باريس – أميرة عبد العزيز
يحتاج المغرب، أكثر من أي وقت مضى، إلى نقاش جدي حول طبيعة المشروع السياسي والاقتصادي الذي يمكن أن يقود المرحلة المقبلة.
فالمغرب تغير كثيراً خلال العقود الأخيرة. بُنيت البنية التحتية، وتطورت قطاعات صناعية وتصديرية، وتوسع الاستثمار، وأصبح الاقتصاد المغربي أكثر اندماجاً في الاقتصاد العالمي.
كما أطلقت الدولة إصلاحات مهمة في مجالات الحماية الاجتماعية والإدارة والاستثمار.
ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة بين التقدم الاقتصادي والمؤسساتي من جهة، وبين شعور قطاعات واسعة من المواطنين بأن ثمار هذا التقدم تصل إليهم بالسرعة والقدر الكافيين من جهة أخرى.
وهنا تبرز الحاجة إلى التفكير في تيار سياسي وطني جديد، لا يكون مجرد نسخة من اليسار، ولا مجرد امتداد لليبرالية الاقتصادية، ولا مجرد خطاب هوياتي أو احتجاجي، بل تيار يجمع بين الوطنية، قوة الدولة، حماية المصالح الوطنية، اقتصاد السوق، المسؤولية الاجتماعية، وتشجيع الإنتاج والاستثمار.
أولاً: المشكلة ليست في غياب النمو، بل في سؤال: لمن يعمل النمو؟
ليس صحيحاً أن المغرب لا يعرف التنمية أو الاستثمار.
فالاقتصاد المغربي استطاع خلال السنوات الماضية تطوير قطاعات صناعية مهمة، خصوصاً السيارات والطيران، إلى جانب السياحة والفوسفاط والصناعات الغذائية والخدمات.
ويشير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد المغربي أصبح أكثر تنوعاً، مع استمرار الاستثمار في البنية التحتية والصناعة والطاقة واللوجستيك. (Banque Mondiale)
لكن التنمية الاقتصادية لا تقاس فقط بعدد المصانع التي تُبنى أو بحجم الاستثمارات التي تدخل البلاد.
السؤال الأهم هو:
كم وظيفة منتجة خلقت؟
كم ارتفع دخل العامل؟
كم شاباً استطاع الدخول إلى سوق العمل؟
كم شركة مغربية صغيرة تحولت إلى شركة متوسطة أو كبيرة؟
وكم مواطناً أصبح يشعر أن الاقتصاد الوطني يعمل أيضاً من أجله؟
وهذا السؤال ليس مجرد شعار سياسي. ففي أبريل 2026، أشار البنك الدولي إلى أن نمو السكان في سن العمل خلال الفترة 2000-2024 كان أسرع بكثير من نمو التشغيل، وأن الاقتصاد المغربي ما زال يواجه تحدياً أساسياً يتمثل في تحويل النمو والاستثمار إلى عدد كافٍ من الوظائف، خصوصاً للشباب والنساء.
وقد قدر البنك الدولي أن إصلاحات هيكلية معينة يمكن أن تتيح خلق 1.7 مليون وظيفة إضافية بحلول 2035. (Banque Mondiale)
إذن المشكلة ليست أن المغرب يجب أن يتوقف عن الاستثمار.
بل العكس تماماً: المغرب يحتاج إلى استثمار أكثر، وإنتاج أكثر، وشركات أقوى، ولكن مع ربط ذلك بخلق فرص اقتصادية أوسع للمواطنين.
ثانياً: لسنا ضد الرأسمالية، ولكننا ضد الاقتصاد الذي ينسى الإنسان
من الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها أي مشروع سياسي جديد أن يساوي بين الدفاع عن العامل وبين العداء لرجل الأعمال، أو بين تشجيع الدولة الاجتماعية وبين رفض اقتصاد السوق.
هذه الثنائية يجب تجاوزها.
المستثمر ليس عدواً.
ورجل الأعمال ليس عدواً.
والربح ليس جريمة.
والرأسمالية ليست بالضرورة نقيضاً للمصلحة الوطنية.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الهدف الوحيد للنشاط الاقتصادي هو تعظيم الربح الخاص، دون الاهتمام الكافي بالأثر الاقتصادي والاجتماعي الأوسع.
تخيل مصنعاً يشتري آلة حديثة تمكنه من إنتاج الكمية نفسها بعشرة عمال بدلاً من عشرين.
من الناحية الاقتصادية، قد تكون الآلة أكثر إنتاجية وأقل تكلفة.
ولا يمكن لدولة تريد أن تنافس عالمياً أن تمنع التطور التكنولوجي من أجل الحفاظ على وظائف غير منتجة إلى الأبد.
