طراسة – إسبانيا
نجح مختبر النوارس للفنون، التابع لجمعية النوارس للفنون البصرية بمدينة طراسة الإسبانية، في إطلاق تجربة تربوية مبتكرة جمعت بين التعليم والفن، من خلال اعتماد المسرح وسيلة لتعليم اللغة الكتالانية، وتنمية المهارات الشخصية والاجتماعية لدى الأطفال والشباب، في مبادرة شكلت نموذجًا جديدًا للتعلم القائم على الإبداع والتفاعل.
وجرى تنفيذ المشروع بشراكة مع مؤسسة Pla Educatiu d’Entorn التابعة لبلدية طراسة، تحت شعار “المسرح يعلّم اللغة.. ويبني الإنسان”، انطلاقًا من رؤية تعتبر المسرح فضاءً تربويًا يسهم في تنمية الثقة بالنفس، وتعزيز مهارات التواصل والعمل الجماعي، إلى جانب ترسيخ قيم الاحترام والتسامح والاندماج.
ورغم أن البرنامج امتد لعشرة أيام فقط، فقد نجح فريق التأطير في إعداد مسار تربوي متكامل مزج بين تعلم اللغة الكتالانية والأنشطة المسرحية التطبيقية، واختُتم بتقديم عرضين مسرحيين من أداء المشاركين أمام أسرهم وممثلي المؤسسات الشريكة، في تجربة أبرزت قدرة الفن على تحويل التعلم إلى ممارسة حية.
واعتمد المشروع على أساليب تفاعلية شملت دروسًا مبسطة باللغة الكتالانية، إلى جانب الألعاب والورشات المسرحية والنقاشات الجماعية، حيث خُصص لكل يوم محور تربوي يترجم عبر تمارين عملية تساعد المشاركين على استيعاب المفاهيم وتجسيدها فوق خشبة المسرح.
وركز برنامج تلاميذ المرحلة الإعدادية على موضوع “الغضب” بإشراف المؤطرتين سارة وزينب، من خلال أنشطة هدفت إلى فهم هذا الشعور الإنساني وطرق التعبير عنه وإدارته بصورة إيجابية، عبر تمارين مسرحية متنوعة ساعدت المشاركين على إدراك أن التحكم في الانفعالات يمثل مهارة حياتية أساسية.
أما برنامج المرحلة الابتدائية، الذي أشرفت عليه رضوة وNoemi، فقد تناول موضوع “الحب والتسامح”، عبر ورشات وألعاب مسرحية عززت قيم التعاون والاحترام وقبول الآخر والثقة بالنفس، قبل أن يجسد الأطفال هذه المبادئ في عرض مسرحي حمل رسائل إنسانية موجهة للمجتمع.
وأشرف السينوغراف نور الدين الرهوني على إعداد عرض “القلب الصغير الكبير”، الذي دعا إلى نشر ثقافة المحبة والتسامح والكلمة الطيبة، فيما قاد الفنان المسرحي عبد المطلب النحيلي تدريبات العرض الثاني “البركان الداخلي”، الذي عالج بأسلوب تربوي كيفية تحويل الغضب من طاقة سلبية إلى وسيلة للحوار والتفاهم.

واحتضن Centro Cívic Alcalde Morera – Can Palet يوم 20 يونيو 2026 الحفل الختامي للمشروع، بحضور ممثلين عن المؤسسات الشريكة وأولياء الأمور، حيث حظي العرضان المسرحيان بإشادة واسعة لما أظهراه من تطور في مستوى المشاركين، سواء من حيث استخدام اللغة الكتالانية أو الأداء المسرحي والثقة بالنفس.
وأكد رئيس الجمعية والفنان المسرحي عبد المطلب النحيلي، في كلمته الافتتاحية، أن المبادرة تمثل أول تجربة للمختبر في توظيف المسرح لتعليم اللغة الكتالانية، كما تشكل أول تجربة له في كتابة نصوص مسرحية تربوية قصيرة، مشددًا على أن الفن يسهم في بناء الإنسان قبل تكوين الفنان.
من جانبه، أوضح الكاتب العام للجمعية والمشرف العام على المشروع ياسر الكرجي أن الهدف لم يكن تقديم عروض مسرحية فحسب، بل توفير فضاء يساعد الأطفال على فهم مشاعرهم، واكتساب مهارات الحوار والعمل الجماعي، وتعزيز اندماجهم داخل المجتمع.
بدوره، أعرب مدير المختبر نور الدين الرهوني عن اعتزازه بالنتائج المحققة، معتبرًا أن النجاح كان ثمرة تعاون جميع المؤطرين والمشاركين، فيما أشادت المنسقة العامة للجمعية رفيقة الموساوي بروح الالتزام التي أظهرها الأطفال، موجهة الشكر إلى الأسر والشركاء على مساهمتهم في إنجاح المبادرة.
كما نوهت الممثلة التربوية للشركاء خديجة الساهلي بالمستوى الذي بلغه المشروع، مؤكدة أن نتائجه تجاوزت التوقعات، سواء في تحسين مهارات التواصل باللغة الكتالانية أو في تنمية الثقة بالنفس لدى الأطفال والشباب، معربة عن دعمها لاستمرار هذه التجربة وتطويرها.
وأجمع أولياء الأمور على الأثر الإيجابي الذي تركه المشروع في شخصية أبنائهم، سواء من حيث الجرأة في التعبير أو تنمية روح التعاون أو اكتساب اللغة، داعين إلى تحويل هذه المبادرة إلى برنامج تربوي سنوي داخل المؤسسات التعليمية.
وبهذه التجربة، يرسخ مختبر النوارس للفنون قناعته بأن المسرح ليس مجرد وسيلة للتعبير الفني، بل أداة تربوية قادرة على تعليم اللغات، وبناء الشخصية، وترسيخ قيم التعايش والانفتاح، ليؤكد أن الفن يظل أحد أهم الجسور التي تجمع الناس وتصنع مستقبلًا أكثر إنسانية.





