أخذنا من مشايخنا في الأدب العربي القديم والحديث أنَّ المثقف في كل العصور يجب أن يكون مؤهلاً فكرياً في أغلب العلوم الإنسانية المعاصرة قديماً وحديثاً، ومشايخنا هم: الدكتور عبد الله الطيب، والدكتور طه حسين، والدكتور أنيس منصور، وخلافه، وأهم كتب المتقدمين والمحدثين هي: المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، على هامش السيرة، في صالون العقاد كانت لنا أيام، الفكرة الإنسانية العالمية، نفائس الأدب وذخائر العرب، جمهرة أشعار العرب، في الشعر الجاهلي، وأخذنا منهم أبجدية ضرورة التأهيل الفكري والثقافي والتحصين الأخلاقي والمعرفي على النحو التالي:
حفظ القرآن الكريم، كله أو جله أو خلافه والاستشهاد به.
معرفة علوم الفقه الإسلامي والعلوم الإنسانية بعامَّة.
معرفة وحفظ الحديث النبوي الشريف.
الإلمام باللغة العربية الفصحى كتابةً وتحدثاً.
تحصيل النثر العربي والغربي.
الاستشهاد بالشعر الفصيح الجاهلي والإسلامي والاموي والعباسي خاصة.
فهم ضرب الأمثال والحكم
الحكمة وفصل الخطاب.
البلاغة والفصاحة وحسن الخلق.
جودة الأسلوب في التحدث والمخاطبة إلى الناس.
هذا ! ما حملني على كتابة هذه الكلمة بعد تجوالي وتطوافي على بيوت الثقافة والفنون والآداب ودُور قاعات الجامعات ومجالسة العلماء والمشايخ والسياسيين وأصحاب الرأي ومصاحبة الكتب على رأسها القرآن الكريم والأدب والشعر العربي وخلافه، على مدى أكثر من خمس وثلاثين سنة متواصلة إلا ما فاتني إليه الاستماع بحكم العمل والظروف وما هي إلا قليلة إذا ما قارنتها بتلك، هو ضعف التحصيل المعرفي لمن يتسنمون المنابر في الموائد العلمية مما ذكر من البنود المحصورة في عشر نقاط عاليه، وأنا حزين أشد ما يكون الحزن لفقدي القامات المعرفية التي تتلمذت على يديها طيلة تلك السنوات بغض النظر عن تخصصي الأكاديمي والمهني، على المنابر المتخصصة في مجال الثقافة والفنون والآداب والعلوم الإنسانية إلا بنسبة خمس في المائة على أحسن وجه، وأخص بالذكر المنابر الثقافية والفنية والعلمية في مصر خلال الفترة الأخيرة بعد أحداث السودان المعروفة 2023 ولجوء عدد كبير من المواطنين السودانيين لمصر.
هذه أزمة حقيقية بلا مِراء، وبلا مجاملة وأثرها السالب على المتلقي العربي والسوداني بالذات واضحة ولا تخفى على ذي عينين ولهي جريمة لا تغتفر في حق العلم والمعرفة والثقافة والعلوم الإنسانية، حيث اقعدت تلك الحفنة من المدَّعين في مجالس العلم والمعرفة، العقل الجمعي العربي والغربي عامَّة والسوداني خاصَّة في أن ينضج وعيه وتستقيم سريرته ويعمل لنهضة بلاده وشعبه، وأسوأ ما في هذا الأمر كله هو خلط الأوراق الأيديولوجية بالفكر الحر للرجل الحر بحيث يطرح هذا الدعي العيي المدعي نفسه للناس باعتباره سيد الموقف وهو بذلك الصنيع يقتل العلم والمعرفة والثقافة في عقر دارها ومهدها لمن يستمع أو يصفق له بلا وعي لمجرد الانتماء الجمعي لأيدولوجية ما معينة تربط بينهم، وهذه آفة الفكر المعاصر وأزمة المثقف في كل العصور في كل أشكاله وصوره بلا أدنى ريب.
إنَّ الادعاء بسبيل المعرفة الخواء الجوفاء سواء كان في الكتابة أو المحاضرة أو المؤانسة أو المجالسة ليظهر بالنسبة لي أقلَّاها من أول وهلة يتكلم فيها هذا العيي أو ذاك المدعي مما يزهدني في هذا أو ذاك معاً، والسودانيون مغرمون بالتكاسل المتكئ على الرجل الواحد في المجالس المتعددة إذ يكرر نفسه ويمج مجوجته في أذن المتلقي باختلاف نوع الموضوع شعراً كان أم نثراً بلا حياء، قال الشاعر العربي القديم أبو اسحق الحصري القيرواني ذامَّاً ملوك الطوائف في الاندلس:
ومما يزهدني في أرض أندلس* أسماء معتمد فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها * كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد
إنَّ أزمة المثقف العربي والغربي المعاصر اليوم لأي جنسية كان منتمياً، لهي انتكاسة حقيقية ووصمة عار على جبين الأمة التي ينتمي إليها في الزهد المتواصل عن الاطلاع والقراءة والكتابة والتأليف الجاد الهادف والتجديد في كل المستويات المعرفية، وأحيل ذلك لعدة أسباب منها:
المجاملة الشللية والمشاحنة الضيقة الذاتية للطرف الآخر وعدم النقد الأدبي المحترف للحصيف المثقف العربي والغربي، وأخص بالذكر تحويل المناصحة والمدارسة والنقد البنَّاء في أي موضوع مطروح للنقاش إلى الشخصنة العفنة والنفس الحقودة أو الكيد لأيدولوجية اتهاماً بعينه، ليفسح له طريق المنافسة غير الحرة النزيهة في مصاريع الحقل المعرفي السلوكي ويتأبط شره المستطير نفثاً على عين وأذن المتلقي دون حياء منه ودون اعتراض منهم عليه للأسف الشديد.
أناشد الرجل الحر، الذي يفكر كما يشاء ويقول بما يفكر ويعمل بما يقول أن تكون وجهته الأولى والأخيرة هي الخير والبر والإحسان إلى الناس، وأن يتحمل اذاهم ويكف أذاه عنهم ويمنع شره عنهم ويكف جشاءه عليهم ويفسح الطريق لمن يستحق ويستأهل بالمحبة والمودة والرحمة والمعرفة والثقافة الحقَّة فيكون إضافة لهم لا خصماً عليهم فيرقى بنفسه ومجتمعه لا يقعد بهم في خاصرة الطريق فينال منهم عدوه وعدوهم.
إنَّ المحافظة على اللسان العربي القديم ليست غاية في ذاتها فيما مضى ذكره عاليه، بل وسيلة لغاية أكبر منها تشريفاً وتعظيماً هو القرآن الكريم، وبالمحافظة عليه، نحفظ الإسلام واللغة والهوية الوطنية والانتماء الوطني لنحقق موعود الله لنا فيه لقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} سورة الحجر، قال الشاعر الشريف الرضي:
لساني حصاة يقرع الجهل بالحجا * إذا نال مني العاضة المتوثب
إنَّ أزمة الفكر العربي المعاصر والمثقف المدعي المقترن بحضارته ووقته، لا مجال له بين العارفة منذ هذا اليوم فإمَّا طلاق بمعروف وإمَّا مفارقة بإحسان.




