آراءالشرق الأوسط
أخر الأخبار

في لبنان.. الاستثمار الشيعي أصبح تهمة..!

الدستور اللبناني لا يترك هذه المسألة للاجتهاد الطائفي أو للأمزجة السياسية. فالمادة 15 تحمي الملكية الخاصة، والمادة 7 تقرّ المساواة أمام القانون، لكن مقدّمة الدستور تذهب أبعد من ذلك

ما إن يُثار في لبنان موضوع شراء شيعة عقارات في مناطق ذات غالبية مسيحية، حتى يعود بعض الخطاب السياسي إلى سنوات الحرب الأهلية.

تتكرر التحذيرات من تغيير ديموغرافي، ويُستحضر الحديث عن السلاح وحماية “المناطق”، وتُطرح أسئلة عن مصادر الأموال قبل أن تُعرض أدلة كافية للإجابة عنها. كأن المشكلة ليست في مخالفة محتملة للقانون، بل في هوية من اشترى العقار، وفي المكان الذي اختار أن يستثمر فيه.

منذ أيام، يرفع بعض أوساط اليمين الانعزالي الصوت محذرًا من عمليات شراء عقارية، ويتحدث عن أموال مشبوهة ومخططات لتغيير ديموغرافي، مع توجيه أصابع الاتهام سريعًا نحو إيران. ويقول أصحاب هذه الرواية إنهم يمتلكون مستندات رسمية من الدوائر العقارية تثبت حصول عمليات البيع والشراء.

لكن المستند العقاري يثبت حصول معاملة، ولا يثبت وحده أن المال المستخدم فيها غير مشروع أو أن وراء الصفقة خطة سياسية. إذا كانت هناك أدلة على غسل أموال أو مخالفات قانونية، فلتُعرض على القضاء والجهات المختصة. أما وضع علامات استفهام حول كل عملية شراء لأن صاحبها شيعي، فليس تحقيقًا في مصدر الأموال، بل اشتباه مبني على الهوية.

المسألة أبعد من خلاف على عقار أو مجموعة عقارات. حين يبدأ الحديث عن الدفاع عن “المناطق” والتلويح بالسلاح، نكون أمام خطاب يعيد اللبنانيين إلى مناخ يعرفون جيدًا إلى أين يمكن أن يقود.

وليس في مصلحة أحد أن تتحول معاملات عقارية إلى مادة للتحريض، أو أن يشعر مواطن بأن وجوده في منطقة من بلده يحتاج إلى تبرير سياسي وطائفي.

والدستور اللبناني لا يترك هذه المسألة للاجتهاد الطائفي أو للأمزجة السياسية. فالمادة 15 تحمي الملكية الخاصة، والمادة 7 تقرّ المساواة أمام القانون، لكن مقدّمة الدستور تذهب أبعد من ذلك، إذ تنصّ بوضوح على أن “أرض لبنان أرض واحدة لكلّ اللبنانيين”، وأن لكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون، من دون فرز للشعب على أساس أي انتماء كان. ومقدّمة الدستور جزء لا يتجزأ منه، وليست عبارة سياسية أو شعارًا للاستهلاك.

بناءً على ذلك، لا يمكن التعامل مع منطقة لبنانية باعتبارها ملكًا حصريًا لطائفة، ولا تحويل الانتماء المذهبي إلى شرط للإقامة أو التملك. وما يُعرف بـ”البيع على الهوية”، حين يعني تقييد البيع أو التأجير بسبب الطائفة، يصطدم بمبدأ دستوري واضح، ولا يصبح مشروعًا لمجرد أن جهة محلية قررت اعتماده.

وهذا ما يجعل القيود المنسوبة إلى بلدية الحدث بشأن بيع العقارات أو تأجيرها للشيعة موضع إشكال قانوني جدي. فالبلدية لا تملك أن تنشئ من تلقاء نفسها حظرًا مذهبيًا على التملك، ولا أن تجعل الانتماء الطائفي شرطًا للاستفادة من حق يحميه القانون. الأرض واحدة، والمواطنة واحدة، ولا يحق لأي فريق أن يرسم حدودًا طائفية داخلها أو أن يقرر من يحق له العيش في جزء منها.

