ليست أزمة العالم العربي أنه يفتقر إلى العقول، بل إنه يعيش داخل ثقافة تخاف من العقل كلما بدأ يؤدي وظيفته الحقيقية.
العقل مرحب به ما دام يبتكر آلة جديدة، أو يعالج مرضًا، أو يبني جسرًا، لكنه يصبح خطرًا بمجرد أن يسأل: لماذا نفكر بهذه الطريقة؟ لماذا نقدس هذا الرأي؟ ولماذا نعتبر تفسيرًا بشريًا حقيقة أبدية؟
عند هذه اللحظة بالذات، يتحول العقل من نعمة إلى تهمة.
ولعل هذه هي المفارقة الأكثر قسوة في تاريخنا: نحن الأمة التي افتتحت رسالتها بكلمة “اقرأ”، ثم انتهت إلى حضارة تخشى القراءة الحرة، وتحتفي بالحفظ أكثر مما تحتفي بالفهم، وتكافئ المقلد أكثر مما تكافئ المجتهد.
لقد أصبحنا نعيش وضعًا غريبًا؛ فكل شيء عندنا قابل للتطور، إلا طرق التفكير. التكنولوجيا تتغير، والعلوم تتقدم، والاقتصاد يعيد تشكيل نفسه، وحتى الخرائط السياسية تتبدل، بينما يظل العقل مطالبًا بأن يفكر بالأدوات نفسها التي صيغت قبل مئات السنين، وكأن الزمن توقف، أو كأن الله خلق الكون ليتغير، وخلق العقل ليبقى جامدًا.
هذه ليست أزمة دين، كما يحاول البعض تصويرها، بل أزمة علاقة بالدين. فالدين شيء، والطريقة التي فهم بها البشر الدين شيء آخر.
النص الإلهي ثابت، أما الفهم البشري فهو ابن زمانه، محدود بمعارف عصره، وخاضع لأخطائه كما يخضع لأي إنتاج إنساني آخر. غير أن ثقافتنا ارتكبت خطأً تاريخيًا بالغ الخطورة حين رفعت كثيرًا من الاجتهادات البشرية إلى مرتبة المقدس، حتى أصبح الاقتراب منها أخطر من الاقتراب من النص نفسه.
ومن هنا تبدأ مأساة العقل.
عندما ظهر ابن رشد، لم يكن يريد أن يهدم الدين، بل كان يريد أن ينقذه من القراءة التي تحاصره داخل ظاهر الألفاظ. قال ببساطة إن العقل والوحي لا يمكن أن يتصارعا لأن مصدرهما واحد.
كانت فكرة في غاية البداهة، لكنها بدت في عصره ثورة لا تُغتفر. ولم يكن الرد عليه إقامة برهان أقوى، بل حرق كتبه ونفيه. كأن المجتمع لم يكن يملك الشجاعة لمناقشة أفكاره، فاختار التخلص من صاحبها.
ومرت القرون، لكن العقل العربي لم يتعلم كثيرًا من تلك المأساة.
جاء محمد عابد الجابري ليقول إن الأزمة لم تعد في النصوص، بل في الطريقة التي نصنع بها وعينا. لقد كشف أن المشكلة ليست في نقص التراث، بل في طريقة استهلاكه.
فالتراث الذي يفترض أن يكون نقطة انطلاق تحول إلى خط نهاية، وأصبح السؤال الوحيد الذي يتقنه كثيرون هو: ماذا قال السابقون؟ بينما السؤال الذي تصنع به الأمم مستقبلها هو: ماذا يمكن أن نضيف نحن؟
أما محمد شحرور، فقد تجرأ على السؤال الذي يخشاه الجميع: هل القرآن هو ما قاله الله، أم ما قاله المفسرون عن كلام الله؟ كان يدرك أن مجرد طرح هذا السؤال سيُعتبر عند كثيرين جريمة، لأن ثقافتنا لم تعد تميز بين النص المقدس، وبين القراءة البشرية للنص.
وهنا تكمن إحدى أخطر أزمات الفكر الإسلامي المعاصر؛ لقد اختلط الوحي بالتفسير، حتى أصبح نقد الثاني يُفهم باعتباره اعتداءً على الأول.
إن أخطر ما أصاب العقل العربي ليس الرقابة السياسية، على قسوتها، بل الرقابة الثقافية التي أقنعته بأن الطاعة فضيلة في كل الأحوال، وأن الشك رذيلة، وأن السؤال قد يكون أخطر من الجواب الخاطئ.
وهكذا تحولت مجتمعات كاملة إلى مصانع لإعادة إنتاج الأفكار نفسها، جيلاً بعد جيل، حتى أصبح الماضي أكبر من المستقبل، وأصبح الموتى أكثر حضورًا في صناعة وعينا من الأحياء.
ولهذا لا ينبغي أن نسأل: هل كان ابن رشد محقًا؟ وهل أصاب الجابري؟ وهل أخطأ شحرور؟ فهذه أسئلة مشروعة، لكنها تأتي في المرتبة الثانية. السؤال الأول والأكثر إزعاجًا هو: لماذا لا نزال، بعد كل هذا التاريخ، نخاف من العقل كلما تجاوز وظيفة التبرير إلى وظيفة النقد؟
الحضارات لا تنهار عندما تختلف مع مفكريها، بل عندما تمنعهم من التفكير. أوروبا لم تتقدم لأنها امتلكت عباقرة أكثر منا، بل لأنها قبلت أن تُراجع نفسها، وأن تهدم يقينًا لتبني معرفة، وأن تسمح لكل جيل بأن يختلف مع الجيل الذي سبقه.
أما نحن فما زلنا، في كثير من الأحيان، نعامل التاريخ وكأنه انتهى، ونعتبر أن دورنا الوحيد هو حراسة ما قاله السابقون، لا إنتاج ما سيقوله اللاحقون.
إن الأمة التي تخاف من السؤال لن تنتج جوابًا جديدًا. والأمة التي تخلط بين احترام التراث وتأليهه، وبين توقير العلماء واعتبارهم معصومين، تحكم على نفسها بالبقاء في دائرة التكرار.
فالحقيقة لا تحتاج إلى حراس يمنعون الناس من الاقتراب منها، بل تحتاج إلى عقول حرة تقترب منها بثقة، لأن الحقيقة التي يخيفها السؤال ليست حقيقة، بل سلطة.
وربما آن الأوان لأن نعترف بحقيقة موجعة: لم يُهزم العقل في تاريخنا لأن خصومه كانوا أكثر علمًا، بل لأنه وُضع في قفص المقدس كلما حاول أن يفتح نافذة على المستقبل. وما لم نحرر العقل من هذا القفص، سنظل نستهلك أمجادًا قديمة، بينما يصنع الآخرون تاريخًا جديدًا، ثم نكتفي نحن، بعد قرون، بشرحه وتفسيره.




