آراءسياسة
أخر الأخبار

السياسة بين المبدئية والإنجاز: قراءة في أسئلة المرحلة والموقع الموضوعي للعدالة والتنمية بعد الاستحقاقات الانتخابية

أنس الدحموني

تعيش الساحة الوطنية، غداة إفراز نتائج استحقاقات 23 شتنبر، نقاشا فكريا وسياسيا يروم مقاربة الموقع المبدئي والعملي لحزب العدالة والتنمية، بين منطق المشاركة الحكومية ومنطق المعارضة المسؤولة الفاعلة.

وإذا كانت بعض المقاربات التي تدعو إلى إعلاء المصلحة الوطنية وتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة تحمل في طياتها أفكارا تشخيصية جديرة بالتثمين، فإن العمق السياسي والمعرفي يستوجب وضع هذه الأفكار في نصابها الصحيح، درءا لأي قراءة تبسيطية أو مجتزأة لتاريخ الحزب ولأدواره التأسيسية في المشهد الوطني.

وفي هذا السياق، لا يسع أي مراقب يتوخى الموضوعية والإنصاف إلا أن يثمن الطرح الذي يضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل حساب حزبي ضيق.

فالتأكيد على أن المدرسة والمستشفى وفرص الشغل ومواجهة الهشاشة هي الرهانات الحقيقية للدولة والمجتمع هو جوهر الفلسفة السياسية التي ناضل من أجلها حزب العدالة والتنمية منذ نشأته، وضحى في سبيلها أعضاءه ومنتسبيه بالغالي والنفيس.

ولقد أثبتت تجربة الحزب في التدبير الحكومي والجماعي، خلال العشرية الممتدة من 2012 إلى 2021، أن السياسة في عرفها ليست معركة إقصاء أو إلغاء للخصوم، ولا مباراة في المزايدات، بل هي خدمة عمومية ومسؤولية أخلاقية ونضالية تقاس بأثرها الملموس على أرض الواقع، لا بضجيج الخطاب أو بريق الشعارات.

ومن هنا، فإن استحضار قيمة التجرد من الذات والبحث عن المشترك الوطني في الممارسة السياسية، يتناغم كليا مع المبادئ التي أطرت مسار الحزب وثوابته الدائمة، تحت سقف المؤسسات والثوابت الجامعة للأمة.

غير أن القراءة المتأنية لبعض التحليلات المتداولة تستدعي التوقف عند مغالطات مفاهيمية وسياسية تمسّ في العمق أسس الممارسة الديمقراطية ومفهوم العمل المؤسساتي السليم:

أولا، من الإجحاف السياسي والمنهجي تصوير موقف العدالة والتنمية من بعض المشاريع والمآلات السياسية وكأنه مجرد ثأر شخصي أو خصومة عابثة بين الأحزاب.

فالخلاف السياسي الحقيقي في التجربة المغربية لم يكن يوما، ولن يكون، خلافا حول الأشخاص، بل هو خلاف حول خيارات ديمقراطية ومشاريع مجتمعية كبرى.

ومن هذا المنطلق، يُقرأ موقف الحزب النقدي من الظواهر السياسية التي تشوه الإرادة الشعبية أو تعتمد منطق الهندسة القسرية للمشهد، لا بوصفه موقفا فئويا، بل بوصفه واجبا وطنيا لحماية التعددية وصون نزاهة التنافس الشريف، التي هي شرط وجود لأي ديمقراطية حقة.

ثانيا، إن الإيحاء بأن قرارات الحزب الكبرى قد تخضع لحسابات شخصية أو مزاجية فردية مهما بلغت درجة مسؤولياتها القيادية، يجانب واقع مؤسسات العدالة والتنمية كما يعرفها جميع أعضائه وأطره -وأنا واحد منهم-.

