تتأسس المعرفة الإنسانية في جوهرها على آلياتها الكسبية المحض، حيث يكدح العالم والمثقف والفيلسوف في جمع أشتات المعارف وتحصيلها عبر أدوات القراءة والمطالعة والاستقراء الشاق، وهو الكدح الذهني الذي جعل الذهنية.
وهذا التمايز المفهومي لا يلغي قيمة الأدوات المادية لدى الإنسان، بل يضعنا مباشرة أمام التمييز الحاسم بين كدح العالم والمثقف والفيلسوف في التحصيل الأداتي وبين الاستغناء النبوي العالي المترفع عن الوسائط البشرية الناقصة.
فكيف يتسق استغناء النبي عن الأدوات المادية للقراءة والكتابة مع كونه المؤسس الأول لحضارة القراءة والعلم؟
وما الذي يجعل النمط المعرفي النبوي استغناءً يقينياً عالياً عن الوسائط وليس عجزاً أداتياً كما تروجه الطروحات المبتسرة؟
تتحرك الأدبيات المعاصرة والسجالات الراهنة حول شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ضمن دائرتين ضيقتين تحصران الإشكال في حدود تقنية محض، حيث يصر فريق على إثبات معرفته بالقراءة والكتابة تجنباً لنسبة العجز إليه، بينما يستميت فريق آخر في نفيها ليجعل من ذلك مظهراً للإعجاز وقطعاً لدعاوى الاقتباس، إضافة إلى من يرى في لفظ الأمية انتساباً تاريخياً إلى أمة لم ينزل عليها كتاب من قبل، غير أن هذا الصراع بمختلف مناحيه يظل مكبلاً بشرط الأدوات المادية ويغفل جوهر الظاهرة النبوية وطبيعتها المعرفية الفريدة.
لتجاوز هذا الانسداد، يمكن تمثل مسار الرسالة في امتداد صاعد ينطلق من الذات النبوية في الأصل ويتجه رأساً نحو المجتمع في الغاية بينما يستقر الدين في منتصف هذا المسار حاملاً للرسالة وواسطة للتغيير الشامل.
وهذا الاتصال المباشر يضعنا أمام سؤال جوهري حول طبيعة الوسيط القائم في بداية هذا المسار، وهل يشترط فيه لكي يبلغ الدين إلى أهدافه أن يمتلك الأدوات البشرية المعهودة من قراءة وكتابة وإلمام بسير الأولين أم أن المعرفة النبوية تنفصل تماماً عن هذه الوسائل المادية المحدودة.
يتفرع عن هذا الامتداد المباشر تساؤل حاسم حول الفهم والاستيعاب الذاتي يتعلق بمدى قدرة حامل الرسالة دون امتلاك أداة القراءة والكتابة على استيعاب طبيعة هذا الدين وخصائصه وأهدافه وأوامره ونواهيه.. بنفسه أولاً، وذلك للتحقق من شرط الأهلية التي تمكنه من نقل هذا الدين وتبليغه وتأطير المجتمع بناءً عليه بشكل دقيق ومحكم.
وهنا يتجلى التمايز الفلسفي الجوهري عند المقارنة بين مجهود العالم والمثقف والفيلسوف وبين مجهود التلقي النبوي، إذ يبذل العالم والمثقف والفيلسوف مجهوداً ذهنياً ومادياً مضنياً في المطالعة والبحث والتحصيل المعرفي للوصول إلى الحقيقة وتجميع أشتاتها، بينما لا يخضع النبي لهذا المجهود الذهني التحصيلي لأن المعرفة تتنزل عليه مباشرة من المصدر الإلهي.
وبناءً على ذلك تكون طبيعة المجهود النبوي قائمة ليس على الجمع والتنقيب المعرفي المادي بل على مجهود سلوكي وأخلاقي وتربوي يرتكز على التمثل والتجسيد والاستقامة والتبليغ، وتتلاشى الحاجة إلى الوسائل المادية من قراءة وكتابة لأن الطرق الطويلة المادية تُختصر لمنح النبي معرفة يقينية مباشرة تنقل المسألة من دائرة الكسب البشري الناقص والمجهد إلى دائرة الهداية واليقين الإلهي المطلق.
قد يرى البعض أن هذه القراءة تكرر النتيجة السائدة بكون الرسول لم يكن يقرأ أو يكتب، غير أن الرد يكمن في الفارق بين السطح والعمق، فالطروحات السابقة وقفت عند النتيجة الظاهرة بنفي الأدوات المادية كعجز أو كمعجزة قاطعة للشك بينما توضح هذه القراءة سبب عدم حاجته لهذه الأدوات أصلاً وتغير النظرة إلى مفهوم المعرفة ذاته عبر الانتقال من سؤال هل كان يقرأ ويكتب أم لا إلى سؤال أعمق وهو هل المعرفة حكر على القراءة والكتابة والبحث البشري أم أن النبوة نمط معرفي مستقل ومباشر.
ويقود ذلك إلى إثبات الغنى المعرفي بدل النفي، فالنتيجة ليست نفي العلم عن الرسول بل إثبات أن استيعابه لخصائص الدين كان أعمق وأشمل لأن مصدره إلهي يقيني وليس تحصيلاً كسبياً يحتمل الخطأ، فيتحول المفهوم من مجرد عجز إلى خصوصية وظيفية واستغناء عن الوسائط البشرية المحدودة لصالح الاتصال المباشر بالوحي بامتلاك ما هو أعظم وأشمل.
غير أن إثبات هذا الاستغناء النبوي عن الأدوات المادية يثير إشكالاً ظاهرياً عند الاصطدام بالحرص القرآني الشديد على التذكير بهذه الوسائل ونشرها، بدءاً من التصدير الأول بطلب القراءة والإنعام بالإشارة إلى النون القلم والسطور والنظر والفؤاد والسمع العقل والاحتفاء بالعلم في ثنايا النص، وتفكيك هذا التناقض الظاهري يتطلب تمييزاً منطقياً بين أداة التلقي الخاطفة التي يختص بها النبي وبين غاية التكليف الحضاري الموجه للمجتمع.
فالنبي يمثل رأس المسار الصاعد ومستقبل العلم الإلهي بغير وسائط بينما يتجه خط الرسالة عبر الدين ليصل إلى القاعدة الاجتماعية التي يشترط في نماء علمها وعمرانها امتلاك القراءة والتسجيل والأدوات المادية كشرط استخلاف وبناء، فالرسول لم يأتِ ليمارس آليات التحصيل كعالم يتدرج في الفهم بل جاء ليصنع البيئة والمنظومة التي تجعل القراءة والكتابة فريضة على الأمة، ليتحول عدم احتفاظه بتلك الأدوات إلى تأكيد على علو مصدره وفي الوقت ذاته تحول أوامره بالأخذ بها إلى تشريف لآليات العلم كواجب أمتي لبناء الإنسان والمجتمع.
ويتصل بهذا التمييز رد حاسم على الطرح الذي يحاول إحراج القائلين بالأمية المادية للنبي صلى الله عليه وسلم، عبر إيراد حجة تبسيطية مفادها أنه إذا كان الرسول أمياً وهو القدوة والأسوة المطلقة للمؤمنين، فإن مقتضى هذه القدوة يدعو بالضرورة إلى محاكاته في عدم القراءة والكتابة وترك الأدوات المادية للتعلم.
وتفكيك هذه الذريعة يكمن في إدراك الفارق بين أداة التلقي النبوية وبين غاية التكليف الموجه للأمة، فالقدوة لا تعني الاندماج في الخصوصية المعرفية للتلقي المباشر التي اختُص بها النبي دون سائر البشر، بل تتجلى الأسوة الحقيقية في الامتثال لأوامره والاستقامة على منهجه، وفي التطبيق الجازم لدعوته الصريحة التي جعلت طلب العلم والقراءة والأخذ بالوسائط المادية فريضة حضارية على كل فرد في الأمة لبناء الإنسان والعمران.
هذا الطرح لا يستهين بالعلم مطلقاً بل يأتي بتأكيد قيمة العلم كغاية رسالية، إذ يرفع قيمة العلم لأن الدين الذي جاء به النبي جعل التفكر والتعلم واستقراء الوجود مقصداً أسمى لبناء المجتمع الممتد في ذلك المسار الصاعد، ويجب التمييز هنا بين أداة التلقي ووظيفة الرسالة، فعدم استخدام الأدوات المادية ليس تحقيراً لها بل لأن دور النبي كان تأسيسياً ومستقبِلاً للمعرفية المطلقة من مصدرها الأول ليكفل للمجتمع العلم الصحيح.
فينجلي النبي كمنشئ لحركة العلم ومؤسس لحضارة قائمة على التعلم، ويكون استغناؤه عن أدوات القراءة والكتابة خاصاً بخصوصية التلقي الإلهي ليقود المجتمع نحو التعلم المعرفي، مما يؤدي إلى تحرير العلم من النمطية والتأكيد على أن القراءة والكتابة أدوات مطلوبة للبشر لكن مصدر النبوة أعلى وأشمل من أن يحصر في تقنية كتابية أو قراءة حرفية.
يبرز الفارق إذن بين المفهوم التراثي المجرد والتطبيق الوظيفي في هذا الطرح عند مقارنته بالتراث، فبالرغم من أن أصول التفكير المعرفي أشار عموماً إلى وجود نمط يتجاوز الكسب البشري العادي إلا أن الإضافة الحقيقية والتفرد يكمنان في تحويل هذا المعنى المجرد إلى بنية تحليلية وظيفية تربط بين ذات الرسول والدين والمجتمع، تماماً كما يتجلى الفارق بين من يشرح النظرية العامة للكهرباء في التجريد الذهني وبين من يرسم خريطة الدفق بوضوح من المحطة الرئيسية وصولاً إلى مفتاح الضوء داخل البيت.
ويتجلى حسم السجال المعاصر بابتكار هذا المسار التوضيحي وتوظيفه لتفكيك الصراع السائد، حيث يتم تجاوز الفخ المادي الذي وقع فيه الطرفان والمتمثل في اختزال النبوة في مجرد امتلاك الأدوات التقنية أو افتقادها، وإعادة إبراز الفارق بين المجهود الذهني التحصيلي للعالم والمثقف والفيلسوف وبين المجهود السلوكي التبليغي للنبي، إذ يظهر أطراف النزاع كمن يتجادلون بحدة حول ما إذا كان القائد يمتلك بوصلة ورقية وخريطة صغيرة في جيبه بينما يكمن الواقع في أن ذلك القائد يرى المسار الشامل ورأس العين بوضوح تام من الأعلى، مما يجعل معركة البحث عن أدواته المادية الورقية التفاتاً ينفصل عن حقيقة نمطه المعرفي الشامل.
إن إعادة قراءة الظاهرة النبوية من خلال مسار التلقي المباشر وتجاوز شرط الأدوات المادية تفتح أفقاً جديداً لفهم كيفية تشكل الحضارات القائمة على المعرفة وحقيقة التداخل بين المطلق والنسبي في تاريخ الإنسان.
حيث يتضح أن قوة اليقين النبوي التأسيسي تتجاوز دائماً مادية الوسائل البشرية لتبني واقعاً فكرياً وحضارياً ممتداً عبر الزمن، فهل يمكن للفكر المعاصر أن يستوعب هذا التمايز المعرفي الفريد ليتحرر من النزعة المادية الضيقة وينشئ نموذجاً حضارياً يجمع بين استمداد اليقين وامتلاك أدوات العصر؟




