ليس أخطر ما في قانون العفو العام الذي أقرّه مجلس النواب اللبناني أن سجناء سيخرجون من خلف القضبان، أو أن ملفات قضائية ستُقفل بعد سنوات طويلة من الانتظار.
الأخطر هو أن الدولة اللبنانية، التي تقول إنها تريد استعادة هيبتها وقرارها وسيادتها، عادت مرة أخرى إلى الحل الأسهل: العفو بدل المحاسبة، والتسوية بدل القضاء، وطيّ الملفات بدل بناء المؤسسات القادرة على معالجتها.
في بلد خرج من حرب أهلية استمرت خمسة عشر عاماً، كان العفو السياسي جزءاً من التسوية التي أنهت الحرب. يومها جرى تجاوز ملفات كثيرة، وأُغلقت أبواب المحاسبة أمام عدد كبير ممن ارتكبوا جرائم خلال سنوات الاقتتال، بحجة أن لبنان يحتاج إلى المصالحة وأن فتح دفاتر الماضي قد يعيد إشعال الحرب.
كان ذلك منطقاً سياسياً مفهوماً في لحظة تاريخية شديدة التعقيد، لكنه ترك وراءه مشكلة لم تُحل: ماذا عن العدالة؟ وماذا عن الضحايا؟ وماذا عن الدولة التي يفترض أن تكون أقوى من زعماء الحرب؟
بعد أكثر من ثلاثة عقود، يعود لبنان إلى المنطق نفسه تقريباً، وإن بأسماء وملفات مختلفة. مرة أخرى هناك سجون مكتظة، ومحاكمات متأخرة، وموقوفون أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان، وملفات تحمل في طياتها أبعاداً أمنية وطائفية وسياسية. ومرة أخرى يأتي الحل من مجلس النواب على شكل عفو عام.
لا أحد يستطيع أن ينكر أن القضاء اللبناني يعاني أزمة مزمنة، وأن التوقيف الاحتياطي الطويل يمثل مشكلة حقيقية، وأن السجون تعاني من الاكتظاظ، وأن هناك أشخاصاً أمضوا سنوات في السجن من دون محاكمة عادلة وسريعة. لكن معالجة هذا الخلل لا تكون بتحويل العفو العام إلى بديل دائم عن القضاء.
الدولة التي تعالج عجز محاكمها بالعفو لا تكون قد أصلحت القضاء. والدولة التي تعالج اكتظاظ سجونها بإطلاق السجناء من دون معالجة أسباب الاكتظاظ، تكون قد أجلت المشكلة إلى موعد آخر.
وهنا تحديداً تكمن خطورة القانون الجديد.
بحسب الصيغة التي أقرها مجلس النواب، يشمل العفو الجرائم المرتكبة قبل الأول من آذار 2026، ويؤدي في الحالات المشمولة إلى إسقاط الدعوى العامة ومحو العقوبات الأصلية والفرعية والتدابير الاحترازية، فضلاً عن إسقاط الملاحقات والأحكام والقرارات المتعلقة بالجرائم المشمولة بأحكامه.
لكن القانون ليس عفواً شاملاً عن كل الجرائم، وهذه نقطة يجب توضيحها بدقة. فهو يستثني، وفق النص الذي أُقر، جرائم الإرهاب بحق المدنيين والعسكريين والقوى الأمنية، والقتل عمداً أو قصداً، والجرائم المحالة على المجلس العدلي، والخيانة والتجسس والجرائم المرتبطة بالعدو الإسرائيلي، إضافة إلى جرائم أخرى بينها الفساد والإثراء غير المشروع وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب وبعض الجرائم الجنسية والعنف الأسري والاتجار بالبشر وغيرها.
وهذا يعني أن القول إن مجلس النواب «عفا عن جميع الإرهابيين والقتلة» ليس دقيقاً من الناحية القانونية.
لكن هذه الحقيقة لا تنهي المشكلة، بل تفتح باباً لسؤال أكبر: لماذا وصلت الدولة أصلاً إلى مرحلة تحتاج فيها إلى عفو عام واسع لمعالجة ملفات قضائية وأمنية وسياسية بقيت معلقة سنوات طويلة؟
هنا يجب التوقف عند الخلفية السياسية للقانون.