ثمة جانب آخر من القضية يجري تجاهله: ما الذي جرى لأموال اللبنانيين الشيعة قبل أن يصبح استثمارهم العقاري موضع اتهام؟

قبل عام ٢٠١٩، أُقفلت حسابات لبنانيين في مصارف أوروبية، واضطر أصحابها إلى نقل أموالهم إلى لبنان. هذه معلومات أتبناها وأتحمل مسؤولية ما أطرحه بشأنها، ويمكن الرجوع إلى ما نُشر في حينه وإلى الحالات المعنية.

ثم وقعت الكارثة المصرفية اللبنانية، واحتُجزت الودائع، وفقد أصحابها القدرة على الوصول إلى أموال جمعوها خلال سنوات طويلة من العمل والاغتراب. بعض هؤلاء لم يخسر أمواله مرة واحدة، بل مرّ بتجربتين متتاليتين؛ حسابات أُقفلت في الخارج، ثم مدخرات لم يعد قادرًا على استردادها في لبنان.

لا توجد إحصاءات رسمية منشورة تفصل خسائر المودعين الشيعة عن خسائر بقية اللبنانيين، سواء لدى الدولة أو مصرف لبنان. لكن المعطيات والشهادات المتداولة تشير إلى أن أبناء الطائفة الشيعية كانوا من بين أكثر الفئات تضررًا، وتضعهم في مقدمة المودعين الذين فقدوا أموالهم. وهناك تقديرات تتحدث عن خسائر بعشرات مليارات الدولارات.

وما جرى لا يحتاج إلى تجميل بالمصطلحات. لقد تعرّض المودعون لسرقة أموالهم، وبقيت حقوقهم معلّقة فيما لم تتحمل الجهات المسؤولة عن الانهيار ما يتناسب مع حجم الكارثة. خسر الناس مدخرات العمر، بينهم من بنى أمواله من سنوات العمل في أفريقيا والخليج وأوروبا، ومن كان يخطط لتأمين مستقبل أولاده أو العودة إلى لبنان بعد سنوات الاغتراب.

إلى ذلك، لا يمكن تجاهل أثر العقوبات الأميركية والإجراءات المصرفية المرتبطة بعناوين مثل “دعم الإرهاب” و”الفساد”. فقد طالت العقوبات أفرادًا ومؤسسات، كما أُقفلت حسابات أو رُفضت التعاملات مع أشخاص آخرين في إطار سياسات الامتثال وتجنّب المخاطر.

ومن بين المتضررين لبنانيون شيعة يعملون في أميركا الجنوبية وأفريقيا ولبنان وبعض دول الخليج. ومن المهم التمييز بين عقوبة رسمية معلنة وقرار مصرفي يتخذه مصرف لتقليل مخاطره، لكن هذا التفريق لا يمحو أثر تلك الإجراءات على أعمال الناس وأموالهم.

المشكلة تصبح أكبر حين تدخل التقارير الأمنية والمالية على الخط، ولا سيما عندما تستند إلى معلومات غير دقيقة أو اتهامات لا تثبتها الأدلة. فالتقرير الذي يُكتب عن شخص أو مؤسسة قد تكون له نتائج فعلية: حساب مصرفي يُغلق، تعامل تجاري يتوقف، وسمعة تتضرر.

لذلك من حق المتضررين أن يسألوا عن مصادر المعلومات التي تُستخدم ضدهم، وعن مدى دقتها، وعن الجهة التي تتحمل مسؤولية الضرر إذا تبيّن أن الاتهامات لا أساس لها. ولا يجوز أن يصبح الانتماء المذهبي بديلًا عن الدليل، أو أن يُعامل الاشتباه السياسي كأنه حكم نهائي.

بعد كل ذلك، يصبح التوجه إلى العقارات مفهومًا، حتى لو اختلف الناس في تقدير جدواه الاستثمارية. فمن خسر أمواله في المصارف قد يبحث عن أصل ملموس يحفظ به ما تبقى من مدخراته. ومن يملك المال ويريد الاستثمار قد يشتري أرضًا، أو يبني مشروعًا سكنيًا، ثم يبيع الشقق أو يؤجّرها. هذه معاملات تجارية مألوفة، ولا يفترض أن يكون مذهب المستثمر أو المشتري جزءًا منها.

