أحال رئيس مجلس النواب على المحكمة الدستورية القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة. وكان المنتظر من هذا القانون أن يكون محطة تشريعية مهمة في مسار إعادة هيكلة المهنة.
غير أن بعض مقتضياته تثير نقاشا عميقا حول مدى انسجامها مع مبادئ الاستقلالية والحرية التي تقوم عليها المحاماة. ومن أبرز هذه المقتضيات، المادة 23 التي جاءت بنظام تصريحي سنوي يثقل كاهل المحامي وكذا الهيئات ويتجاوز وظيفة التنظيم نحو تكريس رقابة إدارية موسعة لا فائدة منها.
تنص المادة 23 المشار اليها أعلاه على أنه “يجب على كل محام مسجل بجدول هيئة من هيئات المحامين أن يدلي لنقيب الهيئة في الأسبوع الأول من شهر يناير من كل سنة بما يثبت أنه:
- يمارس مهنته بمكتب يقع ضمن مجال اختصاص الهيئة المسجل بجدولها؛
- يمارس مهنته بصفة فردية أو مع غيره من المحامين بصفته مساعدا أو في نطاق مشاركة أو شراكة أو مساكنة أو في إطار شركة مدنية مهنية أو في إطار عقد تعاون مع محام أجنبي أو شركة مهنية أجنبية للمحاماة؛
- يؤدي في الآجال المقررة الواجبات المالية لفائدة الهيئة التي ينتمي إليها؛
- يتوفر على تأمين للمسؤولية المدنية الناجمة عن ممارسة المهنة.
يجب على المحامي، تحت طائلة المساءلة التأديبية، إشعار النقيب بكل تغيير يطرأ على وضعيته داخل أجل خمسة عشر (15) يوما من تاريخ حدوث التغيير المذكور.
يشعر النقيب الوكيل العام للملك المختص بهذا التغيير داخل أجل خمسة عشر (15) يوما من تاريخ توصله بالإشعار”.
ولا بد من ملاحظة بأن هذه المادة تفرض على المحامي التزاما سنويا عاما بالإدلاء بوثائق ومعطيات سبق للهيئة أن تحققت منها عند التسجيل أو خلال الممارسة، مما يجعل هذا الالتزام أقرب إلى تكرار إداري لا يحقق أي قيمة تنظيمية مضافة.
ولابد من التذكير بأن القاعدة القانونية تفرض استقرار الوضع المهني للمحامي إلى حين ثبوت تغييره، في حين أن المادة 23 تقلب هذا المنطق، إذ تلزم المحامي بإثبات استمرارية وضعيته المهنية بشكل دوري، وهو ما يشكل عبئا غير مبرر.
كما أن إلزام النقيب بإشعار الوكيل العام للملك بكل تغيير يطرأ على وضعية المحامي يكرس ازدواجية في الرقابة، ويفتح المجال لتدخل جهة قضائية في معطيات ذات طبيعة مهنية داخلية، مما قد يمس باستقلالية المهنة.
بالإضافة الى أن ربط الإخلال بهذه الالتزامات الشكلية بالمساءلة التأديبية يطرح إشكالية التناسب، خاصة وأن بعض هذه الاختلالات قد تكون بسيطة أو ناتجة عن تأخير مادي لا يمس جوهر الممارسة المهنية.
وتعتبر هذه الإجراءات تضخما تشريعيا غير مبرر خاصة في غياب أي إشكال بنيوي يبرر ذلك، فالمحامي يعد مساعدا شريكا للعدالة يتمتع بالاستقلالية ويخضع لـ قرينة النزاهة والاستمرارية في ممارسة المهنة وبالتالي، فإن فرض تصريح سنوي إلزامي قد يفهم على أنه شكل من أشكال الشك العام والمسبق اتجاه المحامي مع العلم بأن جميع المعطيات (العنوان، بنية الممارسة الخ) متوفرة أصلا لدى الهيئة ومع الإشارة بأن التأمين على المسؤولية أصبحت تتكفل به بعض الهيئات.
فإذا كان المشرع يكتفي بتجديد بطاقة التعريف الوطنية كل عشر سنوات، باعتبار استقرار المعطيات الشخصية، فمن باب أولى ألا يلزم المحامي، وهو مهني يتمتع بالاستقلال ويخضع لرقابة هيئته، بالإدلاء سنويا بوثائق لا تعرف بطبيعتها تغيرا دوريا، مثل عقد الكراء أو عقد الشراكة أو عقد التأمين، إلا في حالة حدوث تغيير فعلي.
ولابد من التذكير بأن القوانين المغربية المنظمة للمهنة ومنذ قرن من الزمن وكذا القانون الحالي لسنة 2008 لا تتضمن مقتضيات مماثلة من حيث الإلزام السنوي الشامل، بل تعتمد على نظام يقوم على التصريح عند التغيير والرقابة اللاحقة من طرف الهيئات وهو ما يعكس ثقة أكبر في المحامي كفاعل مهني مستقل.
وتظهر الأنظمة المقارنة، كفرنسا وإسبانيا، على سبيل المثال لا الحصر، بأن التزامات المحامي ذات طابع تصريحي محدود، يتم أساسا عند حدوث تغيير، دون فرض نظام سنوي شامل، ودون ترتيب جزاءات تأديبية مباشرة على الاختلالات الشكلية.
وتطرح المادة 23 إشكالا حقيقيا في علاقتها بمبدأ استقلال المحاماة، من خلال تكريس منطق التتبع الإداري الدوري وتوسيع دائرة الجهات المتدخلة في مراقبة المحامي وإضعاف دور التنظيم الذاتي لفائدة رقابة خارجية وهو ما قد يؤدي إلى تحويل المحامي من فاعل مستقل إلى خاضع لمنطق إداري قريب من الوظيفة العمومية.
وبالرغم من أن الغاية المعلنة من المادة 23 تتمثل في تنظيم الممارسة المهنية وضبطها، إلا أن الصيغة التي وردت بها تثير عدة ملاحظات نقدية، لكونها تميل إلى إثقال كاهل المحامي بالتزامات شكلية متكررة لا تضيف قيمة تنظيمية حقيقية، كما تفتح الباب أمام رقابة مزدوجة قد تمس بجوهر استقلال المهنة.
ومن جهة أخرى، فإن المقتضيات الواردة في المادة 23 لا تتعلق بالشروط الجوهرية لممارسة مهنة المحاماة، وإنما تنصرف إلى كيفيات تدبير العلاقة بين المحامي وهيئته.
بل وحتى إذا اقتصر المشرع على إلزام المحامي بالتصريح عند حدوث تغيير في وضعيته المهنية، فإن تنظيم هذا الالتزام يظل أولى بأن يعهد به إلى الأنظمة الداخلية لهيئات المحامين، باعتبارها صاحبة الاختصاص الأصيل في تدبير الشؤون المهنية، والأقدر على تكييف هذه المقتضيات بحسب خصوصيات كل هيئة وحاجياتها.
أما إدراجها ضمن القانون، مقرونة بجزاءات تأديبية، فيؤدي إلى تضخم تشريعي غير مبرر، ويقيد التنظيم الذاتي للمهنة، ويحد من المرونة التي ينبغي أن تتمتع بها الهيئات في إدارة شؤونها.
وعليه، فإن تحقيق التوازن بين متطلبات تنظيم المهنة وضمانات استقلالها يقتضي إعادة النظر في المادة 23، من خلال الاكتفاء بإلزام المحامي بالتصريح عند حدوث تغيير فعلي في وضعيته المهنية، مع إسناد تنظيم إجراءاته وآجاله وآثاره إلى الأنظمة الداخلية للهيئات، باعتبارها مسائل تنظيمية وإدارية لا تستدعي تدخل المشرع.
كما يقتضي تخفيف الطابع الزجري للمقتضيات الشكلية، وحصر الرقابة في الإطار المهني. فالتنظيم التشريعي، مهما كانت وجاهة أهدافه، يظل ملزما باحترام مبادئ الضرورة والتناسب وعدم إثقال الحرية المهنية بقيود لا تفرضها مصلحة عامة حقيقية.
ومن ثم، فإن المادة 23، بصيغتها الحالية، تثير إشكالات دستورية جديرة بالفحص، الأمر الذي يجعل قرار المحكمة الدستورية المرتقب ذا أهمية خاصة في رسم الحدود الفاصلة بين المجال الذي ينبغي أن يتولاه القانون، وذلك الذي يدخل في نطاق التنظيم الذاتي لهيئات المحامين، بما يكفل صون استقلال المهنة الذي كرسه دستور 2011.
