د. روضة المعلاوي
قد يبدو قرار يصدر في واشنطن بعيداً جداً عن المواطن في تونس أو أي دولة أخرى. فما علاقة رفع الفائدة الأمريكية بسعر النفط؟ وما علاقة الدولار بكلفة الطاقة؟ ولماذا يمكن لقرار يتخذه الاحتياطي الفدرالي أن يصل تأثيره إلى اقتصادات تبعد آلاف الكيلومترات عن الولايات المتحدة؟
هنا بالضبط تبدأ قصة الارتدادات.
في عالم أصبحت فيه الأسواق مترابطة إلى حد كبير، لم تعد القرارات النقدية الكبرى تبقى داخل حدود الدول التي تتخذها.
ورفع الفائدة الأمريكية ليس مجرد أداة لمواجهة التضخم داخل الولايات المتحدة، بل قرار تتحرك معه الأسواق العالمية، وتتغير معه حسابات المستثمرين والمقترضين والدول المستوردة للطاقة.
في 16 سبتمبر 2026، رفع الاحتياطي الفدرالي الأمريكي سعر الفائدة بـ25 نقطة أساس، لتصبح في نطاق 3.75% إلى 4%، في ظل استمرار التضخم فوق المستوى الذي يستهدفه البنك المركزي الأمريكي.
قد يبدو الرقم محدوداً، لكن المسألة ليست في الـ25 نقطة أساس وحدها. الأهم هو ما تقوله هذه الخطوة عن اتجاه السياسة النقدية الأمريكية، وما يمكن أن تفعله في الاقتصاد العالمي.
عندما تتحرك الفائدة.. يتحرك الدولار
لفهم ما يحدث، علينا أن نبدأ من الدولار.
الدولار ليس مجرد العملة الوطنية للولايات المتحدة. هو العملة التي تقوم عليها نسبة كبيرة من التجارة العالمية، وهو حاضر بقوة في التمويل الدولي، كما أن النفط والغاز يتم تسعيرهما أساساً بالدولار.
لذلك، عندما ترتفع الفائدة الأمريكية، تصبح الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية نسبياً للمستثمرين.
وقد يؤدي ذلك إلى دعم الدولار والضغط على عدد من العملات الأخرى.
وهنا تبدأ القصة بالنسبة إلى الدول المستوردة.
إذا كانت الدولة تشتري النفط والغاز بالدولار، ثم تراجعت قيمة عملتها أمام الدولار، فإنها ستحتاج إلى مزيد من العملة المحلية لشراء الكمية نفسها من الطاقة.
بمعنى أبسط: قد ترتفع كلفة الواردات حتى لو لم يرتفع سعر السلعة نفسها، فقط لأن الدولار أصبح أغلى.
وهذه واحدة من أهم الطرق التي تنتقل بها قرارات الفدرالي إلى بقية العالم.
النفط يدخل على الخط
لكن ماذا لو ارتفع الدولار في الوقت نفسه الذي ترتفع فيه أسعار النفط والغاز؟
هنا تصبح المسألة أكثر صعوبة.
أسواق الطاقة لا تتحرك اليوم وفق العرض والطلب فقط. فالتوترات الجيوسياسية، والعقوبات، واضطرابات الإمدادات، وأمن الممرات البحرية، والهجمات على البنية التحتية للطاقة، كلها أصبحت عوامل حاضرة بقوة في تحديد اتجاه الأسعار.
ولهذا يمكن أن تجد الدول المستوردة نفسها أمام ثلاثة ضغوط في وقت واحد: طاقة أكثر كلفة، دولار أقوى، وتمويل أكثر تكلفة.
وهذه ليست مجرد أرقام في الأسواق.
عندما ترتفع فاتورة الطاقة، يرتفع الضغط على الميزان التجاري. وعندما ترتفع كلفة النقل والإنتاج، يمكن أن تنتقل التأثيرات إلى أسعار السلع والخدمات. وعندما يتراجع هامش الدولة المالي، تصبح قدرتها على مواجهة الصدمة أكثر صعوبة.
وهنا تتحول الطاقة من ملف اقتصادي إلى ملف أمن اقتصادي.
الديون.. فاتورة أخرى قد ترتفع
هناك جانب آخر من القصة لا يظهر للمواطن مباشرة، لكنه مهم جداً بالنسبة إلى الدول والحكومات والشركات: تكلفة الاقتراض.
فعندما ترتفع العوائد في الولايات المتحدة، يمكن أن ترتفع معها تكلفة التمويل في الأسواق العالمية.
وقد أشار صندوق النقد الدولي في سبتمبر 2026 إلى أن ارتفاع عوائد الاقتصادات المتقدمة يدفع عوائد الاقتراض في العديد من الاقتصادات إلى مستويات أعلى، في وقت تواجه فيه الدول النامية احتياجات كبيرة لإعادة التمويل وارتفاعاً في تكاليف خدمة الدين.
وهنا تظهر مشكلة حقيقية.