فالمسار التاريخي للحزب يشهد بأنه من أكثر الهيئات السياسية الوطنية التزاما بآليات الديمقراطية الداخلية، حيث تتخذ القرارات المصيرية، سواء تعلق الأمر بالدخول إلى الحكومة أو بالاصطفاف في صفوف المعارضة، عبر مؤسسات تقريرية يشكل فيها التداول والتشاور الجماعيان الأصل لا الاستثناء، ووفق تقدير جماعي يستحضر المصلحة العليا للبلاد قبل أي اعتبار آخر، ويستحضر كذلك رصيد الحزب النضالي وثقة قواعده.

ثالثا، لا بد من التأكيد، وبكل وضوح، أن المعارضة الوطنية المسؤولة ليست خيارا ثانويا أو درجة تالية في سلم الممارسة السياسية، بل هي ركن ركين في صرح البناء الديمقراطي، لا يقل شأنا عن التدبير الحكومي ذاته.

فالاضطلاع بأدوار الرقابة والتشريع وتقويم الاختلالات ومساءلة السلطة التنفيذية، وظيفة دستورية ووطنية رفيعة، ولا تشكل بأي حال من الأحوال انتقاصا من المكانة السياسية.

وعليه، فإن تموقع الحزب في صفوف المعارضة ليس تخليا عن المسؤولية، بل هو ممارسة لها من موقع آخر، للتصدى مؤسساتيا للتراجعات المحتملة ويحمي التوازنات السياسية والمجتمعية الدقيقة التي يقوم عليها العقد الوطني.

رابعا، إن القول بأن المشاركة الحكومية رهينة بالبرامج والصلاحيات الفعلية ومدى توفر أرضية إصلاحية حقيقية وملموسة، طرح صحيح ومبدئي بامتياز، غير أنه يستوجب التذكير بأن العدالة والتنمية لم يقدم يوما، طيلة مسيرته ورصيده التاريخي، منطق المقاعد والحقائب على منطق الإصلاح والسيادة الوطنية الكاملة للقرار السياسي.

فالمشاركة التي تفتقد للطعم الإصلاحي وللاستقلالية في القرار، تتحول لا محالة إلى مجرد أداة لتأثيث المشهد وإضفاء الشرعية الشكلية عليه، وهو ما يأباه منطق النضال الديمقراطي ويرفضه ضمير الحزب ومناضليه.

وختاما، لا بد من التأكيد على أن التنافس السياسي، في مفهومه الكوني، لا يتناقض إطلاقا مع الاستقرار المؤسساتي والتدبير العقلاني لملفات الدولة الكبرى، بل إن أحدهما شرط للآخر ومكمل له.

والمغرب اليوم، بحكم تحدياته التنموية والاجتماعية الكبرى، بحاجة ماسة إلى بيئة سياسية تتسع للجميع، تحترم الإرادة الشعبية بكل تجلياتها، وتعلي من شأن الفاعل الحزبي القوي والمستقل، بعيدا عن منطق الإلحاق أو التدجين.

إن حزب العدالة والتنمية، كما أعرفه بحكم انتمائي إليه ومعايشتي لمساره، برصيده وتجربته ومكابداته، سيبقى حريصا على أن يكون جزءا من الحل لا جزءا من المشكلة، خادما للمصالح العليا للوطن والمواطنين من أي موقع كان، سواء في المعارضة، كما اختارت هيئاته التقريرية في المجلس الوطني المنعقد بالأمس، أو في تدبير الشأن العام خلال محطات مقبلة يحددها الاستحقاق الديمقراطي وحده.

ذلك أن بناء الدولة الديمقراطية الحديثة لا يكتمل صرحه إلا بتلازم نخبة حاكمة حكيمة رشيدة، ونخبة معارضة تقدم النقد البناء وتقوم الاختلالات الناجمة عن اجتهادات التدبير، مع ضرورة أن يتلازم دوما الإنجاز التنموي مع الاستقامة السياسية، والاحترام التام غير المنقوص لقواعد العملية الديمقراطية.

* عضو حزب العدالة والتنمية

https://anbaaexpress.ma/4tosi

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى