آراءثقافة
أخر الأخبار

صوت هولدن.. بين لغة سالنجر وترجمة هلسا

أرى أن هلسا نجح في نقل النص ببراعة، لكنه في بعض المواضع جعل الكلام أكثر انتظامًا وأناقة من الأصل. ففي الإنجليزية، شعرت أن هولدن يتحدث بسرعة أكبر، وبقدر أكبر من التردد والعفوية، بينما يبدو في العربية، أكثر وضوحًا وترتيبًا في معظم الاماكن

في مقيل صديقي الشاعر عبدالمجيد التركي، دار بيننا حديث كعادتنا عن الرواية والكتب التي قرأناها. سألني إن كنت قد قرأت رواية (الحارس في حقل الشوفان) للكاتب الأمريكي جي. دي. سالنجر بنسختها الإنجليزية.

قلت له: ليس بعد. أخبرني أنه قرأ النسخة المترجمة إلى العربية أكثر من مرة، وأنها من أفضل الروايات التي قرأها، ويريد أن يعرف كيف يبدو صوت هولدن كولفيلد في لغته الأصلية.

بعد عودتي إلى البيت، بحثت عن النسخة الإنجليزية وبدأت القراءة. كنت أتوقع أن أواجه لغة أدبية رفيعة، خصوصًا أنها صدرت في مطلع خمسينيات القرن الماضي، لكني وجدتها عكس ذلك، سهلة وسلسة جدًا.

شعرت وأنا أقرأها وكأنني أمام مراهق في السادسة عشرة من عمره يتحدث معي بعفوية، يبدو كثير التذمر، سريع الحكم على الأشياء، يكرر بعض العبارات، ويتنقل من فكرة إلى أخرى دون ترتيب واضح.

أول ما لفتني إلى ذلك هو طريقته في تقديم حكايته منذ البداية، حيث قال: (إذا كنت تريد حقًا أن تسمع حكايتي، فأول ما ستود معرفته على الأرجح هو أين وُلدت، وكيف كانت طفولتي الحقيرة، وما الذي كان يشغل والديّ وكل تلك الأمور قبل أن أُخلق، وكل ذلك الهراء الذي يشبه حكاية ديفيد كوبرفيلد وأمثالها، لكنني لا أشعر برغبة في الخوض في هذا كله).

“If you really want to hear about it, the first thing you’ll probably want to know is where I was born, and what my lousy childhood was like, and how my parents were occupied and all before they had me, and all that David Copperfield kind of crap, but I don’t feel like going into it”.

يبدو أن سالنجر اختار هذا الأسلوب لأنه يعكس شخصية هولدن، لذا تركه يسرد الرواية بعفوية وباللغة اليومية التي كان يتحدث بها مراهقو نيويورك في تلك الفترة. مثلًا، عندما يتحدث عن مدرسة بنسي، يقول: (Strictly for the birds)، يعني: (هذا كله كلام فاضي).

هنا يسخر من شعار المدرسة الذي يقول: (نحن نصنع من الفتيان شبابًا رائعين، ناضجي الفكر وواضحي الرؤية). وما أثار انتباهي هنا طريقة كلامه، وكأن العبارة خرجت منه في لحظتها. لا يبحث عن تعبير مناسب، بل يقول مباشرة ما يخطر على باله.

وهناك عبارة أخرى يقول فيها: (Be a buddy. Be a buddyroo)، والتي تعني: (كن صاحبي، كن صاحبي). هكذا قالها بعفوية وود.

حتى الشتائم جزء من هذا الصوت. تظهر في كلامه تعبيرات مثل:

(goddam tie)، وتعني: (الله يلعن هذه الربطة). وهناك عبارات أخرى تتكرر في حديثه، فهو لا ينتقي ألفاظه، ولا يحاول أن يكون مهذبًا طوال الوقت. الشتيمة عنده مثل السخرية والتذمر.

هذه الفوضى جزء من طبيعة ذاكرته، وليست عيبًا في الكتابة. فهو يقول:

(Some things are hard to remember)، والتي تعني: (بعض الأشياء يصعب عليَّ أن أتذكرها)، وهذا يؤكد أن طريقة سرده للأحداث غير مرتبة.

