آراءسياسة
أخر الأخبار

وباء المستوطنات.. كيف تحوّل اتفاق أوسلو إلى أكبر مشروع لابتلاع الضفة الغربية

إن التحذير هنا ليس مبالغة، بل قراءة مستندة إلى تجارب قريبة. فإذا لم تبادر الدولة اللبنانية إلى تثبيت سيادتها الكاملة على الجنوب، وتعزيز حضورها السياسي والأمني والقانوني، فإن خطر تكرار نموذج الضفة الغربية، ولو بصيغ مختلفة، يبقى قائمًا. فالأرض التي لا تُحمى بالفعل، تُعاد صياغتها بمرور الوقت وفق موازين القوة، لا وفق الحقوق

عندما وُقِّع اتفاق أوسلو عام 1993، قُدِّم للفلسطينيين والعالم بوصفه بوابة العبور إلى السلام، وخطوة أولى نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

لكن ما تَكشفَ خلال العقود الثلاثة التالية كان نقيض تلك الوعود. ففي الوقت الذي كانت فيه المفاوضات تُعقد، واللجان المشتركة تجتمع، والتنسيق الأمني يتوسع، كانت الجرافات الإسرائيلية تعمل بلا انقطاع، ترسم على الأرض حدودًا جديدة لا تعترف بأي عملية سياسية.

عشية توقيع الاتفاق، كان يعيش في مستوطنات الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية، نحو 110 آلاف مستوطن موزعين على ما يقارب 128 مستوطنة (المصدر: مؤسسة السلام الآن Peace Now، وتقارير البنك الدولي حول الأراضي الفلسطينية في التسعينيات).

أما اليوم، ووفق بيانات الأمم المتحدة وتقارير محكمة العدل الدولية، فقد تجاوز عدد المستوطنين في الضفة الغربية وحدها 500 ألف مستوطن، بينما يرتفع العدد إلى أكثر من 737 ألفًا إذا احتُسبت القدس الشرقية (المصدر: مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA، وتقرير محكمة العدل الدولية الاستشاري بشأن الجدار 2004، وتحديثات 2023–2024).

كذلك ارتفع عدد المستوطنات الرسمية إلى 141 مستوطنة، يضاف إليها أكثر من 270 بؤرة استيطانية (المصدر: Peace Now، وتقارير الاتحاد الأوروبي حول الاستيطان 2023)، كثير منها أُنشئ خلافًا حتى للقانون الإسرائيلي قبل أن يحصل لاحقًا على أشكال مختلفة من الحماية أو الشرعنة.

هذه الأرقام لا تمثل نموًا سكانيًا طبيعيًا، بل تعكس مشروعًا سياسيًا متكاملًا يقوم على خلق وقائع مادية تجعل أي حديث عن دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

لقد تحولت المستوطنة من تجمع صغير إلى مدينة، ومن شارع معبد إلى شبكة طرق خاصة، ومن نقطة حراسة إلى منظومة أمنية كاملة تحميها الدولة، وتخصص لها الموازنات والخدمات (المصدر: تقارير البنك الدولي حول القيود على الحركة والتنمية في الضفة الغربية، 2013–2022).

لم يكن الاستيطان مجرد بناء منازل على التلال، بل كان عملية إعادة تشكيل شاملة للجغرافيا الفلسطينية. فالمزارع الفلسطيني الذي كانت أرضه تبعد دقائق عن منزله، أصبح يحتاج إلى ساعات للوصول إليها إن سُمح له أصلًا.

مئات الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية والطرق المخصصة للمستوطنين قسمت الضفة الغربية إلى جيوب منفصلة (المصدر: OCHA – قاعدة بيانات الحواجز والإغلاقات)، بينما أصبح الوصول إلى الحقول أو قطاف الزيتون أو رعي المواشي مرتبطًا بتصاريح وإجراءات أمنية معقدة.

وتوثق الأمم المتحدة بصورة دورية الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين. ففي الأشهر الأولى من عام 2025 وحدها، سجل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية مئات الهجمات التي شملت إحراق منازل ومركبات، وتخريب محاصيل زراعية، والاعتداء على المدنيين، وإجبار عائلات فلسطينية على مغادرة مناطقها (المصدر: تقارير OCHA الدورية حول حماية المدنيين في الأرض الفلسطينية المحتلة).

كما تشير بيانات المنظمة الدولية إلى أن آلاف الفلسطينيين هُجّروا من تجمعاتهم السكانية منذ عام 2023 نتيجة عنف المستوطنين والقيود العسكرية المصاحبة له (المصدر: OCHA، تقارير النزوح الداخلي 2023–2024).

وفي معظم هذه الحوادث، لا يظهر جيش الاحتلال بوصفه قوة تفصل بين الطرفين، بل بوصفه الجهة التي تؤمن الحماية للمستوطنين، أو تفرض القيود على الفلسطينيين أثناء وقوع الاعتداءات (المصدر: تقارير منظمة بتسيلم B’Tselem ومنظمة هيومن رايتس ووتش).

لذلك باتت العلاقة بين الجيش والمستوطنات جزءًا من منظومة واحدة يصعب الفصل بين أدوارها على الأرض.

ورغم صدور عشرات القرارات الدولية التي تعتبر المستوطنات غير شرعية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 2334 لعام 2016، الذي يؤكد أن المستوطنات “ليس لها أي شرعية قانونية، وتشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي” (المصدر: مجلس الأمن الدولي، القرار 2334)، فإن شيئًا لم يتغير.