لكن السؤال الوطني يجب أن يكون:
ماذا نفعل بالعشرة الذين فقدوا وظائفهم؟
هل نتركهم للبطالة؟
أم نعيد تكوينهم؟
هل ننقلهم إلى أقسام أخرى؟
هل نساعدهم على اكتساب مهارات جديدة؟
هل نستخدم الأرباح الإضافية لفتح خط إنتاج جديد؟
هل نحول ارتفاع الإنتاجية إلى أجور أفضل؟
هنا تظهر فلسفة مختلفة:
لسنا ضد الآلة التي تعوض الإنسان، بل ضد اقتصاد لا يعوض الإنسان الذي استبدلته الآلة بفرصة جديدة.
هذه هي النقطة التي يمكن أن تميز المشروع الوطني الاجتماعي عن الرؤية الاقتصادية الضيقة.
ثالثاً: نريد رأسمالية وطنية منتجة
المشروع المقترح لا يريد إلغاء السوق، وإنما يريد سوقاً منتجة وتنافسية.
لا نريد اقتصاداً يقوم على الريع والامتيازات والاحتكار.
ولا نريد اقتصاداً يعتمد على الدولة في كل شيء.
ولا نريد أيضاً دولة تنسحب من الاقتصاد والمجتمع وتترك المواطن وحيداً أمام تقلبات السوق.
نريد دولة قوية تعرف أين تتدخل وأين تترك المجال للمبادرة الخاصة.
دولة تفتح الطريق أمام المستثمر، لكنها لا تسمح بتحويل الاقتصاد إلى مجال مغلق أمام المنافسة.
دولة تشجع الشركات المغربية على النمو، لكنها تربط الامتيازات العامة بأهداف واضحة: الاستثمار، التشغيل، التكوين، الابتكار، الإنتاج المحلي، والتصدير.
فالشركة التي تستفيد من البنية التحتية والتعليم والطرق والموانئ والطاقة والسوق التي توفرها الدولة والمجتمع، يجب أن تكون جزءاً من المشروع الوطني للتنمية.
وهذا لا يعني مصادرة أرباحها.
بل يعني أن يكون هناك تبادل واضح بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة.
رابعاً: الوطنية ليست فقط علماً ونشيداً
الوطنية الحقيقية لا ينبغي أن تختزل في الشعارات.
الوطنية هي أيضاً:
أن يكون الاقتصاد الوطني قادراً على الإنتاج.
أن تكون الدولة قادرة على حماية مصالحها.
أن تكون الشركات المغربية قادرة على المنافسة.
أن يكون العامل المغربي مؤهلاً.
أن يكون الشباب قادراً على بناء مستقبله داخل بلده.
أن تكون البادية والقرى جزءاً من التنمية.
أن لا تتحول مناطق معينة إلى مراكز دائمة للثروة بينما تبقى مناطق أخرى خارج الدينامية الاقتصادية.
أن تكون الثروات الوطنية مرتبطة، قدر الإمكان، بتكوين رأس مال بشري وتقني مغربي.
ومن هنا يمكن الحديث عن الوطنية الاقتصادية.
الوطنية الاقتصادية لا تعني الانغلاق عن العالم.
المغرب يحتاج إلى الاستثمار الأجنبي، ويحتاج إلى التصدير، ويحتاج إلى الشراكات الدولية.
لكن الانفتاح لا يعني التبعية.
بل المطلوب هو أن يدخل المغرب الاقتصاد العالمي وهو يملك شركاته ومهاراته ومصالحه وقدرته على التفاوض.
خامساً: الدولة القوية لا تعني الدولة المتضخمة
هناك فرق بين الدولة القوية والدولة التي تتدخل في كل شيء.
الدولة القوية هي التي تستطيع:
* فرض القانون
* حماية المنافسة
* محاربة الاحتكار والريع
* ضمان الأمن والاستقرار
* بناء البنية التحتية
* توفير تعليم وصحة فعالين
* حماية الفئات الهشة
* الاستثمار في الإنسان
* توجيه الاقتصاد نحو القطاعات الاستراتيجية
* وقياس نتائج السياسات العمومية.
وفي هذا السياق، فإن إصلاح أداء القطاع العام والرفع من شفافية الإنفاق وكفاءته جزء أساسي من قوة الدولة، وليس عكس ذلك. وقد دعم البنك الدولي في 2024 برامج إصلاحية في المغرب تهدف إلى تحسين أداء المؤسسات العمومية والخدمات العامة وإدارة الموارد والشفافية. (Banque Mondiale)
الدولة القوية ليست التي تملك أكبر عدد من المؤسسات.
الدولة القوية هي التي تكون مؤسساتها فعالة.
سادساً: المواطن ليس مجرد مستهلك
هناك تصور اقتصادي ينظر إلى المواطن باعتباره مستهلكاً:
ينتج، يعمل، يشتري، يدفع الضرائب، وينتهي دوره.
لكن المشروع الوطني الاجتماعي يجب أن يرى المواطن بطريقة مختلفة.
المواطن هو رأس المال البشري للوطن.
لذلك فإن الاستثمار في التعليم ليس إنفاقاً استهلاكياً.
والتكوين المهني ليس مساعدة اجتماعية.
والصحة ليست مجرد خدمة.
والسكن ليس مجرد ملف عقاري.
كل هذه المجالات هي جزء من القدرة الإنتاجية للدولة.
فالشاب الذي يحصل على تعليم جيد ومهارة مهنية يصبح عاملاً أكثر إنتاجية.
والعامل الذي يتمتع بصحة جيدة يكون أكثر قدرة على العمل.
والأسرة المستقرة اقتصادياً تستطيع الاستثمار أكثر في تعليم أبنائها.
لهذا يجب أن تتعامل الدولة مع الإنسان باعتباره جزءاً من الثروة الوطنية.
سابعاً: الحماية الاجتماعية ليست بديلاً عن العمل
الدولة الاجتماعية لا تعني توزيع الأموال على الناس إلى ما لا نهاية.
بل الهدف الأعمق هو أن تمنح الدولة المواطن القدرة على الوقوف على قدميه.
وهنا يمكن الجمع بين أمرين:
الحماية الاجتماعية لمن يحتاجها، وسياسة تشغيل وإنتاج لمن يستطيع العمل.
وقد قطع المغرب خطوات مهمة في بناء منظومة للحماية الاجتماعية؛ ففي ديسمبر 2023 أُطلق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، وأشار البنك الدولي في 2024 إلى توسع منظومة السجلات الاجتماعية وتحسين استهداف الأسر المستفيدة. (Banque Mondiale)
لكن الحماية الاجتماعية يجب أن تكون جزءاً من منظومة أكبر:
تعليم → تكوين → عمل → دخل → حماية اجتماعية → ادخار → استثمار.
لا نريد مواطناً يعتمد دائماً على الإعانة.
نريد مواطناً يحصل على الفرصة التي تجعله أقل حاجة إلى الإعانة.
ثامناً: اليمين الوطني الذي نحتاجه ليس يميناً معادياً للمجتمع
إذا كان هناك مجال لبناء تيار وطني محافظ في المغرب، فلا ينبغي أن يكون مشروعه مجرد استيراد تجربة سياسية أجنبية ووضعها فوق الواقع المغربي.
المغرب له تاريخه ومؤسساته وتركيبته الاجتماعية والثقافية.
لذلك يمكن أن يكون هذا التيار:
محافظاً في الهوية،
وطنياً في السياسة،
سيادياً في المصالح الاستراتيجية،
اقتصادياً مؤيداً للاستثمار والمبادرة الخاصة،
واجتماعياً في حماية المواطن والطبقة العاملة.
وهذه المعادلة مهمة.
فالمحافظة لا تعني رفض التغيير.
والوطنية لا تعني الانغلاق.
والرأسمالية لا تعني التخلي عن العامل.
والدولة الاجتماعية لا تعني قتل المبادرة الخاصة.
والقوة لا تعني القمع.
بل يمكن الجمع بين هذه العناصر في مشروع واحد.
تاسعاً: من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج
المعضلة التي يجب أن يواجهها أي مشروع اقتصادي وطني هي الفرق بين من يخلق الثروة ومن يحصل على الامتياز.
الاقتصاد المنتج يكافئ:
المصنع،
الابتكار،
التصدير،
الفلاحة الحديثة،
التكنولوجيا،
التكوين،
البحث العلمي،
المقاولة،
والعمل.
أما الاقتصاد الريعي فيكافئ الحصول على الامتياز أكثر مما يكافئ الإنتاج.
لذلك يجب أن يكون أحد أهداف المشروع الوطني هو نقل مركز الثقل:
من الامتياز إلى المنافسة.
من الريع إلى الإنتاج.
من المضاربة إلى الاستثمار.
من الاقتصاد غير المهيكل إلى الاقتصاد الرسمي المنتج.
من استهلاك الثروة إلى خلق الثروة.
وهذا يتوافق مع إحدى القضايا التي يركز عليها البنك الدولي في تشخيص الاقتصاد المغربي: الحاجة إلى أسواق أكثر تنافسية، وشركات أكثر دينامية، واستثمار عام أكثر تأثيراً، وسوق عمل أكثر شمولاً. (Banque Mondiale)
عاشراً: لا يمكن بناء وطن قوي بدون طبقة وسطى قوية
الدولة التي تريد الاستقرار السياسي والاجتماعي تحتاج إلى طبقة وسطى واسعة.
طبيب.
مهندس.
تقني.
أستاذ.
حرفي.
مقاول صغير.
موظف.
فلاح متوسط.
عامل متخصص.
صاحب شركة ناشئة.
هذه الفئات هي التي تشكل العمود الفقري للمجتمع المنتج.
لذلك يجب ألا يكون الهدف فقط محاربة الفقر.
بل يجب أيضاً توسيع الطبقة الوسطى.
لأن المواطن الذي يستطيع شراء منزل، وتربية أبنائه، والادخار، وبدء مشروع، والسفر، والاستثمار في تعليم أبنائه، هو مواطن يملك استقلالاً اقتصادياً أكبر.
والاستقلال الاقتصادي للمواطن يقوي الاستقرار السياسي والاجتماعي.
حادي عشر: التنمية يجب أن تصل إلى الجهات وليس فقط إلى المراكز
الوطنية الاقتصادية لا يمكن أن تكون حضرية فقط.
إذا كان شاب في قرية مغربية مضطراً إلى الهجرة إلى مدينة كبرى فقط لأنه لا يجد مدرسة جيدة أو تكويناً أو فرصة عمل، فهناك مشكلة في توزيع التنمية.
لذلك يجب أن تصبح الجهات نفسها وحدات إنتاجية:
فلاحة حديثة.
صناعات غذائية.
سياحة قروية.
طاقات متجددة.
صناعات محلية.
مناطق صناعية.
خدمات رقمية.
لوجستيك.
تعاونيات حديثة.
والمقصود ليس توزيع المصانع بشكل اعتباطي، بل بناء مزايا اقتصادية خاصة بكل منطقة.
نحو عقد اجتماعي اقتصادي جديد
يمكن تلخيص المشروع كله في فكرة بسيطة: الدولة لا تحارب المستثمر، والمستثمر لا يتجاهل العامل، والعامل لا يكون عدواً للمؤسسة، والمواطن لا يكون مجرد متلقٍ للإعانة.
كل طرف له مصلحة في نجاح الآخر.
الدولة تحتاج إلى شركات ناجحة.
الشركات تحتاج إلى دولة مستقرة وبنية تحتية ويد عاملة مؤهلة.
العامل يحتاج إلى شركات قادرة على النمو وأجور وحماية اجتماعية.
والمجتمع يحتاج إلى اقتصاد يخلق الثروة ويوزع فرصها بشكل أوسع.
هذه هي المعادلة التي يمكن أن تشكل أساساً لتيار وطني محافظ واجتماعي واقتصادي منتج.
الخلاصة: بناء المغرب لا هدمه
المغرب لا يحتاج إلى مشروع سياسي يعيش فقط على انتقاد الماضي، ولا إلى مشروع اقتصادي يعتبر المواطن مجرد رقم في الناتج الداخلي، ولا إلى خطاب وطني يكتفي بالشعارات.
المغرب يحتاج إلى مشروع بناء.
مشروع يحترم الدولة ومؤسساتها.
يحافظ على الهوية الوطنية.
يدافع عن المصالح والسيادة الوطنية.
يشجع الاستثمار.
يحمي المنافسة.
يقاوم الريع والاحتكار.
يدعم المقاولة.
يرفع إنتاجية العامل.
يستثمر في التعليم والتكوين.
يوسع الطبقة الوسطى.
يحمي الفئات الهشة.
ويجعل نجاح الاقتصاد قابلاً للقياس ليس فقط بحجم الأرباح والاستثمارات، وإنما أيضاً بعدد الوظائف الجيدة، ومستوى الأجور، وقدرة الأسر على العيش، ونوعية التعليم، وجودة الصحة، وتكافؤ الفرص بين الجهات.
نريد اقتصاداً يربح فيه المستثمر، ولكن يربح معه العامل.
نريد دولة قوية، ولكن قوية بفعالية مؤسساتها لا بكثرة تدخلاتها.
نريد سوقاً حرة، ولكن ليست سوقاً بلا قواعد.
نريد حماية اجتماعية، ولكن ليست بديلاً عن الإنتاج والعمل.
ونريد وطنية لا تكتفي بحب الوطن، بل تجعل بناء قوته الاقتصادية والاجتماعية جزءاً من معنى الوطنية نفسها.
ففي النهاية، لا تكون قوة الوطن في حجم ثروته فقط، وإنما في قدرة المواطن على أن يرى نصيبه من هذه القوة في حياته اليومية ومستقبل أبنائه.