الدولة التي تحتاج إلى الاقتراض لإعادة تمويل ديون سابقة أو لتمويل مشاريع جديدة قد تجد نفسها مضطرة إلى دفع فوائد أكبر.
وإذا كانت هذه الديون بالدولار، فإن قوة العملة الأمريكية تضيف عبئاً آخر.
أي أننا أمام معادلة بسيطة ولكنها ثقيلة: فائدة أعلى + دولار أقوى = تمويل أكثر كلفة.
والأمر لا يتوقف عند الحكومات. الشركات أيضاً قد تعيد النظر في مشاريعها عندما ترتفع تكلفة القروض، خصوصاً المشاريع الكبرى التي تحتاج إلى سنوات حتى تسترد تكلفتها.
وماذا عن الاستثمار؟
الاستثمار يحتاج إلى المال، والمال له تكلفة.
عندما تكون الفائدة منخفضة، يكون الاقتراض وتمويل المشاريع أكثر سهولة نسبياً. أما عندما ترتفع، تبدأ الشركات والمستثمرون في إعادة حساباتهم.
هل المشروع مربح بما يكفي؟
هل العائد المتوقع يستحق تكلفة التمويل؟
هل من الأفضل الاستثمار الآن أم الانتظار؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر حضوراً عندما تكون الفائدة مرتفعة.
وتزداد أهميتها في قطاع الطاقة تحديداً.
فمشروع للطاقة الشمسية أو الرياح، أو محطة كهرباء، أو منشأة تخزين، أو شبكة نقل، يحتاج إلى استثمارات كبيرة وتمويل طويل الأجل.
ومن المفارقات أن العالم يحتاج اليوم إلى استثمارات ضخمة في الطاقة والتحول الطاقي، في وقت تصبح فيه تكلفة رأس المال أكثر ارتفاعاً.
الاقتصادات الناشئة.. أين تكمن الحساسية؟
ليست كل الاقتصادات الناشئة متشابهة، ولا يعني رفع الفائدة الأمريكية تلقائياً أن رؤوس الأموال ستخرج منها.
لكن درجة التأثر تختلف بحسب وضع كل اقتصاد.
هناك دول لديها احتياطيات مريحة، ودين أقل، وقدرة أكبر على جذب الاستثمار. وهناك دول أخرى تواجه في الوقت نفسه عجزاً تجارياً واحتياجات تمويلية واعتماداً كبيراً على الاستيراد.
في الحالة الثانية، تصبح الصدمات الخارجية أكثر إيلاماً.
وقد حذر صندوق النقد الدولي من أن ارتفاع تكاليف التمويل وخدمة الدين يضغط بشكل خاص على الدول النامية التي تواجه احتياجات كبيرة لإعادة التمويل.
وهنا لا يكون السؤال فقط: هل سترتفع الفائدة؟
بل: هل يستطيع الاقتصاد تحمل آثارها؟
الفدرالي يراقب التضخم.. والعالم يراقب الفدرالي
هناك نقطة أخرى مهمة.
الاحتياطي الفدرالي لا يتخذ قراراته بناءً على وضع تونس أو أوروبا أو الأسواق الناشئة، وإنما استناداً إلى تطورات الاقتصاد الأمريكي، وفي مقدمتها التضخم وسوق العمل.
لكن لأن الاقتصاد الأمريكي والدولار يحتلان موقعاً مركزياً في النظام المالي العالمي، فإن العالم كله يراقب قرارات الفدرالي.
وتشير توقعات أعضاء الاحتياطي الفدرالي المنشورة في 16 سبتمبر إلى متوسط لسعر الفائدة عند 4.1% في نهاية 2026، مع مستوى مماثل في 2027، بينما يتوقع الفدرالي تراجع التضخم تدريجياً خلال السنوات القادمة.
كما أشار البنك المركزي الأمريكي إلى استمرار حالة مرتفعة من عدم اليقين، بما في ذلك ما يرتبط بالتطورات الجيوسياسية.
وهنا تبرز المفارقة.
الفدرالي يحاول السيطرة على التضخم، لكن الجغرافيا السياسية يمكن أن تأتي بعامل جديد يرفع التضخم من جديد، خصوصاً إذا كانت الطاقة في قلب الأزمة.
تونس.. عندما تلتقي صدمة الدولار مع فاتورة الطاقة
بالنسبة إلى تونس، تصبح هذه التطورات أكثر حساسية لأن تأثيرها لا يأتي من طريق واحد.
تونس تواجه أصلاً تحديات في قطاع الطاقة، مع تراجع الموارد المحلية واتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك وارتفاع الاعتماد على الخارج.
لذلك، عندما ترتفع أسعار الطاقة العالمية، تكون النتيجة واضحة: فاتورة الاستيراد ترتفع.
وعندما يرتفع الدولار، يمكن أن تصبح هذه الفاتورة أكثر كلفة بالدينار.
وعندما تصبح شروط التمويل الخارجي أكثر تشدداً، يصبح تمويل الاحتياجات والاستثمارات أكثر صعوبة.
