منذ القمّة الأخيرة التي جمعت ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 15 أيلول الجاري، تغيّر شيء ما في لهجة القاهرة حيال اليمن والأخطار التي تطل بها جماعة الحوثي على السعودية والبحر الأحمر وباب المندب.
فإضافة إلى الأبجديات الحازمة التي تستخدمها بيانات القاهرة في إدانة الجماعة والتضامن الحاسم مع المملكة، فإن بيانات عسكرية رسمية مصرية تتحدث عن تنسيق عسكري مع الرياض، تخفي بين سطورها تدابير باتت من الأسرار العسكرية.
على المستوى الرسمي، لم تتردد القاهرة في الوقوف مع المملكة في أي مقاربات اتخذتها حيال أزمة الحوثيين في اليمن. غير أن الموقف بقي في إيقاعاته المصرية متأنيا، متحسّبا لعوامل وأجندات تأخذها القاهرة بعين الاعتبار.
فلمصر حكاية تاريخية موجعة مع اليمن، ولها رؤيتها في مقاربة ملف إيران وامتداداتها. عام 2014 استخدم السيسي تعبير “مسافة السكة” إذا ما احتاجت الرياض إلى الدعم، بما يكشف المسافة السياسية التي تأخذها القاهرة من المقاربات القصوى.
فمصر حاضرة وجاهزة وفق توقيتها وحساباتها ومصالحها. فُهم أن الظاهرة الحوثية في القراءة المصرية “مشكلة يمنية” تتقاطع مع حدث غزة، ولا تعتبر تهديدا استراتيجيا يتطلب تغييرا في العقائد الدفاعية المعتمدة.
لم يقرأ الحوثيون موقف مصر من الكتاب نفسه. ففي 29 تموز، أغارت مسيّرة على سفينتين في ميناء دمياط. تعجّلت الأنباء في الكلام عن أن جماعة اليمن يقفون وراء الإثم، فيما صدر في القاهرة بيان أول عن “حريق”، ثم رواية أمنية عن عطل في غرفة المحرك، ثم إقرار مجلس الوزراء بأنها مسيّرة لم تتبن فعلتها أية جهة. نفى الحوثيون الأمر، كما نفت طهران أن تكون وراء هذه “السابقة”.
تبرعت “وول ستريت جورنال” بنقل موقف عن مسؤولين مصريين بأن القاهرة تحمّل إيران المسؤولية، فيما نقلت “نيويورك تايمز” عن مسؤولين إيرانيين أن الضربة رسالة عما يمكن أن تفعله طهران بالطاقة والملاحة. وحتى الآن لم يصدر عن القاهرة نتائج التحقيق الذي وعدت به.
فيما دوائر السياسة لا تفصح ولا تكشف، فإن تقارير لم تستبعد أن تكون الدوائر المخابراتية والعسكرية المصرية أعادت التموضع وفق معطى تعرفه حتى لو أبت الواجهات السياسية للبلاد الاعتراف به.
وتعني إعادة التموضع في اللغة العسكرية الاستعداد لانخراط قد لا يكتفي بـ “مسافة السكة”. فلم تعد الحرب تجري عند بوابة البحر الأحمر الجنوبية، بل طرقت بوابة المتوسط وطالت مصر مباشرة.
قصّر ولي العهد “المسافة”. تسارعت الوقائع إثر سقوط مدينة المخا وتوابعها على البحر الأحمر. بدا في قمة الأمير السعودي والرئيس المصري لحظة متقاطعة تتهدد فيها مصالح المملكة كما مصالح مصر.
قالت مصادر تعرف ما وراء المعلن إن الأمير السعودي سمع خلال الساعات القليلة التي استغرقتها الزيارة ما يريد سماعه من القيادة المصرية. في اليوم التالي للقمة خرج تصريح من القاهرة يشي بما سيستجدّ.
قال قائد قوات حرس الحدود المصرية اللواء أسامة عبد الحميد داود إن هناك تنسيقاً عالي المستوى واجتماعات مستمرة بين قوات حرس الحدود المصرية ونظيرتها السعودية، للتباحث حول إجراءات التأمين الميداني وتبادل المعلومات الأمنية الفورية لضمان سلامة الحدود المشتركة. لكن أعراضا أخرى بدأت تتلاحق.
تعاملت التحليلات مع تقارير عن تعزيز الحضور العسكري المصري في قاعدة برنيس العسكرية، إحدى أكبر وأحدث القواعد العسكرية الاستراتيجية في مصر ومنطقة البحر الأحمر.
أشارت أنباء إلى طلب وجهته القاهرة إلى واشنطن، نوقش في اجتماع السيسي مع جون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، الأحد الماضي، للتنبه إلى المستجد في البحر الأحمر وما يشكله الحوثيون من أخطار وجب عدم الاستخفاف بها.
وعزز تحولات مصر مخاوف من امتداد الحوثيين إلى القرن الأفريقي، بالتنسيق المحتمل مع إريتريا وجماعة الشباب في الصومال، بعد استيلاء الحوثيين على جزيرة نقر الواقعة على بعد نحو 33 كم من السواحل الإريترية.
ورغم التحفًز المصري من تطور بات داهما وضاغطا، تتمسك القاهرة بالتروي ودورها في التوسط ونقل الرسائل. كان السيسي التقى، في 13 من أيلول الجاري، الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في نيودلهي على هامش قمة “بريكس”. ذهب مصدر مصري إلى التلميح بأن مصر تفتح المظلة قبل أن تشتد العاصفة من دون أن يكشف عن سمات رياحها.
انتقل ملف الحوثي من كونه ملفا يمنيا إلى متغيّر يطال الأمن المصري. لكن عين طهران وحوثييها تراقبان ما يمكن لتلك التحولات أن تحدثه من فارق في “حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب”.