فملف ما يسمى «الموقوفين الإسلاميين» بقي لأكثر من عقد واحداً من أكثر الملفات حساسية في لبنان. ارتبط بأحداث أمنية دامية في الشمال، وبملفات حملت في بعضها اتهامات تتعلق بالإرهاب والعنف المسلح والاعتداء على الجيش والقوى الأمنية.
وعلى مدى السنوات الماضية، بقيت المطالبة بالعفو العام عن فئات من هؤلاء الموقوفين حاضرة في الخطاب السياسي، خصوصاً داخل البيئة السنية.
لكن في المقابل، سيكون من الظلم اختزال ملف العفو كله في الحسابات السياسية والطائفية. هناك جانب إنساني وقانوني حقيقي لا يمكن تجاهله.
فمئات الموقوفين في السجون اللبنانية أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان من دون أن تصل ملفاتهم إلى محاكمة تنهي حالة الانتظار، وبعضهم بقي موقوفاً بسبب تعقيدات إدارية ولوجستية، وبعض الملفات تعطلت نتيجة تراكم القضايا ونقص الإمكانات وتعطل عمل المحاكم، فيما لا يمكن استبعاد أن تكون الاعتبارات السياسية والأمنية قد لعبت دوراً في إبقاء ملفات حساسة معلقة لسنوات.
أن يبقى الإنسان في السجن سنوات من دون محاكمة ليس عدالة، حتى لو كانت التهمة الموجهة إليه خطيرة. فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته، والمحاكمة العادلة ليست امتيازاً يمنح للموقوف حين تكون ظروف الدولة مؤاتية، بل حق أساسي لا يجوز أن يسقط بسبب عجز الإدارة أو بطء القضاء.
وهنا تحديداً تصبح مسؤولية الدولة مضاعفة. فإذا كانت تعرف أن هناك موقوفين أمضوا سنوات من دون محاكمة، فلماذا انتظرت حتى عام 2026 لإيجاد حل؟ ولماذا لم تُسرّع المحاكمات، وتؤمّن القضاة والموظفين والإمكانات اللوجستية اللازمة، وتضع حداً لتحويل التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة فعلية تسبق الحكم؟
المشكلة إذاً ليست في الموقوف وحده، وإنما في دولة تترك الملف يتراكم حتى يصبح العفو هو الحل الأسهل.
والأخطر أن هذا التأخير لا يصيب الجميع بالطريقة نفسها. فحين تكون القضية عادية، قد ينتظر صاحبها سنوات. وحين تكون حساسة سياسياً أو أمنياً، يمكن أن تصبح أكثر تعقيداً، فتتداخل الاعتبارات القضائية مع الحسابات السياسية، ويبقى الموقوف عالقاً بينهما.
لهذا فإن معالجة مظلومية هؤلاء الموقوفين يجب أن تبدأ من مكان مختلف: المحاكمة. من تثبت براءته يُطلق فوراً، ومن تثبت إدانته يُحاكم وفق القانون، ومن لم تبدأ محاكمته بعد لا يجوز أن يتحول التوقيف الاحتياطي في حقه إلى عقوبة مفتوحة.
أما أن نعالج بطء القضاء بعفو عام، فنحن لا نحل أزمة العدالة؛ بل نغطي عليها مؤقتاً.
والمفارقة أن الدولة التي تقول إن أحد أسباب العفو هو معالجة التأخير المزمن في المحاكمات، تعترف بذلك عملياً بأنها تركت نظامها القضائي يصل إلى مرحلة أصبح فيها العفو ضرورة إدارية.
وهذه بحد ذاتها فضيحة دولة، لا فضيلة قانون.
لكن المشكلة لا تقف عند هذا الحد. فبمجرد أن دخل ملف الموقوفين إلى مجلس النواب، تحوّل سريعاً إلى قضية سياسية وطائفية.
كل فريق كان يبحث عن الصيغة التي يستطيع أن يقدمها لجمهوره باعتبارها إنجازاً، حتى بدا قانون العفو في بعض لحظاته وكأنه نتيجة مفاوضات بين القوى السياسية أكثر مما هو تشريع جنائي استثنائي.
