لم يكن أكثر المتفائلين بالقضية الفلسطينية يتوقع أن يأتي يوم تصبح فيه إسرائيل مضطرة للدفاع عن صورتها أكثر من دفاعها عن حدودها.
لعقود طويلة، امتلكت تل أبيب ما بدا أنه سلاح لا يُهزم: الرواية. كانت تسبق الكاميرا، وتوجّه العناوين، وتحدد للغرب من هو الضحية ومن هو الجلاد. لكن شيئاً ما انكسر. ليس في موازين القوى العسكرية، بل في الوعي العالمي.
العالم الذي كان ينظر إلى إسرائيل بوصفها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، بات يشاهد على شاشات الهواتف أطفالاً يُنتشلون من تحت الأنقاض، ومستشفيات تُقصف، ومدناً تُمحى من الخرائط.
وعندما تتكرر الصورة آلاف المرات، تصبح أقوى من أي بيان رسمي، وأصدق من أي مؤتمر صحفي.
لهذا لم يعد السؤال في العواصم الغربية: ماذا حدث في غزة؟ بل كيف وصلنا إلى هنا؟ وكيف استمر العالم كل هذا الوقت في تبرير ما يراه اليوم بعينيه؟
الأكثر إثارة أن هذا التحول لم يعد محصوراً بالشارع أو بالنشطاء. لقد وصل إلى قلب المؤسسات التي كانت تاريخياً الحصن السياسي الأكثر صلابة لإسرائيل، أي الولايات المتحدة.
داخل الكونغرس الأمريكي، ارتفع عدد النواب الذين يطالبون بفرض شروط على المساعدات العسكرية لإسرائيل، أو بوقف إطلاق النار، أو بإجراء تحقيقات مستقلة بشأن الانتهاكات التي تطال المدنيين.
أسماء كانت قبل سنوات تخشى مجرد انتقاد الحكومة الإسرائيلية، أصبحت اليوم تتحدث علناً عن ضرورة إعادة النظر في طبيعة العلاقة مع تل أبيب.
وفي الجامعات الأمريكية، حيث تُصنع النخب السياسية والفكرية المقبلة، لم تعد القضية الفلسطينية موضوعاً هامشياً. من هارفارد إلى كولومبيا، خرج آلاف الطلاب والأساتذة في احتجاجات غير مسبوقة، متحدين ضغوطاً سياسية وإدارية وإعلامية كبيرة، ومؤكدين أن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين لم يعد قضية أيديولوجية، بل قضية أخلاقية.
حتى داخل الإدارة الأمريكية نفسها ظهرت تباينات لم تكن مألوفة. نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس وجّه انتقادات لسياسات إسرائيل ولطريقة تعامل بعض المسؤولين الإسرائيليين مع واشنطن، في إشارة إلى أن الدعم التقليدي لم يعد محصناً ضد النقاش، حتى داخل أوساط المحافظين.
ولم يعد الأمر يقتصر على السياسيين والأكاديميين. شخصيات إعلامية ومؤثرون يتابعهم عشرات الملايين، بعضهم لم يكن معروفاً بأي موقف من القضية الفلسطينية، بدأوا يطرحون أسئلة محرجة حول حجم الدمار في غزة، وعدد الضحايا المدنيين، ومعنى استمرار الدعم الغربي غير المشروط لإسرائيل.
لكن التحول الأكبر ربما أصاب فكرة طالما قدّمتها الدول الغربية باعتبارها أساس النظام الدولي: العدالة.
لقد رفعت العواصم الغربية طوال عقود شعارات احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، إلا أن الحرب الأخيرة أعادت فتح ملف ازدواجية المعايير بصورة غير مسبوقة.
فحين يتعلق الأمر بدول معينة، تتحرك العقوبات بسرعة، وتُفعّل المحاكم الدولية، وتُستخدم لغة صارمة لا تحتمل التأويل. أما عندما تكون إسرائيل طرفاً في الصراع، فإن اللغة نفسها تصبح أكثر ليونة، وتتحول المبادئ إلى مواقف سياسية قابلة للتفاوض.
وهذا ما جعل كثيرين لا يتحدثون فقط عن أزمة في الشرق الأوسط، بل عن أزمة ثقة بالنظام الدولي كله.
أما الإعلام الغربي، فقد وجد نفسه أمام امتحان لم ينجح فيه منذ البداية. ففي الأسابيع الأولى، طغت الرواية الإسرائيلية على معظم القنوات والصحف الكبرى، بينما بقيت معاناة الفلسطينيين في الهامش. لكن مع استمرار الحرب، بدأت الوقائع تفرض نفسها. لم يعد ممكناً تجاهل صور الدمار، أو أعداد الضحايا، أو التقارير الحقوقية التي توالت من منظمات دولية.
والأهم أن وسائل التواصل الاجتماعي كسرت للمرة الأولى الاحتكار التقليدي للمعلومة. لم يعد الخبر ينتظر نشرة الثامنة مساءً، بل أصبح يصل مباشرة من هاتف صحفي أو مسعف أو طفل داخل غزة إلى ملايين الأشخاص حول العالم خلال دقائق. وهكذا فقدت المؤسسات الإعلامية الكبرى قدرتها المطلقة على التحكم بالرواية.
ورغم النفوذ السياسي والإعلامي الكبير الذي تتمتع به جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الغرب، فإنها لم تستطع منع هذا التحول. فحين تصبح الحقيقة مرئية، يفقد الإنكار فعاليته.
ولعلّ أكثر الصور رمزية لهذا التحول كانت في نهائي كأس العالم، حين تحوّل تشجيع إسبانيا، بالنسبة إلى شريحة واسعة من الجماهير حول العالم، إلى ما يشبه التصويت الرمزي لموقفها الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني.
لم يعد كثيرون ينظرون إلى المباراة باعتبارها مواجهة بين منتخبين، بل بين موقفين، فاختلطت السياسة بالرياضة، وتحولت المدرجات ومنصات التواصل إلى مساحة للتعبير عن الانحياز للقضية الفلسطينية، في مشهد يعكس كيف أصبحت فلسطين حاضرة حتى في أكثر المناسبات العالمية بعداً عن السياسة.
قد تنجح الحكومات في كسب المعارك بالسلاح، لكنها لا تستطيع أن تُجبر الشعوب على تصديق رواية فقدت صدقيتها. وما يحدث اليوم ليس مجرد تراجع في شعبية إسرائيل، بل انهيار تدريجي للاحتكار الأخلاقي الذي تمتعت به لعقود. وحين يخسر أي مشروع صورته أمام العالم، يصبح استعادة الثقة أصعب بكثير من استعادة أي موقع على الأرض.