فالبيانات الدولية تتكرر، والإدانات تصدر، لكن الخرائط تستمر في التبدل لمصلحة المشروع الاستيطاني. لقد أثبتت التجربة أن الزمن، حين يُترك لصالح القوة، يتحول إلى أحد أهم أدوات الاحتلال.

وفي المقابل، لم ينجح المسار السياسي الذي تبنته السلطة الفلسطينية في وقف هذا التوسع. فمنذ أكثر من ثلاثة عقود، استمر التنسيق الأمني والرهان على المفاوضات باعتبارهما الطريق إلى التسوية، بينما كانت المستوطنات تتضاعف عددًا ومساحة وسكانًا (المصدر: تقارير البنك الدولي، ومعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني – ماس).

ويرى كثير من المنتقدين أن هذا النهج لم يوفر حماية للفلسطينيين، ولم يمنع مصادرة الأراضي، ولم يوقف الاعتقالات والاقتحامات العسكرية، بل ترافق مع أكبر توسع استيطاني منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967.

هنا تكمن المفارقة الكبرى. فالاستيطان لا يبدأ مدينةً كاملة، ولا يولد دفعة واحدة. إنه يبدأ بخيمة، ثم بكرفان، ثم بطريق عسكري، ثم بنقطة حراسة، ثم بعد سنوات يصبح حيًا، فمستوطنة، ثم مدينة كاملة تفرض نفسها باعتبارها “أمرًا واقعًا”. هكذا يعمل المشروع الاستيطاني، يتسلل ببطء، لكنه لا يتراجع طوعًا.

هذا الدرس لا يخص الفلسطينيين وحدهم، بل يخص كل دولة تواجه نزاعًا مع إسرائيل. فالوقائع التي تُفرض على الأرض تصبح مع مرور الزمن أساسًا لأي تفاوض لاحق، بينما تتراجع الحقوق النظرية أمام الخرائط الجديدة.

ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس التنازل الكبير دفعة واحدة، بل الاعتياد على التنازلات الصغيرة التي تتراكم حتى تغيّر المشهد بالكامل.

ومن هذه الزاوية، يصبح النقاش الدائر في لبنان حول اتفاق الإطار والترتيبات الأمنية المرتبطة بالحدود الجنوبية نقاشًا يتجاوز التفاصيل التقنية أو الدبلوماسية.

فالتجربة الفلسطينية تعلم أن أي ترتيبات ينبغي أن تُقرأ أيضًا من زاوية آثارها بعيدة المدى، لا من زاوية لحظتها السياسية فقط. وما يبدو اليوم إجراءً محدودًا قد يتحول، إذا غابت اليقظة السياسية والقانونية، إلى واقع جديد يصعب تغييره في المستقبل.

ليست هذه دعوة إلى استنساخ التجارب أو القفز إلى استنتاجات مسبقة، بل إلى قراءة التاريخ القريب بعين مفتوحة. فالاستيطان لم يولد بقرار واحد، ولم ينتشر في ليلة واحدة، وإنما تمدد خطوة بعد خطوة حتى أصبح جزءًا من المشهد الذي اعتاده العالم.

والأوطان لا تُفقد دائمًا بالحروب الكبرى، بل قد تُستنزف أيضًا عندما تتحول الوقائع المؤقتة إلى حقائق دائمة، وعندما يكتشف أصحاب الأرض، بعد سنوات، أن ما كان استثناءً بالأمس أصبح قاعدة ثابتة لا يمكن تغييرها بسهولة.

في هذا السياق، يبرز جنوب لبنان بوصفه ساحة لا تحتمل التراخي أو التأجيل. فالتجارب في فلسطين، وحتى في بعض المناطق السورية التي شهدت محاولات لفرض وقائع جديدة على الأرض، تُظهر أن أي فراغ أو ضعف في المبادرة الرسمية قد يُستغل لخلق أمر واقع يصعب تغييره لاحقًا

( المصدر: تقارير الأمم المتحدة حول النزاع في سوريا، ومراكز أبحاث دولية مثل International Crisis Group)

لقد بدأت مشاريع الاستيطان في أماكن أخرى بخطوات صغيرة بدت في حينها محدودة أو مؤقتة، لكنها تحولت مع الزمن إلى حقائق راسخة.

إن التحذير هنا ليس مبالغة، بل قراءة مستندة إلى تجارب قريبة. فإذا لم تبادر الدولة اللبنانية إلى تثبيت سيادتها الكاملة على الجنوب، وتعزيز حضورها السياسي والأمني والقانوني، فإن خطر تكرار نموذج الضفة الغربية، ولو بصيغ مختلفة، يبقى قائمًا. فالأرض التي لا تُحمى بالفعل، تُعاد صياغتها بمرور الوقت وفق موازين القوة، لا وفق الحقوق.

لهذا، فإن حماية الجنوب ليست مجرد مسألة حدود، بل مسألة مستقبل. فإما أن يُصان كجزء لا يتجزأ من الدولة اللبنانية، أو يُترك عرضة لتحولات تدريجية قد لا تبدو خطيرة في بدايتها، لكنها تحمل في طياتها تغييرات عميقة يصعب التراجع عنها لاحقًا.

https://anbaaexpress.ma/x7p4g

شادي منصور

كاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى