ثقافةمنوعات
أخر الأخبار

غواديانا.. النهر الذي لم تعترف به الحدود

رحلة بين سانلوكار دي غواديانا وألكوتيم في ذاكرة الأندلس والبرتغال

هناك أماكن نزورها، وهناك أماكن تعبر بنا من زمن إلى زمن، حتى نشعر أننا لم نعد مجرد مسافرين، بل شهودا على تاريخ طويل لا يزال يتنفس في الحجارة والأنهار.

كانت رحلتي إلى سانلوكار دي غواديانا الإسبانية وألكوتيم البرتغالية من هذا النوع، رحلة لم يكن النهر فيها مجرد حدٍّ يفصل بين بلدين، بل خيطا يربط حضارات تعاقبت، وشعوبًا رحلت، وأسماء بقيت تقاوم النسيان.

كلما سافرت، أدركت أن المدن لا تقاس بعدد سكانها ولا بحجم شوارعها، وإنما بما تختزنه من ذاكرة. وبعض البلدات الصغيرة تحمل في أزقتها من التاريخ ما تعجز عن حمله مدن كبرى.

هكذا وجدت نفسي أقف أمام نهر غواديانا، أتأمل مياهه الهادئة التي لا توحي أبدًا بأنها شهدت قرونا من الحروب والتجارة واللقاءات الإنسانية.

وصلت إلى سانلوكار دي غواديانا في صباح صاف، وكانت البلدة تبدو وكأنها خرجت لتوها من لوحة مرسومة بالأبيض والأزرق. البيوت تتدرج على سفح التل في هدوء، والأزقة الضيقة تصعد نحو الأعلى كما لو أنها تقود الزائر إلى قصة قديمة تنتظر من يقرأها. وفي الأسفل، كان غواديانا ينساب بهدوء، غير عابئ بكل ما مر فوق ضفتيه منذ آلاف السنين.

أكثر ما شدني منذ اللحظة الأولى هو أن النهر لا يفصل بين عالمين بقدر ما يجمعهما. فمن الضفة الإسبانية كنت أرى بوضوح بيوت ألكوتيم البرتغالية، حتى يخيل إليك أن عبور الحدود لا يحتاج أكثر من نظرة. إنه مشهد يجعل الإنسان يتساءل: كم من الجنود وقفوا هنا يراقبون الضفة الأخرى؟

وكم من التجار عبروا هذا النهر حاملين بضائعهم؟ وكم من المسافرين نظروا إلى المياه نفسها التي أنظر إليها الآن؟

وقفت طويلًا أمام هذا المشهد، وأدركت أن الأنهار لا تحفظ المياه فقط، بل تحفظ الذاكرة أيضًا.

قبل أن تصبح هذه المنطقة جزءًا من إسبانيا والبرتغال بصورتهما الحديثة، كانت مسرحًا لحضارات متعاقبة بدأت منذ ما يزيد على ألفين وثمانمائة عام.

هنا مرّت حضارة تارتيسوس، تلك الحضارة الغامضة التي ازدهرت في جنوب غرب شبه الجزيرة الإيبيرية، واستفادت من ثروات المعادن التي اشتهرت بها المنطقة. ثم جاء الفينيقيون يحملون تجارتهم ومعارفهم البحرية، فتبعهم القرطاجيون الذين بسطوا نفوذهم على أجزاء واسعة من جنوب إيبيريا، قبل أن يحسم الرومان الصراع ويجعلوا المنطقة جزءًا من إمبراطوريتهم.

كان الرومان يسمون هذا النهر “آنة” (Ana)، وهو الاسم الذي سيكتب له عمر أطول مما تخيلوا. فعندما دخل المسلمون الأندلس، لم يلغوا الاسم، بل أضافوا إليه كلمة “وادي”، فأصبح “وادي آنة”. ومع مرور الزمن تحولت الكلمة في اللسان القشتالي إلى “غواديانا”، وبقي الاسم شاهدًا على لغة عبرت القرون دون أن تغادر المكان.

دخل المسلمون هذه المنطقة بعد فتح الأندلس سنة 711م، وأصبحت جزءًا من الدولة الإسلامية لعدة قرون. وبفضل موقعها على النهر، اكتسبت سانلوكار أهمية استراتيجية، إذ كانت تتحكم في حركة الملاحة والتواصل بين غرب الأندلس وداخلها.

وخلال عصر الطوائف ثم في عهد المرابطين والموحدين، تعززت مكانتها الدفاعية، وشُيدت التحصينات التي أصبحت فيما بعد أساس القلعة القائمة اليوم.

وأنا أصعد نحو بقايا قلعة سان ماركوس، كنت أفكر في أولئك البنائين الذين وضعوا حجارتها الأولى. كم يدًا تعاقبت على هذه الجدران؟ كم مرة تغير العلم المرفوع فوقها؟ وكم مرة تبدلت اللغة التي تُسمع بين أسوارها؟ ورغم أن القلعة أعيد بناؤها بعد استعادة المنطقة من قبل الممالك المسيحية في القرن الثالث عشر، فإن بعض تفاصيلها لا تزال تهمس بأصولها الأندلسية.

ومن أعلى التل، بدا المشهد أكثر شاعرية. كانت ألكوتيم على الضفة الأخرى تبدو قريبة إلى حد أنك تشعر بإمكانية الوصول إليها سباحة، بينما الحقيقة أن بينهما دولتين وتاريخًا طويلًا من الصراع ثم التعايش.