بعد أن أكملت قراءة النسخة الإنجليزية، التي تقع في 115 صفحة، خلال أربع جلسات متفرقة، بدأت قراءة النسخة المترجمة إلى العربية، الصادرة عن مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون، بغداد – العراق، عام 2007، والتي تقع في 312 صفحة، للمترجم غالب هلسا. اكتفيت بالفصل الأول والثاني، وتصفحت الباقي، وكنت فقط أبحث عن صوت هولدن. هل هو ذلك المراهق الساخر والمتذمر كما هو في النسخة الأصلية؟

ربما قد يرى البعض أن هناك مشكلة في الترجمة، لأن الفرق في عدد الصفحات كبير؛ فالنسخة العربية تزيد عن النسخة الإنجليزية بنحو 197 صفحة. لكن برأيي، هذا ليس دليلًا على وجود مشكلة في الترجمة، لأن عدد الصفحات يتغير بحسب حجم الورق، ونوع الخط وحجمه، والمسافات، وطريقة إخراج الكتاب.

كما أن طبيعة اللغة نفسها لها دور. فالجملة العامية القصيرة في الإنجليزية يمكن أن تؤدي معنى واسعًا، بينما قد تحتاج عند نقلها إلى العربية إلى كلمات أكثر حتى تؤدي المعنى نفسه وتحافظ قدر الإمكان على إيقاإيقاعها.

أرى أن هلسا نجح في نقل النص ببراعة، لكنه في بعض المواضع جعل الكلام أكثر انتظامًا وأناقة من الأصل. ففي الإنجليزية، شعرت أن هولدن يتحدث بسرعة أكبر، وبقدر أكبر من التردد والعفوية، بينما يبدو في العربية، أكثر وضوحًا وترتيبًا في معظم الاماكن.

وهذا ليس عيبًا في الترجمة، فالترجمة هنا مختلفة وصعبة جدًا. فكيف يمكن نقل صوت مراهق أمريكي يتحدث بالعامية في نيويورك في خمسينيات القرن الماضي إلى لهجة عربية تشبهها؟ فالترجمة هنا تحاول ترجمة الصوت، الذي يعتبر مفتاح الرواية.

نعود إلى هولدن. فهو لا يثق كثيرًا بما يقوله الناس عن أنفسهم، وكلمة (phony)، التي تعني (زائف)، تتكرر في حديثه لتكشف نظرته إلى العالم من حوله. يرى الزيف في المدرسة، وفي المعلمين، وفي المجتمع الذي يهتم بالمظاهر. وكان يكره الدراسة، وكثيرَ الرسوب، حتى طُرد من المدرسة.

لكن المفارقة أن هولدن نفسه يكذب. يغير أسماءه، ويخترع القصص، ويتحدث مع أشخاص لا يعرفهم وكأنه شخص آخر. يكره الكذب، لكنه يمارسه، ويريد الحقيقة، لكنه يختبئ خلف القصص. وهذا ما يجعله مرتبكًا ويحاول أن يفهم العالم من حوله.

عند موت أخيه (آلي)، تتغير نبرة الرواية فجأة. بعد كل ذلك السخط والتذمر، يظهر طفل آخر داخل هولدن، طفل يحب ويحزن، ويحاول أن يتمسك ببراءته رغم كل ما يحيط به.

ومن هنا نصل إلى الفكرة التي أعطت الرواية عنوانها. عندما سمع هولدن طفلًا يغني:

(If a body catch a body coming through the rye)

والتي تعني: (إذا أمسك أحدٌ بآخر وهو يعبر حقل الشوفان).

تتحول هذه الأغنية في ذهنه إلى صورة واضحة. وعندما تسأله أخته (فيبي) ماذا يريد أن يصبح، يقول إنه يريد أن يقف في حقل الشوفان، ليمنع الأطفال من السقوط في الهاوية.

هو لا يريد أن يصبح مثل الكبار الذين يسخر منهم، بل يريد أن يحمي البراءة قبل أن يفسدها العالم، وربما كان يحاول أن يحمي نفسه أيضًا.

هولدن يعيش في مجتمع يتحدث كثيرًا عن المنافسة والنجاح والمال. لكنه ينظر إلى هذا العالم بعين فتى غاضب ومرتبك، وربما لهذا السبب يبدو قريبًا من القارئ.

أرى أن هولدن، رغم كل تناقضاته، فتى يحاول أن يفهم العالم من حوله.

https://anbaaexpress.ma/lm80q

محمد المخلافي

كاتب وباحث من اليمن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى