ربما كان الخطأ الأكبر الذي ارتكبته إسرائيل بعد السابع من أكتوبر أنها اعتقدت أن الحرب ستبقى حيث بدأت، وأن غزة مهما احترقت ستظل مسألة بعيدة يستطيع الغرب أن يتعامل معها بالطريقة التي تعامل بها مع حروب كثيرة سبقتها في فلسطين ولبنان أي بعض الاحتجاج وكثير من البيانات ثم عودة الأمور إلى مكانها القديم.
لكن الذي حدث كان مختلفا فالحرب خرجت من جغرافيا الشرق الأوسط، ودخلت إلى قلب المجتمعات الغربية، وفتحت هناك معركة لم تعد إسرائيل قادرة على حسمها بالطائرات، ولا تستطيع الولايات المتحدة إغلاقها بالفيتو وهي معركة صورتها في وعي جيل جديد لم يعد مستعدا لأن يرى الفلسطيني من خلال الرواية الإسرائيلية ولا أن يقبل أن تكون المبادئ التي يتحدث عنها الغرب صالحة لكل شعوب الأرض باستثناء شعب واحد
من الصعب أن نعرف الآن إلى أين سيصل هذا التحول، ومن السذاجة إعلان نهاية النفوذ الإسرائيلي في واشنطن فالعلاقات التي بُنيت خلال ثلاثة أرباع القرن لا تسقط في انتخابات تمهيدية ولا في مظاهرة جامعية وأيباك لا تزال قوة مالية وسياسية هائلة وإسرائيل لا تزال تمتلك داخل الكونغرس والمؤسسة الأمنية والإعلامية شبكة نفوذ لا يمكن التقليل من شأنها، لكن السياسة لا تتغير فقط يوم تسقط المؤسسات القديمة، بل تبدأ بالتغير يوم تفقد هذه المؤسسات قدرتها على فرض الصمت.
ومن يتابع الولايات المتحدة منذ حرب غزة يستطيع أن يرى أن المحرم القديم لم يعد محرما، وأن السؤال الذي كان يكفي قبل سنوات لإنهاء مستقبل سياسي لشاب أميركي أصبح اليوم يُطرح داخل الحزب الديمقراطي، وفي الجامعات ووسائل الإعلام وحتى بين بعض أبناء اليمين الأميركي وهو لماذا يجب أن يبقى دعم إسرائيل غير مشروط مهما فعلت حكومتها.
هنا تصبح خسائر المرشحين المدعومين من أيباك في عدد من الانتخابات التمهيدية أهم من مجرد حساب الربح والخسارة، لأن المسألة ليست أن اللوبي الإسرائيلي هُزم، أو أن المال فقد تأثيره، بل إن اسمه نفسه أصبح في بعض البيئات الانتخابية موضوعا للنقاش بعد أن كان الاقتراب منه جزءا شبه طبيعي من الطريق إلى واشنطن، وأصبح هناك مرشحون يستطيعون رفض تمويله علنا وناخبون يسألون عن مصدر الأموال وموقف المرشح من غزة وتسليح إسرائيل، وهذه بداية تحول ثقافي قبل أن تكون انقلابا سياسيا فالنفوذ الحقيقي لأي لوبي لا يُقاس فقط بحجم الشيكات التي يكتبها، بل بعدد الأسئلة التي يستطيع منع الناس من طرحها.
والأكثر إثارة أن الشرخ لم يعد ديمقراطيا فقط فداخل عالم MAGA نفسه بدأت تظهر أصوات شابة لا تفهم لماذا ينبغي أن تعني عبارة «أميركا أولا» تمويل الحروب في كل مكان، ثم تتوقف عن معناها عند إسرائيل، ولا يحمل هؤلاء بالضرورة تعاطفا تاريخيا مع الفلسطينيين، ولا ينطلقون من ثقافة اليسار الأميركي، بل من شك أعمق في الحروب الخارجية، وفي النخب وفي الالتزامات التي يرون أنها تستنزف الولايات المتحدة، ولهذا قد يجد ترامب نفسه أمام مفارقة صنعتها حركته بنفسها، فقد علّم جمهوره أن يسأل عن ثمن كل تحالف وعن الفائدة التي تجنيها أميركا منه، ثم اكتشف أن بعض هذا الجمهور يريد أن يطرح السؤال نفسه على العلاقة التي يفترض أن تبقى فوق الأسئلة.
لهذا يبدو السؤال عما إذا كان ترامب آخر رئيس أميركي يقدم لإسرائيل دعما بلا قيد أكثر جدية، مما كان سيبدو قبل أعوام قليلة، وليس لأن الرئيس الذي سيأتي بعده سيصبح مؤيدا للفلسطينيين أو لأن واشنطن ستنقلب فجأة على تل أبيب، فهذا نوع من التمني لا من التحليل، بل لأن الدعم غير المشروط يحتاج إلى مجتمع يقبل به وإلى نخبة لا تخجل من الدفاع عنه، وإلى جيل يرى إسرائيل بالطريقة نفسها التي رآها بها آباؤه، وهذه الشروط الثلاثة لم تعد مضمونة.
في الجامعات ظهرت أولى علامات الانفصال الكبير بين الأجيال، وربما لهذا السبب تحديدا كانت المواجهة معها بهذه القسوة فالطلاب الذين اعتصموا من أجل غزة لم يواجهوا إدارات جامعية فقط، بل منظومة كاملة من المانحين والسياسيين ووسائل الإعلام واللوبيات، ووجد بعضهم مستقبله الأكاديمي والمهني مهددا ومع ذلك لم تختف الحركة، بل انتقلت من جامعة إلى أخرى، ومن الولايات المتحدة إلى أوروبا، وأصبح النقاش حول فلسطين جزءا من سؤال أكبر عن حرية التعبير نفسها وعن حدود السلطة التي يستطيع المال السياسي ممارستها داخل مؤسسات يفترض أنها صُنعت لحماية التفكير الحر.
قبل الحرب بسنوات قليلة كتب مارك لامونت هيل وميتشل بليتنيك كتابهما «Except for Palestine» واختارا عنوانا يكاد يلخص المعضلة كلها فالليبرالية الأميركية تستطيع أن تتحدث بلا نهاية عن المساواة وحقوق الأقليات ومناهضة العنصرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ثم تصل إلى فلسطين، فتبدأ الاستثناءات وما فعلته غزة أنها جعلت هذا الاستثناء مرئيا إلى درجة يصعب معها إخفاؤه، لأن ملايين الشباب لم يعرفوا الحرب من بيانات الجيش الإسرائيلي ولا من افتتاحيات الصحف الكبرى، بل شاهدوها كل يوم على شاشاتهم، ورأوا الأطفال تحت الركام والمستشفيات المدمرة والمدن التي تحولت إلى غبار، ثم رأوا حكوماتهم وهي تواصل إرسال السلاح.
هذه الصور ستبقى أطول من الحرب نفسها، وهذا ربما ما لم تحسبه إسرائيل جيدا فالأجيال السياسية تصنعها الصور بقدر ما تصنعها الأفكار والجيل الأميركي الذي حكم خلال العقود الماضية حمل في ذاكرته إسرائيل الصغيرة المحاصرة والمحرقة وحرب 1967.
أما الجيل الذي يدخل الحياة العامة اليوم، فقد تكون صورته المؤسسة عن إسرائيل مختلفة تماما دولة قوية تمتلك أحد أكثر الجيوش تطورا في العالم، وتقصف شعبا محاصرا داخل مساحة صغيرة، ثم تمتد الحرب إلى لبنان، بينما تقف القوة الأعظم في العالم خلفها.
لا يعني ذلك أن أميركا ستتخلى غدا عن إسرائيل ولا أن أوروبا ستكتشف فجأة فلسطين التي تجاهلتها طويلا فالتاريخ لا يتحرك بهذه السرعة والمصالح أقسى من الأخلاق، لكن التحالفات الكبرى تبدأ بالاهتزاز قبل سنوات طويلة من تغير المعاهدات وما يتغير اليوم هو البيئة التي جعلت الدعم غير المشروط ممكنا ومقبولا وقليل الكلفة.
قد لا يكون ترامب آخر رئيس أميركي يدعم إسرائيل، لكنه قد يكون آخر رئيس يستطيع أن يتصرف كما لو أن هذا الدعم لا يحتاج إلى تفسير، وربما تكون هذه هي النتيجة الأبعد للسابع من أكتوبر والحرب على غزة ولبنان فإسرائيل التي دخلت الحرب بحثا عن استعادة الردع قد تخرج منها، وقد خسرت شيئا يصعب استعادته بالقوة وهو قدرتها على تحديد الطريقة التي يراها بها الغرب.
فالمدن المهدمة يمكن أن تُبنى من جديد أما الصورة التي انهارت في ذاكرة جيل كامل فقد تحتاج إلى أكثر من جيل كي تُرمم.




