لم تعد العلاقة مع إيران تفصيلًا في السياسة اللبنانية أو العراقية. ما يجري في بيروت وبغداد يوحي بأن هذه العلاقة أصبحت واحدة من أهم ساحات الصراع على القرار السياسي في البلدين، وأن الولايات المتحدة لا تكتفي بممارسة النفوذ، بل تسعى إلى دفع الحكومتين نحو إعادة رسم علاقاتهما مع طهران، من الدبلوماسية والطيران إلى المقاومة والسلاح.
هنا تحديدًا تكمن أهمية المقارنة بين حكومة نواف سلام في بيروت وحكومة علي الزيدي في بغداد.
فالمشهد في البلدين لا يمكن قراءته بمعزل عن المواجهة الأميركية مع إيران. وإذا كانت واشنطن تخوض منذ سنوات سياسة تهدف إلى احتواء النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، فإن لبنان والعراق يحتلان موقعًا حساسًا في هذه السياسة.
كلاهما يضم قوى سياسية وعسكرية ترتبط بعلاقة وثيقة بطهران، وكلاهما يمثل بالنسبة إلى إيران ساحة نفوذ وتأثير لا يمكن تجاهلها.
في لبنان، جاءت ولادة حكومة نواف سلام في ظروف سياسية شديدة التعقيد. وبحسب المعطيات السياسية التي رافقت الاستشارات النيابية، كان اسم نجيب ميقاتي مطروحًا بقوة حتى الساعات الأخيرة، قبل أن يظهر اسم سلام ويصبح المكلف بتشكيل الحكومة.
لكن السؤال لا يتعلق فقط بمن أصبح رئيسًا للحكومة.
السؤال هو: ماذا طُلب من الحكومة الجديدة؟
فمنذ تشكيلها، دخلت قضية المقاومة وسلاح حزب الله إلى صلب النقاش السياسي. ولم يعد الخلاف يدور فقط حول وظيفة الحكومة أو أولوياتها الاقتصادية.
أصبح المطلوب إعادة تعريف موقع المقاومة داخل الدولة، في وقت تنظر فيه الولايات المتحدة وإسرائيل إلى حزب الله باعتباره أحد أبرز القوى المرتبطة بإيران في المنطقة.
وهنا تصبح إيران هي الحلقة التي تربط الملفات ببعضها.
فالمقاومة اللبنانية التي خاضت مواجهات طويلة مع إسرائيل وشاركت في تحرير الأراضي اللبنانية، تتلقى دعمًا كاملًا من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بما فيه الدعم المالي والعسكري. ولذلك فإن الضغط على المقاومة لا يمكن فصله عن الصراع الأوسع حول النفوذ الإيراني.
والأمر نفسه ينطبق، وإن بتركيبة مختلفة، على العراق.
الفصائل العراقية المتحالفة مع إيران ليست مجرد تشكيلات عسكرية ظهرت من فراغ. لقد شاركت في الحرب على تنظيم «داعش» عندما كان خطره يهدد الدولة العراقية ووحدة أراضيها، وكان لها دور أساسي في القتال إلى جانب القوات العراقية.
ثم تحولت هذه القوى إلى جزء من المشهد السياسي والأمني العراقي، وباتت علاقتها بإيران أحد الملفات الأكثر حساسية في العلاقة بين بغداد وواشنطن.
ومن هنا يمكن فهم أهمية ما يجري اليوم حول سلاحها.
إذا كانت الولايات المتحدة تريد تقليص نفوذ إيران في العراق، فإن إحدى أكثر الأدوات مباشرة هي الضغط على القوى العراقية المتحالفة مع طهران.
وإذا كان المطلوب أن يكون قرار السلاح محصورًا بالدولة، فإن تطبيق هذا المبدأ على هذه القوى يعني عمليًا إعادة ترتيب واحدة من أهم أوراق النفوذ الإيراني في العراق.
وفي لبنان، يجري النقاش نفسه تقريبًا حول المقاومة وسلاحها، وإن اختلفت الظروف والتوازنات.
وهكذا يلتقي البلدان عند نقطة واحدة: إيران.
لكن الملف لا يتوقف عند السلاح.
هناك الدبلوماسية، وهناك الطيران، وهناك حركة الناس بين البلدان الثلاثة.
لبنان أوقف منذ مدة طويلة خطوط الطيران مع إيران، في وقت تشكل فيه الرحلات الجوية بين بيروت وطهران وسيلة مهمة لحركة اللبنانيين والإيرانيين، وللتواصل التجاري والاجتماعي، وللزوار أيضًا.
وهنا تظهر مسألة لا تحظى عادة بالاهتمام الكافي في النقاش السياسي: الزيارات الدينية.
فآلاف الشيعة من لبنان والعراق وسواهما يسافرون إلى إيران لزيارة المزارات والمقامات الدينية، كما يتوجه عدد كبير من الإيرانيين إلى العراق لزيارة العتبات المقدسة في النجف وكربلاء وسامراء والكاظمية.
وهذه الحركة ليست مجرد سياحة دينية. إنها جزء من حركة اجتماعية ودينية واقتصادية واسعة تمتد عبر الحدود.
عندما يتوقف الخط الجوي بين بيروت وطهران، فإن التأثير لا يقع على الحكومات فقط.
المواطن هو الذي يدفع الثمن أيضًا.
والأمر نفسه ينطبق على العراق.
فإذا أدى القرار الأخير المتعلق بحظر الرحلات من إيران وإليها إلى وقف الخط الجوي بين طهران والعراق، فإن تأثيره لا يقتصر على الطيران المدني. إنه يمس حركة الزوار، والعائلات، والتجار، والطلاب، وكل من اعتاد الانتقال بين البلدين.
وهنا تصبح السياسة الأميركية، إذا ثبت أن القرار جاء نتيجة ضغط أو توجيه أميركي مباشر، أكثر من مجرد سياسة خارجية بعيدة عن حياة الناس.
تصبح موجودة في المطار، وفي حركة الطائرات، وفي الزيارات الدينية، وفي تفاصيل حياة المواطنين.
وهذا تحديدًا ما يجعل مسألة التدخل الأميركي في بيروت وبغداد أكثر أهمية من مجرد تصريحات سياسية.
إذا كانت واشنطن تضغط على لبنان لتقليص قنوات علاقته بإيران، وتضغط في العراق للحد من علاقات القوى المتحالفة مع طهران، ثم تتزامن هذه الضغوط مع إجراءات تمس حركة الطيران، فإن السؤال يصبح واضحًا: هل نحن أمام ملفات منفصلة، أم أمام سياسة واحدة هدفها تضييق المجال أمام إيران في المنطقة؟
الجواب لا يمكن أن يستند إلى التشابه وحده.
لكن التزامن بين الملفات يستحق القراءة.
في لبنان، علاقة الدولة بالمقاومة.
وفي العراق، علاقة الدولة بالفصائل المتحالفة مع إيران.
في البلدين، الضغط على السلاح.
وفي البلدين، علاقة مباشرة أو غير مباشرة مع طهران.
ثم يأتي الطيران ليضيف طبقة جديدة إلى المشهد.
وهنا يصبح الحديث عن «التدخل الأميركي» أكبر من القول إن واشنطن تملك نفوذًا في البلدين. النفوذ شيء، وتحويل النفوذ إلى شروط سياسية شيء آخر، أما إصدار أوامر مباشرة للحكومات فمسألة تحتاج إلى توثيق واضح في كل ملف.
لكن إذا صحت المعلومات التي تتحدث عن أوامر أو ضغوط أميركية مباشرة، فإن المسألة تصبح أخطر بكثير.
لأنها تعني أن واشنطن لا تحاول فقط التأثير في السياسة الخارجية اللبنانية والعراقية، بل التدخل في تحديد شكل العلاقة التي يجب أن تكون بين بيروت وبغداد وطهران.
وهنا لا يعود السؤال: لماذا تتدخل الولايات المتحدة؟
الإجابة معروفة في سياستها المعلنة تجاه إيران وحلفائها.
السؤال يصبح: إلى أين يمكن أن يصل هذا التدخل؟
وهل المطلوب بالفعل أن تتحول بيروت وبغداد إلى ساحتين لتقليص النفوذ الإيراني؟
في لبنان، المسألة تمس المقاومة التي تقول إن وظيفتها الأساسية كانت ولا تزال مواجهة إسرائيل والدفاع عن لبنان، والتي تحظى بدعم إيراني سياسي وعسكري ومالي.
وفي العراق، تمس قوى شاركت في مواجهة «داعش» ثم أصبحت جزءًا من المعادلة السياسية والأمنية، وترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران.
وبالتالي فإن الضغط على هذه القوى لا يمكن أن يكون مجرد إجراء إداري.
إنه يعيد رسم توازنات داخلية تشكلت خلال سنوات من الحروب والمواجهات.
وهنا تبرز مفارقة أساسية.
الولايات المتحدة تتحدث عن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة. وهذا مبدأ يمكن مناقشته داخل أي دولة. لكن السؤال السياسي هو: لماذا يصبح هذا المبدأ أكثر إلحاحًا عندما يتعلق الأمر بقوى تربطها علاقات بإيران، بينما تتداخل في الوقت نفسه معادلات الأمن الإقليمي والصراع مع إسرائيل؟
هذا هو جوهر المسألة.
فالمواجهة ليست فقط على السلاح.
إنها على النفوذ.
وليست فقط على النفوذ.
إنها على موقع إيران في المنطقة.
ومن بيروت إلى بغداد، يبدو أن إعادة ترتيب هذا الموقع تمر عبر الحلفاء المحليين أولًا.
تضييق على العلاقة مع طهران، وضغط على القوى المتحالفة معها، وإعادة فتح ملف السلاح، وتقييد بعض قنوات الاتصال والحركة. وفي النهاية، محاولة إعادة رسم الحدود التي يمكن أن تتحرك ضمنها هذه الدول في علاقتها بإيران.
لكن لبنان ليس العراق، والعراق ليس لبنان.
لكل منهما تركيبته السياسية والاجتماعية، ولكل منهما حساباته الداخلية، ولا يجوز اختزال كل قرارات حكومتيهما في عامل خارجي واحد.
مع ذلك، يصعب تجاهل الصورة عندما تتجمع الملفات كلها حول عنوان واحد.
إيران.
وهنا تصبح حكومتا نواف سلام وعلي الزيدي جزءًا من سؤال أكبر من تشكيل الحكومات.
من يقرر شكل العلاقة مع طهران؟
من يقرر مستقبل المقاومة في لبنان؟
من يقرر مستقبل الفصائل المتحالفة مع إيران في العراق؟
ومن يقرر ما إذا كانت الطائرات ستقلع من بيروت إلى طهران، أو من بغداد إلى طهران؟
قد تبدو هذه الأسئلة منفصلة للوهلة الأولى.
لكنها في الواقع تصب في مكان واحد: حدود القرار الوطني عندما تدخل الولايات المتحدة بثقلها في رسم خيارات بلدين عربيين يرتبطان بإيران بعلاقات سياسية وأمنية واجتماعية ودينية عميقة.
وهنا فقط نفهم لماذا لا تكفي قراءة ما يجري في بيروت وحدها، ولا في بغداد وحدها.
المشهد واحد، وإن اختلفت التفاصيل.
وإيران ليست تفصيلًا فيه.
إنها أحد مفاتيحه الأساسية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي سيبقى مفتوحًا ليس فقط: من يحكم بيروت وبغداد؟
بل: من يقرر شكل علاقتهما بإيران؟
وهل يبقى القرار لبيروت وبغداد، أم يصبح القرار في ملفات أساسية امتدادًا لما تريده واشنطن في الشرق الأوسط؟