وهنا تتحول العدالة إلى حسابات سياسية.
وهذه ليست طريقة سليمة لبناء دولة.
المشهد الذي رافق إقرار القانون كان كافياً لإظهار حجم المشكلة. فقد انفجر الخلاف حول وزير الدفاع ميشال منسى عندما أراد عرض موقف وزارة الدفاع والمؤسسة العسكرية أمام مجلس النواب، قبل أن يُمنع من إلقاء كلمته.
ثم تحولت المسألة إلى مواجهة سياسية انسحبت على إثرها كتل نيابية من الجلسة، فيما دخل رئيس مجلس النواب نبيه بري على خط الاتصالات، وتواصل مع قائد الجيش رودولف هيكل، في محاولة لاحتواء الأزمة وتأمين انعقاد الجلسة وإقرار القانون.
المفارقة هنا أن المؤسسة العسكرية نفسها كانت معنية مباشرة ببعض الملفات التي يدور حولها النقاش. فالجيش اللبناني دفع خلال السنوات الماضية ثمناً باهظاً في مواجهة التنظيمات المسلحة والإرهابية، وسقط له ضباط وعناصر في معارك وعمليات أمنية وتفجيرات واعتداءات.
لذلك كان من الطبيعي أن يكون للمؤسسة العسكرية رأي في قانون يمس ملفات من هذا النوع.
ليس لأن الجيش فوق القانون، وليس لأن رأيه يجب أن يكون ملزماً للنواب، وإنما لأن دولة المؤسسات تستمع إلى مؤسساتها.
أما تحويل الاستماع إلى رأي المؤسسة العسكرية إلى مواجهة طائفية، فهو أمر أخطر بكثير من الخلاف حول مادة قانونية.
الجيش ليس سنياً ولا شيعياً ولا مسيحياً. شهداؤه من كل الطوائف، كما قال نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب. وعندما يتحدث وزير الدفاع عن موقف المؤسسة العسكرية، فهو لا يتحدث باسم طائفة في مواجهة طائفة أخرى.
ولهذا فإن استخدام البعد الطائفي في مواجهة وزير الدفاع، أو تصوير أي اعتراض عسكري على قانون ما بأنه مواجهة مع الطائفة السنية، لا يخدم فكرة الدولة التي يفترض أن تكون فوق الانقسامات الطائفية.
بل يعيد إنتاج المشكلة نفسها التي يدّعي الجميع أنهم يريدون التخلص منها.
ولعل أكثر ما يثير القلق أن الخلاف بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع أخذ حجماً تجاوز مضمون القانون نفسه. باتت المسألة وكأنها معركة على من يفرض كلمته، ومن يثبت هيبته، ومن يستطيع أن يسجل النقاط أمام جمهوره.
لكن هيبة رئيس الحكومة لا تُقاس بمنع وزير من الكلام.
هيبة الحكومة تُقاس بقدرتها على احترام المؤسسات.
وهيبة الجيش تُقاس بقدرته على تنفيذ القانون، لا بمنعه من إبداء الرأي.
وهيبة مجلس النواب تُقاس بقدرته على التشريع بعد نقاش هادئ وشفاف، لا بمجرد التصفيق وإقرار البنود تحت ضغط التسويات السياسية.
أما ملف المتعاملين مع الاحتلال الإسرائيلي، فهو أكثر الملفات التي تحتاج إلى عقل بارد ودقيق، لا إلى مزايدات سياسية.
منذ الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الجنوب عام 1978 وحتى الانسحاب عام 2000، عاش الجنوبيون واحدة من أقسى مراحل تاريخ لبنان الحديث.
قتل واعتقال وتعذيب وإخفاء وقصف وتهجير، وارتبطت تلك المرحلة بعمل مجموعات لبنانية تعاونت مع الاحتلال وأجهزته.
وعند الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، فرّ قسم من هؤلاء إلى الأراضي المحتلة، وبقي ملفهم مفتوحاً طوال السنوات التالية.
وكان لبنان قد أقر في عام 2011 القانون الرقم 194 لمعالجة أوضاع المواطنين اللبنانيين الذين لجأوا إلى الأراضي المحتلة عقب الانسحاب الإسرائيلي، إلا أن عدم صدور المراسيم التطبيقية أبقى المشكلة معلقة.
لذلك فإن معالجة هذا الملف اليوم ليست بالضرورة أمراً سلبياً في حد ذاتها. الدولة تستطيع أن تعالج أوضاع مواطنيها وفق القانون، لكن عليها في الوقت نفسه أن تميز بوضوح بين الحالات المختلفة، وأن تحفظ حقوق الضحايا الذين تعرضوا للقتل أو الاعتقال أو التعذيب على أيدي المتعاملين مع الاحتلال.
لا يمكن أن تتحول القضية إلى مجرد «انتصار» سياسي لطرف لبناني على طرف آخر.
ولا يجوز أن يُطلب من الجنوبي الذي عانى الاحتلال أن ينسى كل شيء باسم المصالحة، فيما تُستخدم القضية نفسها في الانتخابات والمزايدات السياسية.
المصالحة الحقيقية تحتاج إلى عدالة وحقيقة، لا إلى محو الذاكرة.
وفي الجانب الآخر من القانون، جاءت التعديلات المتعلقة بالمخدرات وزراعتها لتضيف ملفاً آخر شديد الحساسية، ولا سيما بالنسبة إلى البقاع.
فقد شملت التعديلات جرائم زراعة المواد المخدرة المرتكبة قبل صدور القانون، كما تناولت حالات التكرار وشروطاً تتعلق بارتكاب جنحة أو جناية جديدة خلال السنوات اللاحقة للاستفادة من العفو.
وهنا أيضاً يجب أن تكون الدولة حازمة وعادلة في الوقت نفسه.
لا يجوز أن يعامل المزارع الصغير كمن يدير شبكة تهريب دولية، لكن لا يجوز كذلك أن تتحول مكافحة المخدرات إلى ملف قابل للتسوية السياسية كلما أصبحت القضية جزءاً من حسابات انتخابية أو مناطقية.
الدولة القوية هي التي تميز بين الجرائم، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بتحويل القانون إلى سوق للمساومات.
والمشكلة الأعمق في كل هذا ليست في مادة هنا أو استثناء هناك.
المشكلة أن لبنان اعتاد أن يحل أزماته بالصفقات.
حين تعجز الدولة عن المحاسبة، يأتي العفو.
حين تتعقد القضية طائفياً، تأتي التسوية.
حين تختلف المؤسسات، تدخل الاتصالات السياسية.
وحين يصبح الخارج طرفاً في المشهد، يصبح ما كان يفترض أن يكون قراراً لبنانياً جزءاً من ميزان علاقات إقليمية ودولية.
وهنا يصل النقاش إلى السؤال الذي لا يريد كثيرون طرحه: هل ما زال القرار اللبناني يُصنع في بيروت وحدها؟
فقانون العفو الذي صدر لم يكن ليقرّ لو لم يصدر بأمر أميركي أو سعودي وهذا يبدو جليًا لان لا شيء يمرّ بلبنان الا بأوامر من دول الوصاية الجديدة.
وهنا يجب، طرح السؤال عن حجم تأثير الخارج في صناعة القرار اللبناني.
فلبنان عاش لعقود تحت أشكال مختلفة من الوصاية والتدخل الخارجي، من الوصاية السورية إلى النفوذ الإقليمي والدولي المتعدد الأشكال.
واليوم، وبينما تتحدث السلطة الجديدة عن استعادة القرار السيادي وبناء دولة المؤسسات، يصبح من حق اللبناني أن يسأل: هل تستطيع هذه السلطة فعلاً اتخاذ قراراتها الكبرى من دون ضغط خارجي؟
السيادة ليست شعاراً.
السيادة هي أن تكون مؤسسات الدولة قادرة على اتخاذ القرار من دون أن تتحول السفارات إلى غرف قرار غير معلنة.
والاستقلال ليس أن تستبدل وصاية بأخرى.
الدولة المستقلة هي التي تستطيع أن تقول «نعم» أو «لا» وفق مصلحة مواطنيها، لا وفق ما يريده هذا الخارج أو ذاك.
من هنا، فإن قانون العفو العام يستحق أكثر من الاحتفال به أو مهاجمته.
يحتاج إلى قراءة أعمق.
