. وفي سياق “مجتمعنا السائل”، المتسم باللهاث، وسيولة الروابط، والدفع الدائم نحو ملاحقة نماذج وحاجات مفروضة من الخارج، يعمل الهايكو كفعل مقاومة شعرية ووجودية أصيلة.
فإزاء الإلزام المفروض بالركض والتراكم، يفرض علينا هذا القالب الموجز وقفةً، ولحظة استكانة. يهب الهايكو ذلك الفراغ الخصيب والمساحة الداخلية التي تحاول الحداثة باستمرار خنقها وملأها.
إنه يعلمنا ألا نترك تيار الأحداث الجارف يبتلعنا، وألا نلهث وراء ما تفرضه المنظومة كأولويات. ومن خلال ممارسة الحضور الواعي وعيش “هنا والآن”، يعيد الهايكو للإنسان بُعده الضائع: بُعد العمق، والتأمل، والإصغاء.
فالتوقف لالتقاط تفصيل من الطبيعة أو لحظة من الحياة اليومية يعني التحرر من منطق الاستهلاك لاستعادة زماننا وإنسانيتنا المسلوبة. ومن هذا المنطلق، لا يمثل الهايكو مجرد هروب من الواقع، بل هو سبيل لسكناه بحرية ووعي مستعادَين.
هل يمثل شعر الهايكو بالنسبة لكِ أسلوب حياة، أم هو ممارسة وطقس يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفلسفة الزن؟
الجواب: لا يمثل الهايكو بالنسبة لي إطلاقًا طقسًا أو ممارسة مرتبطة بفلسفة الزن. فأنا أعيش مندمجة في مجتمع وسياق ثقافي غربيين تمامًا، لا يتناسبان مع أسلوب حياة الزن، وهو بُعد لا ينتمي إليّ ولا أرغب في اعتناقه، في انسجام تام مع جذوري وتكويني الفكري.
وعوضًا عن اعتباره عقيدة مذهبية أو رياضة شرقية، فإنني أفهم الهايكو كأسلوب حياة أصيل، واستعداد روحي، وهيئة من الانتباه اليومي. إنه وضعية للبصيرة والمعرفة: معرفة إفساح المجال للصمت، والقدرة على الاندهاش أمام الأشياء، والممارسة المستمرة لاقتناص الجوهري والأساس في مجرى الأيام. لستُ بحاجة إلى صوفية الزن لممارسة شعر اللحظة الحاضرة.
فالهايكو بالنسبة لي هو ببساطة درب شعري ووجودي لسكْنى العالم برقة، وإنصات، وحضور يقظ وصافٍ، مع ترك حساسيتي الخاصة ترن وتتردد في قلب المجتمع والواقع الذي أحيا فيه.
هل هناك ما تودين الإشارة إليه أو مشاركته حول الهايكو بشكل خاص عبر هذا الحوار؟
الجواب: ما يعنيني بصورة خاصة، وأود تركه كرسالة ختامية لهذا الحوار، هو الفكرة القائلة بأن الهايكو لا ينبغي أن يُنظر إليه أبدًا كفن نخبوي أو متعالٍ. ففي عصر يدفعنا نحو العزلة والضجيج، يمثل الهايكو فعلًا من أفعال الديمقراطية الشعرية العميقة والتشارك الإنساني.
إنه دعوة موجهة للجميع، ولا سيما للشباب الذين أحظى بشرف مرافقتهم يوميًا، لإعادة اكتشاف سحر العالم اليومي ودهشته. فلسنا بحاجة إلى الاعتزال عن العالم لنصنع الشعر؛ فالجمال والعمق يختبئان في ثنايا أيامنا، وفي حجرات الدراسة، وشوارع مدننا، وفي الإيماءات البسيطة والنظرات التي نتقاطع معها.
أود من قارئ هذا الحوار أن يتذكر أن قراءة وكتابة الهايكو ليستا تمرينًا في الأسلوب أو استعراضًا شكليًا، بل هما شكل من أشكال التحالف والحوار.
ومثلما تمنحني القراءة على الإصغاء للآخر، كذلك يمد الهايكو يدًا مفتوحة للقارئ: يسلّمه نصف الصورة ويطلب منه أن يكمل النصف الآخر بحساسيته وتاريخه الإنساني الخاص.
وإذا كان لهذا الفن الشعري أن يعلمنا شيئًا ثمينًا لعصرنا، فهو فن تدريب العين والبصيرة على الامتنان ورعاية ما يحيط بنا.
أن نتوقف، ونتنفس، ونصون جمال الأشياء الناقصة وغير المكتملة: تلك هي أعظم عطية يواصل الشعر منحها لي، وتلك هي الرسالة التي أرجو بصدق نقلها للآخرين.