وهنا نصل إلى ما يمكن تسميته مثلث الضغط على الاقتصاد التونسي: الطاقة، الدولار، والتمويل.
ثلاثة عوامل مختلفة، لكنها يمكن أن تلتقي في الوقت نفسه.
المشكلة ليست في الفدرالي وحده
وهنا أعتقد أن من المهم جداً عدم اختزال التحدي التونسي في قرار الاحتياطي الفدرالي.
رفع الفائدة الأمريكية ليس سبب الأزمة الطاقية في تونس، ولا هو سبب الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد.
لكنه يمكن أن يكشف نقاط الضعف الموجودة أصلاً ويزيد من كلفة مواجهتها.
فالاقتصاد الذي يعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة سيكون حساساً لأسعار النفط والغاز.
والاقتصاد الذي يحتاج إلى التمويل الخارجي سيكون حساساً لأسعار الفائدة العالمية.
والاقتصاد الذي يحتاج إلى الدولار لتغطية جزء من وارداته سيكون حساساً لحركة العملة الأمريكية.
لهذا فإن قوة الاقتصاد لا تقاس فقط بقدرته على النمو في الظروف العادية، وإنما أيضاً بقدرته على الصمود عندما تتغير الظروف الدولية.
الأمن الطاقي.. لم يعد رفاهية
ما يحدث اليوم في الأسواق العالمية يجعل من الصعب التعامل مع الطاقة باعتبارها مجرد ملف تقني.
الطاقة أصبحت مرتبطة بالتضخم، والميزان التجاري، والعملة، والاستثمار، والمالية العمومية، وحتى السياسة الخارجية.
ومن هنا، فإن تسريع الاستثمار في الطاقة الشمسية والرياح، وتطوير التخزين والشبكات، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، وتنويع مصادر التوريد، وتشجيع الاستثمار في المشاريع الطاقية، لا يجب أن ينظر إليه فقط من زاوية الانتقال الأخضر.
إنه أيضاً استثمار في الأمن الاقتصادي للدولة.
كلما قل اعتماد الاقتصاد على مصادر خارجية شديدة التقلب، أصبحت قدرته على مواجهة الصدمات أكبر.
ماذا تستطيع تونس أن تفعل؟
لا تستطيع تونس التحكم في قرار الفدرالي الأمريكي.
ولا تستطيع تحديد سعر النفط العالمي.
ولا تستطيع منع كل أزمة جيوسياسية.
لكنها تستطيع تقليل تأثير هذه المتغيرات عليها.
وهذا يبدأ من الداخل: تقليص فجوة الطاقة، رفع كفاءة الاستهلاك، تسريع مشاريع الطاقات المتجددة، تحسين قدرة الشبكات، تطوير التخزين، وتشجيع الاستثمارات طويلة الأجل.
وفي الجانب المالي، يبقى تنويع مصادر التمويل، وتحسين إدارة الدين، وتوسيع قاعدة الاستثمار، وتعزيز قدرة الاقتصاد على خلق العملة الصعبة، عناصر مهمة لبناء هامش أوسع للتحرك.
فلا يمكن أن نبني أمن الطاقة بمعزل عن الأمن الاقتصادي، ولا يمكن أن نتعامل مع التمويل والدولار والطاقة وكأنها ملفات منفصلة.
الخلاصة.. العالم يعيش عصر «الصدمات المترابطة»
ما يكشفه رفع الفائدة الأمريكية اليوم هو أن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر ترابطاً من أي وقت مضى.
قرار نقدي في واشنطن يمكن أن يؤثر في الدولار.
الدولار يؤثر في كلفة الواردات.
الطاقة تؤثر في التضخم.
التضخم يؤثر في قرارات البنوك المركزية.
الفائدة تؤثر في التمويل والاستثمار.
والجغرافيا السياسية يمكن أن تدخل إلى كل هذه المعادلات في أي لحظة.
إنها سلسلة مترابطة: الفائدة الأمريكية → الدولار → الطاقة → التضخم → التمويل → الاستثمار → النمو.
ولهذا، فإن قراءة قرار الفدرالي لا يجب أن تتوقف عند الرقم المعلن، بل يجب أن تمتد إلى ما وراءه: كيف ستتأثر الاقتصادات التي تستورد الطاقة؟ كيف ستتعامل الدول مع ارتفاع كلفة التمويل؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة إلى اقتصادات مثل تونس؟
في النهاية، لا تستطيع الدول اختيار الظروف الدولية التي ستواجهها.
لكنها تستطيع أن تختار مقدار هشاشتها أمام تلك الظروف.
وربما هنا تحديداً تكمن أهمية الأمن الطاقي والاقتصادي: ليس في منع الصدمات، فهذا مستحيل، وإنما في امتلاك القدرة على امتصاصها دون أن تتحول كل موجة خارجية إلى أزمة داخلية.
* أستاذة العلاقات الدولية والدبلوماسية وخبيرة الشؤون الاقتصادية والأمن الطاقي بمركز جنيف للدراسات السياسية