وبحسب المعلومات المتداولة بشأن البيوعات التي أُثير حولها الجدل، بدأت عمليات الشراء منذ عام 2006 واستمرت حتى عام 2019، ثم ظهرت معاملات أخرى في عام 2023 واستمرت حتى عام 2026.

وتشير المعلومات نفسها إلى أن معظم هذه العمليات ارتبطت برجل أعمال شيعي ميسور يعمل مع عائلته في أفريقيا منذ عشرات السنين. وهذه تفاصيل تستحق التدقيق في السجلات العقارية، لا القفز فوقها إلى استنتاجات جاهزة.

فإذا كانت المعاملات تمت على مدى سنوات طويلة، فمن المشروع السؤال عن سبب طرحها اليوم وكأنها ظاهرة طارئة، وعن الأدلة التي تجعلها جزءًا من خطة منظمة، لا مجرد استثمارات عقارية.

لا يعني ذلك أن كل صفقة سليمة لمجرد أنها مسجلة رسميًا، ولا أن المستثمر يُعفى من المساءلة إذا ثبتت مخالفته. لكن القانون يُطبّق على الوقائع والأدلة، لا على طائفة صاحب العقار.

وإذا كانت هناك شبهة في مصدر الأموال، فالمطلوب التحقيق فيها بالطريقة نفسها التي يُحقق بها في أي شبهة أخرى. أما الانتقال من اسم المشتري إلى اتهام جماعة كاملة، فهو خلط لا يخدم الحقيقة ولا العدالة.

ما يثير الاستغراب أن بعض الأصوات التي لا تبدو معنية بما خسره المودعون، أو بما واجهه عدد منهم من إقفال حسابات وتضييق مصرفي، تجد في استثمارهم العقاري سببًا للاستنفار.

كأن المطلوب من اللبناني الشيعي أن يتحمل خسارة أمواله، ثم أن يشرح لماذا يريد شراء عقار، وأين يحق له أن يشتريه، ومن يحق له أن يبيع له أو يستأجر منه. هل المطلوب أن تبقى حركة المال والاستثمار محكومة بخريطة طائفية؟ وهل يُراد للمواطن أن يتعامل مع أبناء بلده وفق هوياتهم، لا وفق القانون وشروط السوق؟

هذا المنطق لا يحمي المسيحيين أو أي طائفة أخرى. إنه يضع اللبنانيين في مواجهة بعضهم، ويحوّل الحقوق الفردية إلى امتيازات طائفية قابلة للسحب عند أول خلاف سياسي. ومن حق المسيحيين أن يقلقوا على مناطقهم وممتلكاتهم، مثلما يحق لسائر اللبنانيين أن يفعلوا.

لكن القلق لا يمنح أحدًا حق منع مواطن من التملك بسبب مذهبه، ولا يبرر التلويح بالسلاح أو استحضار الحرب الأهلية كلما ظهرت معاملة عقارية لا تعجبه.

إذا كان هناك دليل على مخالفة، فليُقدَّم. وإذا كان هناك مال غير مشروع، فلتتحرك الجهات المختصة. أما إذا كانت المسألة أن مشتري العقار شيعي، وأن المنطقة ذات غالبية مسيحية، فهذه ليست قضية قانونية بقدر ما هي مشكلة في طريقة النظر إلى لبنان وإلى مواطنيه.

لقد خسر لبنانيون أموالهم في المصارف، واضطر بعضهم إلى البحث عن بدائل لحماية ما بقي من مدخراتهم. ومن غير المقبول أن يتحول هذا السعي إلى تهمة لمجرد أن المستثمر ينتمي إلى طائفة بعينها.

لا أحد يملك الأرض على أساس مذهبي، ولا يحق لأي فريق أن يقرر من هو اللبناني المقبول في منطقة ومن هو اللبناني الذي ينبغي أن يبقى خارجها. لبنان، وفق دستوره، أرض واحدة لكل اللبنانيين، وأي محاولة لفرزهم داخلها على أساس طائفي لا تحمي الوطن، بل تضرب أحد أبسط الأسس التي يقوم عليها.

https://anbaaexpress.ma/j3qrq

داني م. الأمين

صحفي لبناني ومستشار علاقات عامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى