تحتمل تطوّرات اليمن رواج نظريات المؤامرة التي تتوالد كل ساعة لتفسير وتبرير الحدث. تبدو الأسئلة ضرورية بشأن أدوات هجوم جماعة الحوثي المباغت وإسقاطهم مدينة المخا وامتدادات أخرى على الساحل الغربي المطلّ على البحر الأحمر.
تبدو أيضا داهمةً لسبر أغوار الظروف التي أدت إلى انهيار الدفاعات والانسحاب الجماعي للقوات المولجة بالدفاع عن تلك المنطقة. وقد تطلّ تلك الأسئلة تتحرى أجوبة بشأن مآلات للحدث يتسرّب منها هدف استراتيجي للنيل من المملكة العربية السعودية.
يجري مسرح الحدث الأساسي فوق الأراضي اليمنية. تفرج التطوّرات الدراماتيكية عن أخطار تهدد المنطقة، لا سيما الخليجية، وخصوصا السعودية.
وفيما تبدو منظومة الأمن السياسية والأمنية الخليجية المنضوية داخل “مجلس التعاون” تخضع لإعادة قراءة وتقويم، وسقط خيار منظومة الأمن العربي الجماعي منذ زمن، فإن الرياض لا تكتشف هذا الواقع هذه الأيام، بل إنها أدركته منذ عقود، وعملت، كما بعض دول “المجلس”، على الاهتداء إلى آليات جديدة لتوفير أمن من خارج الدوائر التقليدية المحيطة.
لم يكن متوقعا أن يقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانخراط في حرب جديدة في اليمن، وهو الذي يسعى لإقناع الناخبين هذه الأيام بأنه “حمامة سلام” يجهد لإنهاء حربه مع إيران ويعد بذلك.
لم يجد ترامب حرجا في الفخر بوصل مع الحوثيين الذين وعدوا ناخبيه بعدم التعرض لملاحة السفن الأميركية والإسرائيلية، وفق تقربر رويترز، متوسلين الأمان من واشنطن. وليس دقيقا أن الرياض التي تملك بوفرة معطيات المشهد الدولي قبل أن نهتدي نحن إلى قراءته قد فوجئت بما صدر عن الرئيس الأميركي.
وفيما أن ما يقوله الرجل أمام صحافة البيت الأبيض يختلف تماما عما يحمله قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر إلى وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان والإفراج لاحقا عن صفقة مقاتلات الـ F-35، فإن المملكة تتقن إدارة الأزمات واجتراح حلولها.
تتمسك الرياض بأن الصراع يمني-يمني حتى لو تقصّدت جماعة الحوثي أن يكون عابرا للحدود ليطال هذه المرة أعيانا ومنشآت مدنية وسماء مكة المكرمة. تملك المملكة حقّ الرد والدفاع وتختار الإيقاع والتوقيت وفق استراتيجية أولوية سلم تمسّكت بها منذ هدنة عام 2022.
تدرك بوضوح أن ما يرتكبه الحوثيون له خلفيات تُطلق من طهران خدمةً لمستقبل صراعها مع واشنطن. وعلى هذا يقرأ صاحب القرار المشهد اليمني، الذي بات بيتيا، وفق أبجدياته الدولية التي تجري في المنطقة وقرب الحدود مع السعودية.
في المشهد أيضا ما يصدر من تقارير مخابراتية عن دعم لوجيستي ومخابراتي وتقني توفّره الصين وروسيا لإيران وامتداداتها.. يهمّ موسكو أن يبقى شريكها في طهران متماسكا طالما أن هذا الغرب وتلك الولايات المتحدة لا تذعن لما ترومه موسكو في أوكرانيا.
ويهمّ الصين، التي تملك للمفارقة علاقات ميكيافيلية حميمة مع إيران والعرب والإسرائيليين، أن يطلّ زعيمها شي جين بينغ على واشنطن بعد أيام وفي جعبته بعض مفاتيح المضيقين: هرمز في الخليج وباب المندب في البحر الأحمر.
وفي المشهد أيضا أن للسعودية تحالفات بدأت ثنائية مع باكستان وصارت ثلاثية مع تركيا تتشارك مع الرياض الرؤى والمصلحة في مقاربة تحوّلات تهدد بالعبث بخطوط التوازنات من إسلام أباد إلى الرياض مرورا بأنقرة وعواصم المنطقة.
وإذ يربك الحدث اليمني قواعد لعب واشتباك تتدحرج منذ “طوفان الأقصى” انتهاء بالحرب في إيران، فإن السعودية تتطوّع في إبلاغ الشرق الأوسط بالعمل على بناء قواعد جديدة للأمن تأخذ بالاعتبار مصالح دول المنطقة الأساسية ورؤاها، بمعزل عما يخطط له ترامب ونائبه جي دي فانس في الوعد بإنهاء الحرب في إيران في أقرب وقت.
في المشهد أيضا جلبة تنقلها صحافة الغرب عن تواصل إسرائيلي يعرض على المملكة عونا بحريا في موسم محنة اليمن. وفي المقلب الآخر من المشهد حديث عن فرصة ينتهزها ترامب لعل المملكة تقتنع بفضائل التطبيع مع إسرائيل في عزّ تعرّض السعودية لنيران إيرانية تقذف بها الأذرع اللعينة من اليمن جنوبا ومن العراق شمالا.
وفيما تسخر صحافة إسرائيل نفسها من هذه الجلبة المقحمة، فإن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يهمه مراقصة هذا الاحتمال لعله يحمل ماء إلى طواحينه الانتخابية هذه الأيام.
وفيما تتدافع التحليلات، تفصح القمة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن إرادة مشتركة للإمساك بزمام المبادرة ومنع العبث بالبحر الأحمر.
فلا السعودية تسمح لمزاج إيران أن يحاصر منافذها على البحر ولا مصر تسمح أن يصبح مصير قناة السويس مرتهنا لقرار الحرس الثوري في طهران. وفيما يخرج عن الزيارة ما يكفي من أبجديات التوافق، فإن القمة أقرت واقعا لم يعلن وستكشفه الأيام المقبلة.