لأن في القانون جانباً إنسانياً لا يمكن تجاهله؛ هناك موقوفون طال توقيفهم، وهناك سجون مكتظة، وهناك أشخاص قد يكونون أمضوا سنوات خلف القضبان قبل صدور أحكام نهائية بحقهم. وهذه ملفات يجب أن تعالجها الدولة.
لكن في المقابل هناك حقوق ضحايا، وهناك دماء عسكريين ومدنيين، وهناك جرائم خطيرة وهنا ملف كبير لعملاء اسرائيل لا يجوز أن تصبح مجرد أوراق على طاولة التسوية السياسية.
والأهم من ذلك كله أن العفو لا ينبغي أن يكون بديلاً عن إصلاح القضاء.
إذا كانت المحاكم بطيئة، فلتُسرَّع المحاكمات.
إذا كان التوقيف الاحتياطي يتحول إلى عقوبة، فليُصلح قانون أصول المحاكمات.
إذا كانت السجون مكتظة، فلتُعالج أسباب الاكتظاظ.
إذا كان القضاء عاجزاً عن إنجاز الملفات، فليُدعّم.
وإذا كان استقلال القضاء مهدداً، فلتُحمَ استقلاليته.
أما أن تترك الدولة المشكلة تتراكم عشر سنوات أو عشرين، ثم تعود لتقول إن الحل هو العفو، فهذا ليس إصلاحاً.
إنه اعتراف بالفشل.
ولبنان سبق أن دفع ثمناً باهظاً لهذا النوع من التسويات.
بعد الحرب الأهلية، لم يحصل اللبنانيون على العدالة التي كانوا يستحقونها. جرى طيّ صفحة الحرب، لكن كثيراً من الملفات طُويت معها.
وبدلاً من أن تتعلم الدولة من التجربة، يبدو أنها تعود اليوم إلى الأسلوب نفسه: عندما يصبح الملف أكبر من قدرة المؤسسات، فلنبحث عن تسوية سياسية.
لكن الدولة لا تُبنى بهذه الطريقة.
الدولة تُبنى عندما يعرف المواطن أن الجريمة لها عقوبة، وأن البراءة لها محكمة، وأن الموقوف له حقوق، وأن الضحية لها حق، وأن السياسي لا يستطيع أن يفتح باب السجن أو يغلقه وفقاً لحساباته الانتخابية.
الدولة لا تكون قوية عندما تستطيع إصدار قانون عفو.
تكون قوية عندما لا تحتاج إلى قانون عفو كل بضع سنوات.
ولهذا فإن القضية الحقيقية ليست من خرج من السجن، ولا من بقي فيه.
القضية هي: أي دولة يريد اللبنانيون أن يبنوا؟
دولة تُدار بالصفقات، فتجلس الطوائف والقوى السياسية لتتقاسم الملفات والمكاسب، ثم يخرج الجميع ليعلنوا الانتصار؟
أم دولة يكون فيها القضاء هو المرجع، والمؤسسة العسكرية جزءاً محترماً من منظومة الدولة، والبرلمان مكاناً للنقاش الحقيقي، والحكومة مسؤولة أمام مؤسساتها وشعبها، والقرار الوطني لا يحتاج إلى موافقة أي عاصمة خارجية؟
قانون العفو العام الذي أقره مجلس النواب ليس مجرد قانون آخر مرّ في جلسة تشريعية.
إنه مرآة للنظام اللبناني كله.
وفي هذه المرآة تظهر دولة لا تزال تبحث عن طريقها بين الطائفية والسياسة والقضاء، وبين الداخل والخارج، وبين منطق التسوية ومنطق المحاسبة.
أما إذا كان الهدف فعلاً هو بناء دولة جديدة واستعادة القرار السيادي، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إقرار القانون، لا معه.
فهل سيكون العفو نهاية لمرحلة وبداية لإصلاح القضاء؟
أم سيكون، كما حدث بعد الحرب الأهلية، مجرد صفحة جديدة في دفتر طويل من التسويات التي تؤجل انفجار الأزمة ولا تحلها؟
ذلك هو السؤال الذي سيبقى مفتوحاً بعد أن ينتهي التصفيق داخل مجلس النواب.