غادرت سانلوكار متجهًا إلى ألكوتيم، وكان عبور النهر أشبه بالانتقال بين فصلين من كتاب واحد. اللغة تبدلت، والأعلام اختلفت، لكن المكان بقي يحمل الروح نفسها.

تقع ألكوتيم في الجنوب البرتغالي، وهي بلدة هادئة تتكئ على ضفة غواديانا كما تتكئ سانلوكار على الضفة المقابلة. وما إن تتجول في شوارعها حتى تدرك أن التاريخ لم يكن يومًا حكرًا على جهة دون أخرى.

وكما هو حال سانلوكار، تعاقبت على ألكوتيم حضارات متعددة قبل أن تدخل ضمن الأندلس في مطلع القرن الثامن الميلادي، لتغدو بدورها محطة دفاعية وتجارية مهمة على ضفاف وادي آنة.

ويرجح عدد من الباحثين أن اسم “ألكوتيم” ذو أصل عربي، وإن اختلفوا في اشتقاقه الدقيق، إلا أنهم يتفقون على أن الاسم يحمل أثرًا لغويًا من تلك الحقبة الطويلة.

أثناء تجوالي، شعرت أن المكان لم يتعامل مع تاريخه باعتباره عبئًا، بل باعتباره جزءًا طبيعيًا من شخصيته. فالحي القديم يحتفظ بتخطيطه التقليدي، والموقع الدفاعي المطل على النهر لا يزال يؤدي وظيفته الجمالية بعد أن انتهى دوره العسكري، أما القلعة التي بناها الملك دينيس الأول في القرن الرابع عشر لتعزيز الحدود البرتغالية، فهي اليوم تطل بهدوء على النهر الذي لم يعد يفصل بين جيوش، بل بين زوار يلوح بعضهم لبعض من ضفة إلى أخرى.

أكثر ما شدني أن المكان الذي كان يومًا ساحة صراع، تحول اليوم إلى فضاء للقاء. حدود رسمها التاريخ، لكنها لم تستطع أن تمنع النهر من أداء دوره القديم في الوصل بين الضفتين.

وقفت مرة أخرى أمام غواديانا، لكن هذه المرة من الضفة البرتغالية. نظرت إلى سانلوكار المقابلة، وشعرت أنني أنظر إلى مرآة أكثر من كوني أنظر إلى مدينة أخرى. البياض ذاته، والتلال ذاتها، والهدوء ذاته، وحتى النهر بدا وكأنه يرفض الانحياز لأي ضفة.

في تلك اللحظة، لم أفكر كثيرًا في الدول، بل فكرت في الإنسان. نحن من نصنع الحدود، أما الطبيعة فلا تعرفها. النهر يجري كما كان يجري قبل آلاف السنين، لا يسأل إن كانت هذه المياه إسبانية أم برتغالية، ولا إن كان من يقف على ضفته مسلمًا أو مسيحيًا أو رومانيًا أو فينيقيًا.

ربما لهذا السبب تبقى الطبيعة أكثر حكمة من التاريخ.

وأثناء العودة، استحضرت ما قرأته عن الاسم العربي الذي أطلقه المسلمون على النهر ،”وادي آنة”. يكفي أن تتأمل هذا الاسم لتدرك كيف تترك الحضارات بصمتها دون أن تدري. وحتى إن كانت بعض المصادر العربية تشير إلى أن سانلوكار كانت تُعرف باسم “شلوقة وادي آنة” فإن هذه التسمية تبقى محل نقاش بين الباحثين، بخلاف اسم النهر الذي يكاد يجمع المؤرخون على أصله العربي.

وهنا تكمن متعة القراءة قبل السفر، ومتعة السفر بعد القراءة. فحين تعرف قصة المكان، تصبح كل زاوية فيه قادرة على أن تحكي لك شيئًا.

أحب أن أسافر ببطء، لأن المدن لا تكشف أسرارها للعابرين على عجل. تحتاج إلى شيء من الصمت، وشيء من التأمل، حتى تبدأ حكاياتها بالظهور.

كانت هذه الرحلة قصيرة في المسافة، لكنها طويلة في المعنى. ففي ساعات قليلة انتقلت بين حضارات تعود إلى ما قبل الميلاد، وبين الأندلس الإسلامية، ثم الممالك المسيحية، وصولًا إلى أوروبا الحديثة، وكل ذلك وأنا أسير بمحاذاة النهر نفسه الذي ظل شاهدًا على كل تلك التحولات.

غادرت سانلوكار وألكوتيم وأنا أكثر اقتناعًا بأن السفر الحقيقي لا يقاس بعدد الكيلومترات، بل بما يتركه المكان في الروح. فالمدن الصغيرة كثيرًا ما تمنحنا من الدروس ما لا تمنحه العواصم، والنهر الذي بدا هادئًا أمامي لم يكن يحمل الماء فقط، بل ذاكرة حضارات تعاقبت ثم مضت، تاركة آثارها في أسماء الأماكن، وفي الحجارة، وفي تفاصيل الحياة اليومية.

وحين ابتعدت عن غواديانا، لم أشعر أنني غادرت مكانًا، بل شعرت أنني أغلقت كتابًا قديمًا بعد أن قرأت بعض صفحاته، مدركا أن أجمل الرحلات ليست تلك التي تنتهي عند محطة العودة، بل تلك التي تظل تواصل رحلتها في الذاكرة.

فبعض الأماكن لا تنتهي بزيارتها.. بل تبدأ منها حكاية جديدة مع التاريخ، ومع الذات أيضًا.

https://anbaaexpress.ma/zbrmp

عبد الحي كريط

باحث وكاتب مغربي، مهتم بالشأن الإسباني، مدير نشر أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى