بينما لا تزال فرق الإنقاذ تبحث عن ناجين تحت أنقاض المباني التي دمّرها الزلزال المزدوج الذي ضرب فنزويلا، مخلفًا مئات الضحايا وآلاف الجرحى والمفقودين، يعود إلى الواجهة سؤال قديم قِدم الحضارة الإنسانية، لماذا تقع الكوارث الطبيعية؟ وهل تحمل معنى أخلاقيًا أو دينيًا، أم أنها مجرد أحداث تحكمها قوانين الطبيعة؟ وقد أعلنت السلطات حالة الطوارئ فيما تواصل فرق الإنقاذ عمليات البحث وسط توقعات بارتفاع حصيلة الضحايا.
هذا السؤال ليس جديدًا، لكنه انفجر بقوة قبل أكثر من قرنين ونصف، عندما ضرب زلزال لشبونة في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1755 العاصمة البرتغالية، فقتل عشرات الآلاف، ودمّر معظم المدينة. ولم يكن توقيت الكارثة عاديًا، فقد وقع الزلزال صباح “عيد جميع القديسين”، وكانت الكنائس مكتظة بالمصلّين، ثم أعقبته موجات تسونامي وحرائق هائلة، فتحولت المدينة إلى ركام خلال ساعات.
كانت أوروبا آنذاك تعيش عصر التنوير، حيث ساد الاعتقاد بأن العقل قادر على تفسير العالم، وأن الكون محكوم بنظام إلهي كامل. لكن زلزال لشبونة هزّ هذه القناعة بقدر ما هزّ المباني، وفتح بابًا واسعًا أمام أحد أهم السجالات الفلسفية في التاريخ الحديث.
كان الكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير أول من عبّر عن هذه الصدمة الفكرية. ففي عام 1756 كتب قصيدته الشهيرة عن كارثة لشبونة، ثم عاد إلى الفكرة في روايته “كانديد”.
لم يكن سؤاله جيولوجيًا، بل وجوديًا: كيف يمكن التوفيق بين الإيمان بإله كلّي القدرة وكلّي الخير وبين موت آلاف الأبرياء، بينهم أطفال ورضّع، تحت الأنقاض؟ وهل يمكن حقًا القول إن كل ما يحدث هو خير، وإننا نعيش في” أفضل العوالم الممكنة”، كما كانت تقول فلسفة الفيلسوف الألماني غوتفريد فيلهلم لايبنتس؟
كتب فولتير معترضًا “هل ستقولون، وأنتم ترون هذه الأكوام من الضحايا، إن هذا جزاء خطاياهم؟ وما الذنب الذي اقترفه الأطفال الذين سُحقوا على صدور أمهاتهم؟”. بالنسبة إليه، لم تكن هذه الأسئلة مجرد اعتراض على تفسير ديني، بل رفضًا لفكرة أن المعاناة يمكن تبريرها بسهولة باسم التفاؤل الفلسفي.
لكن جان جاك روسو رأى الأمر من زاوية مختلفة. ففي رسالة مطولة بعثها إلى فولتير عام 1756، وافق على أن المأساة مفجعة، لكنه رفض تحميل الله مسؤوليتها. فالزلزال، في نظره، ظاهرة طبيعية، أما حجم الكارثة الإنسانية، فقد ساهم الإنسان نفسه في صنعه. ولو لم يبنِ الناس مدنًا مزدحمة بمبانٍ شاهقة ومتلاصقة، لما بلغت الخسائر هذا الحد. وبعبارة أخرى، الطبيعة أحدثت الزلزال، أما الحضارة فقد ضاعفت نتائجه.
لم يكن روسو ينكر الألم، لكنه كان يعتقد أن الإنسان أصبح أكثر هشاشة بسبب نمط حياته، وأن جزءًا كبيرًا مما نسميه “شرًا” هو من صنع المجتمع، لا من صنع الطبيعة.
غير أن فولتير لم يقتنع بهذا الرد. فاعتراضه لم يكن يتعلق بعدد الضحايا فحسب، بل بالسؤال الأعمق: لماذا يوجد أصلًا عالم يسمح بوقوع مثل هذه الكوارث؟ ولهذا استمر في السخرية من التفاؤل الفلسفي، وصوّر في رواية “كانديد” سلسلة من الحروب والأوبئة والزلازل، بينما يكرر أحد أبطالها أن “كل شيء يجري على أفضل وجه في أفضل العوالم الممكنة”، في سخرية لاذعة من محاولة تبرير الشر.
وبعد مرور أكثر من 270 عامًا على زلزال لشبونة، لا يزال الجدل نفسه حاضرًا مع كل كارثة كبرى، سواء في تركيا أو المغرب أو سوريا أو اليوم في فنزويلا. فالعلم يفسر كيف تتحرك الصفائح التكتونية وتتشكل الزلازل، لكنه لا يجيب عن السؤال الذي يطرحه الإنسان كلما وقف أمام الأنقاض: لماذا نحن؟ ولماذا الآن؟
ربما لهذا السبب بقي السجال بين فولتير وروسو حيًا حتى اليوم. فالكوارث الطبيعية لا تغيّر خرائط المدن فقط، بل تعيد أيضًا طرح الأسئلة الكبرى عن معنى الألم، وحدود مسؤولية الإنسان، والعلاقة بين الطبيعة والإيمان والعقل. وهي أسئلة يبدو أنها سترافق البشرية ما دامت الأرض تهتز تحت أقدامها.




