زارني أخ فاضل برفقه ابنه بسبب أزمة فكرية مضاعفة؛ فهو من جهة بدأ الشك يراوده عن صحة الإسلام وصدق النبوة، أو أن القرآن من لدن حكيم عليم.
بل تسلل الشك إلى مستوى لم يبلغه حتى كفار قريش بإنكار الخالق؛ فالقرآن كرر في صور مختلفة أنه لو سئلوا عن الكون والشمس والقمر، بل أنفسهم، من أين جاؤوا، لقالوا الرحمن.
فلم تكن مشكلة عقلية عند هذه النقطة، والشاب اليافع كان قد تسرب الشك إلى وجدانه لأبعد ماكان لكفار قريش؟ ومثل هذه الأزمة متوقعة اليوم، لوجود وسائل التواصل الاجتماع مع طوفانات من اليوتيوب واضرابه، والشباب من الجيل الجديد عموما لم يعودوا يقرأون، بل ينقرون على التلفون الذكي، فيقفز لهم من كل فاكهة أو سم أكثر من زوجين؟ ولما عممت هذه المسالة على أخوة المجموعة عندي في أكاديمية العلم والسلم، جاءتني أجوبة مختلفة، انتخب واحدة منها جاءت من الأخ ندى من الدنمارك، مع جوابي له.
قال الأخ من الدنمارك: الحالة التي تربى فيها، وكونه طالب طب، فأعتقد أنه كان منهمكا في القراءة بين المدرسة والبيت، ومعزول عن أقرانه، عاش فترة المراهق مكبوتا فيما فرض عليه من عائلته، فكل تلك الفترة تحمل العديد من الأسئلة التي لا نجرؤ على طرحها بسبب مفهوم العيب، مما يقود الى خلل أو نقص، مع اضطراب في التفكير، وخلل في النفس غير مفهوم، ما يقود إلى التخبط..
ثم تاتي مرحلة الثانوية و الجامعة، و خروجه إلى البحر الذي يعيش فيه في كل مافيه من حب وخبث وكذب و انتهاز ودراسة وفتاة جميلة يميل القلب لها، ومشوار يبدا بخطوة لا نعرف بدايتها ولا النهاية، كما سبق وقلت دكتور خالص، جئنا إلى هذه الدنيا رغمآ عنا، و نسير إلى نهاية محتومة حكمت على كل منا وهي الموت، ولكن قبل كل ذلك، هل يعرف ذلك الطالب من أين جاء ومما تتكون ذاته، وانها من نفس الوعي الذي قدح في ذات الانسان و الشيطان ووساوسه و القرين الذي يرتبط بالأنسان، و شياطين الإنس قبل شياطين الجن، و الصراع الذي يستمر كل يوم في نفس الانسان، وأن كل يوم هو امتحان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وهل نعرف أو يعرف كيف يزيد الإيمان وينقص، و أن هناك قوانين ثابتة في الكون من تكليف الانسان إلى قيام الساعة..
قد تكون أفكاري مبعثرة وغير منتظمة، ولكن أتمنى منك دكتور خالص لو تخصص وقت لهذا الموضوع، لأنه يستحق ومهم للكثير من الآباء والأمهات، فالأنسان وعاء عملاق، أذا زودته بالأدوات و المعرفة الأزمة منذ الصغر، قد يستطيع أن يبحر في هذة الحياة، وقد يصل إلى شاطئ المعرفة، وشكرآ.
أما جوابي فكان: أنت فيلسوف عظيم، انبهرت من كلماتك، ووقفت أمام بعض الجمل اتذوقها على مهل، مثل البلح الذي اكله اليوم في كندا. انت عظيم هائل براق مضيء، ريشتك فن، وكلماتك نور، وافكارك نور على نور، يهتدي بها المشاؤون في الظلمات، ربما يجب أن اطبع كلماتك واوزعها على الخلائق، واضعها مثل قصيدة في دفتري اليومي. احمد ربي ان كسبناك في المجموعة، يالهي كم كلماتك عذبة، انها قصيدة غزل ونشيد عرفان وقطعة موسيقية.
يبدو أن الدنمارك منحتك حسا حضاريا وذوقا في تفهم المعضلات، هي عموما أرض فلاسفة عظام. انعشنا بين الحين والآخر بهذا الرحيق ارجوك؟ يالهي كيف حللت وذهبت إلى مسارب النفس فاكتشفت.
الشاب كما ذكرت هو في زهو وانفعال، والوالدين حيارى كما جاء في سورة الاحقاف عن نموذجين من الأولاد، من بلغ أربعين سنة فدعا، ومن قال لوالديه اف لكم. مقابل النصيحة لمعاملة الوالدين أن لايقول لهما هذه اللفظة القبيحة، بل يخفض لهما جناح الذل من الرحمة.
يجب علينا استيعاب فجوة الاجيال، فإذا بلغ الطفل الرشد اقول له كما قلت يوما لصديقي عبد المعطي وهو متعجب من تصرف ابنه معه الذي تبدل، قلت له هو الآن ليس ابنك بل صديقك.
عبقري الدنمارك، هذه هي ضريبة الحداثة نبلعها بغصة، أن لم نختنق فقد يختنق ابناؤنا الذين لم يهيئوا للصدمة، كما صدمك الثور المذبوح، طمني عنك. نحن كسبنا اليوم منك بركات عظيمات ونفحات من لدن وحي بدون وحي، فما أعظم الكلمات، انا عاجز عن التعبير.




