حياة الغانمي
يقدّم كتاب «مستقبل بلد بين جيشين: القصة الخفية للثنائية العسكرية في السودان» للصحفي والباحث في الشؤون الإفريقية علي فوزي، في طبعته الأولى الصادرة عام 2026، قراءة تحليلية واسعة في واحدة من أكثر القضايا حساسية في السودان: تشكّل قوتين مسلحتين متوازيتين داخل الدولة، وما ترتب على ذلك من انهيار سياسي وأمني وانفجار حرب مفتوحة.
ويقع الكتاب في 122 صفحة، ويعلن منذ عنوانه أنه لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يحاول تتبع بنيتها العميقة ومسارات تشكلها.
ينطلق المؤلف من فرضية مركزية مفادها أن الحرب الراهنة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع ليست حدثًا عابرًا، بل نتيجة تراكم طويل من «الثنائية العسكرية»؛ أي وجود مؤسستين مسلحتين تتنازعان الشرعية والقرار والنفوذ داخل الدولة الواحدة.
وفي هذا الإطار، يرى الكتاب أن الصراع الذي تفجر في أبريل 2023 كشف عن أزمة بنيوية في جهاز الدولة نفسه، لا مجرد خلاف بين طرفين على السلطة.
ويعود الكتاب إلى الجذور التاريخية لهذه الظاهرة، رابطًا بينها وبين مسار طويل من تسييس المؤسسة العسكرية في السودان، وقيام أنظمة متعاقبة بتشييد قوى موازية للجيش النظامي.
وفي إحدى أكثر محطاته دلالة، يتوقف عند قانون قوات الدعم السريع لسنة 2017، بوصفه لحظة مفصلية منحت هذه القوات استقلالية إدارية ومالية وصلاحيات واسعة، بما جعلها، بحسب طرح الكتاب، «دولة داخل الدولة».
كما يبرز المؤلف أن هذه الصيغة القانونية لم تكن مجرد تفصيل تنظيمي، بل خطوة رسخت الازدواج في مركز القوة داخل السودان.
لا يكتفي الكتاب بالتأريخ للصعود العسكري، بل يفكك أيضًا البنية السياسية التي سمحت بتضخمها. فهو يربط بين ضعف المؤسسات المدنية، وهشاشة المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام عمر البشير، وفشل مشاريع الدمج والإصلاح الأمني، وصولًا إلى انفجار التناقض بين الجيش والدعم السريع.
وفي قراءة المؤلف، فإن الثنائي العسكري لم يكن نتيجة ظرف استثنائي، بل تحولًا بنيويًا في طبيعة الدولة السودانية، وعائقًا مركزيًا أمام أي انتقال ديمقراطي مستقر.
ويُحسب للكتاب أنه لا يقرأ الحالة السودانية بمعزل عن محيطها، إذ يقارنها بتجارب ليبيا واليمن وجنوب السودان، ليخلص إلى أن تعدد مراكز القوة المسلحة، متى فشل ضبطه مؤسسيًا، يتحول سريعًا إلى عامل تفكك للدولة.
هذه المقاربة المقارنة تمنح الكتاب بعدًا إقليميًا، وتجعله أقرب إلى دراسة تفسيرية لأزمات بناء الدولة في البيئات الهشة، لا مجرد قراءة في الحرب السودانية وحدها.
وفي خاتمته، ينتقل الكتاب من التشخيص إلى المقترحات، داعيًا إلى إصلاح أمني شامل، وتفعيل العدالة الانتقالية، وفصل النشاط الاقتصادي العسكري عن الدولة المدنية، مع إشراك دولي وإقليمي يحد من تدفق السلاح ويمنع دعم أي طرف على حساب آخر.
وتكشف هذه التوصيات أن المؤلف يرى أن الخروج من المأزق السوداني لا يمكن أن يتم عبر تسوية سياسية مؤقتة فقط، بل عبر إعادة بناء قواعد الدولة نفسها على أسس مهنية ومدنية وشفافة.
بهذا المعنى، لا يقدم «مستقبل بلد بين جيشين» رواية عن حرب قائمة فحسب، بل محاولة لفهم كيف وصلت دولة بحجم السودان إلى لحظة تتنازعها سلطتان مسلحتان، وكيف يمكن أن يكون إصلاح المؤسسة العسكرية والعدالة الانتقالية شرطين لا غنى عنهما لأي مستقبل سياسي قابل للحياة. إنه كتاب يقرأ الحرب بوصفها نتيجة، لكنه يحاول قبل ذلك كله أن يشرح أسبابها العميقة.




