د. خالد خالص
جاء في ديباجة دستور 2011، التي تعد جزءا لا يتجزأ من الدستور، ولها قيمة دستورية ملزمة وفق اجتهادات المحكمة الدستورية المغربية، بإن “المملكة المغربية، الدولة الموحدة، ذات السيادة الكاملة، المنتمية إلى المغرب الكبير، تؤكد وتلتزم بجعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة”.
ويستفاد من هذا المقتضى أن الالتزام الدستوري بالملاءمة التشريعية لا يقتصر على مجرد الامتناع عن سن تشريعات تتعارض مع الاتفاقيات الدولية المصادق عليها، وإنما يفرض على المشرع التزاما إيجابيا يتمثل في مراجعة التشريع الوطني وسن المقتضيات القانونية الكفيلة بضمان انسجامه مع الالتزامات الدولية للمملكة، بما يكفل إعمال الحقوق والحريات التي تكفلها تلك الاتفاقيات بصورة فعلية.
والسؤال هنا وفي هذه المرحلة بالذات والقانون رقم 23.66 بتنظيم مهنة المحاماة معروض على المحكمة الدستورية يكمن في معرفة هل احترم المشرع المغربي من خلال هذا القانون الالتزام بالملاءمة التشريعية المنصوص عليها في ديباجة دستور المملكة مع الحقوق التي كرستها الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وإذا كان العهد الدولي لا يتطرق لاستقلال المحامي فإن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وهي الجهة المخولة بتفسير العهد، أصدرت التعليق العام رقم 32 (General Comment No. 32) بشأن المادة 14 الذي يفيد بأن الحق في الدفاع لا يكون فعالا إلا إذا كان المحامي قادرا على أداء مهامه بشكل مستقل ومن دون تدخل أو ضغط أو ترهيب. فاستقلال المحامي ليس حقا مستقلا في ذاته، وإنما ضمانة لازمة للحق في المحاكمة العادلة.
كما لا يقتصر هذا الاختبار في نظرنا على نصوص الاتفاقيات الدولية، بل يمتد إلى المعايير الدولية التفسيرية التي توضح مضمون تلك الالتزامات، كالتعليق على المادة 14 كما سلف ذكره بل يمتد الى مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين (هافانا 1990)، باعتبارها المرجع الدولي الأكثر اعتمادا في تحديد الضمانات الواجب توفيرها لاستقلال المحاماة.
ومن هذا المنطلق نعتقد بأنه يجب إخضاع كل مقتضى من مقتضيات القانون المحال على المحكمة الدستورية لاختبار قانوني مركب، وفق الأسئلة الآتية:
- هل ينسجم النص مع أحكام دستور 2011؟
- هل ينسجم مع الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من قبل المغرب، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؟
- هل يتوافق مع المعايير الدولية التي تفسر تلك الاتفاقيات، كالتعليق العام رقم 32 ومبادئ هافانا التي تشكل المرجع الدولي الأكثر حضورا في بيان الضمانات الواجب توفيرها لاستقلال مهنة المحاماة، وصيانة حرية المحامي في أداء رسالته، وحماية استقلال الهيئات المهنية.؟
- وإذا وجد تعارض، فهل هو تعارض جوهري يمس جوهر الحق أو الضمانة الدولية، أم مجرد اختلاف في أسلوب التنظيم التشريعي الذي يظل داخلا في نطاق السلطة التقديرية للمشرع؟.
ويمكن لهذا الاختبار المنهجي أن يمثل الإطار الذي من خلاله يمكن تقييم مختلف مقتضيات القانون رقم 23.66، بغية الوقوف على مدى احترامه للالتزام الدستوري بالملاءمة التشريعية، كما كرسته ديباجة دستور 2011، ومدى انسجامه مع المنظومة الدولية لحماية استقلال مهنة المحاماة وحصانة الدفاع.
وهنا يبرز دور المحكمة الدستورية المغربية التي من الممكن أن تفاجئنا كعادتها بعدم دستورية بعض مقتضيات القانون 23.66 الذي أحيل عليها من قبل رئيس مجلس النواب.
* محام بهيئة المحامين بالرباط مقبول للترافع أمام محكمة النقض



