آراءسياسة
أخر الأخبار

انتخابات 2026.. بين عزوف الناخب وفشل الخطاب السياسي

لم تكن نتائج اقتراع 23 سبتمبر 2026 مجرد مناسبة لقياس موازين القوى بين الأحزاب، بل كشفت، قبل كل شيء، عن سؤال أكبر يتعلق بعلاقة المواطن بالسياسة وبصندوق الاقتراع.

فنسبة المشاركة التي لم تتجاوز 38 في المائة تضع الجميع أمام حقيقة يصعب القفز عليها: هناك كتلة واسعة من المواطنين لم تعد ترى في المشاركة الانتخابية وسيلة كافية للتأثير في القرار العام.

وفي خضم قراءة النتائج، برزت محاولة لتفسير العزوف باعتباره نوعاً من «التصويت العقابي» ضد الحكومة. غير أن هذا التفسير يحتاج إلى قدر من التحفظ، فالعقاب الانتخابي، بالمعنى السياسي المباشر، يفترض عادة انتقال جزء معتبر من أصوات الغاضبين نحو بديل انتخابي واضح.

أما حين يتراجع الإقبال على التصويت مع استمرار التحالف الثلاثي في صدارة المشهد وتحسن موقع حزب العدالة والتنمية، فإن المعطى الأبرز يبدو أقرب إلى إعادة توزيع للكتلة المصوتة منه إلى عقاب انتخابي مباشر لطرف بعينه.

المشكلة، هنا، لا تخص الأغلبية وحدها ولا المعارضة وحدها. إنها أزمة عرض سياسي. فقد عجزت مختلف الأحزاب، كل من موقعه، عن تحويل الاستياء الاجتماعي إلى مشاركة سياسية واسعة، وعن تقديم خطاب قادر على إقناع المترددين بأن أصواتهم يمكن أن تحدث فرقاً حقيقياً.

والأكثر إثارة للقلق أن جزءاً من الحملة الانتخابية انزلق إلى معجم سياسي فقير، غلبت عليه الاتهامات والتجريح والتراشق اللفظي، بينما تراجعت البرامج والأفكار والحلول العملية إلى الصفوف الخلفية.

وحين تتحول المنافسة السياسية من صراع بين مشاريع إلى صراع بين الأشخاص، يصبح الناخب أمام مشهد لا يجد فيه بالضرورة ما يستحق أن يذهب من أجله إلى صندوق الاقتراع.

وإلى جانب ذلك، ساهم خطاب التبخيس والتيئيس في تعميق حالة النفور، خصوصاً عندما جرى الترويج لفكرة أن النتائج محسومة سلفاً وأن المشاركة ليست سوى عملية شكلية.

وقد غذت هذا الخطاب أطراف سياسية وإعلامية وجهات أخرى لكالما تاجرت في البؤس واستثمرت في الازمات، فيما أظهرت النتائج، في المقابل، أن صندوق الاقتراع ظل الآلية الحاسمة في تحديد مخرجات الاستحقاق، وأن ما سجل من اختلالات وحالات معزولة يخضع للمساطر القانونية والقضائية.

لكن الأخطر هو أن يستمر خطاب التشكيك بعد انتهاء الاقتراع، وأن تتحول النتائج إلى مناسبة جديدة للطعن والتشهير بدل أن تكون لحظة لمراجعة الأداء السياسي. فالديمقراطية لا تُحمى فقط بالقوانين وصناديق الاقتراع، وإنما أيضاً بخطاب سياسي مسؤول يحترم ذكاء المواطن ويمنحه سبباً حقيقياً للمشاركة.

إن نسبة 38 في المائة ليست رقماً عابراً؛ إنها رسالة سياسية ينبغي أن يقرأها الجميع. وإذا كانت الأحزاب تريد استعادة الناخب إلى المجال العام، فإن البداية لا تكون بتخوين الممتنعين أو التشكيك فيهم، بل بمراجعة الخطاب والممارسة، والعودة إلى السياسة باعتبارها تنافساً بين البرامج والأفكار، لا مسابقة في تبادل الاتهامات.

فالمواطن لا يحتاج إلى مزيد من الصخب السياسي، بقدر ما يحتاج إلى ما يقنعه بأن صوته يستحق أن يُسمع.

https://anbaaexpress.ma/ttdos

ياسين المصلوحي

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى