آراءسياسة
أخر الأخبار

حكومة نواف سلام.. الأسوأ في تاريخ لبنان: دولة بلا بوصلة واللبناني يدفع الثمن

ليس من السهل أن يقال عن حكومة إنها «الأسوأ» في تاريخ دولة، خصوصاً في لبنان، حيث تعاقبت الحكومات والأزمات والانهيارات، وحيث يكاد يكون من الصعب العثور على حكومة خرجت من السلطة من دون أن تترك وراءها ملفاً أو أزمة أو ديناً أو وعداً لم يُنفّذ.

لكن حكومة نواف سلام تستحق، برأي كثيرين، أن تُطرح أمام هذا الاختبار القاسي.

ليس لأنها ورثت بلداً سليماً ثم أفسدته. العكس تماماً.

لقد جاءت إلى بلد منهك، إلى اقتصاد محطم، إلى دولة مفلسة، إلى مصرف مركزي استُنزفت قدراته، إلى مصارف فقد اللبنانيون الثقة بها، وإلى شعب خسر مدخراته وانهارت قدرته الشرائية، فيما تتآكل مؤسسات الدولة يوماً بعد يوم.

كان يفترض أن تكون هذه الحكومة مختلفة.

كان يفترض أن تعرف لماذا انهار لبنان، وأن تعرف كيف تبدأ عملية الإنقاذ، وأن تمتلك من الخبرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والإدارية ما يجعلها قادرة على إدارة مرحلة هي الأخطر في تاريخ الجمهورية.

لكن ما نشهده حتى الآن لا يوحي بذلك.

والأكثر إيلاماً أن حكومة جاءت بعد كل هذا الانهيار تبدو، في كثير من الملفات، وكأنها لا تزال تبحث عن الطريق.

لا طريق الإنقاذ فحسب، بل طريق إدارة الدولة نفسها.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام حكومة تفتقر إلى الرؤية، أم أمام حكومة لا تمتلك أصلاً الأدوات اللازمة لإدارة بلد بهذا الحجم من التعقيد؟

لبنان لم يصل إلى ما وصل إليه بسبب حكومة نواف سلام وحدها.

هذه نقطة يجب قولها بوضوح، حتى لا تتحول المحاسبة إلى انتقائية.

كل الحكومات التي تعاقبت بعد الطائف تتحمل نصيبها من المسؤولية عن النموذج المالي والاقتصادي الذي انتهى بالبلاد إلى الانهيار. سنوات من الإنفاق غير المدروس، والاستدانة، والتوظيف السياسي، وتضخم القطاع العام، والمشاريع التي لم تُبنَ دائماً على دراسات جدوى حقيقية، والهدر، والمحاصصة، وغياب الإصلاحات البنيوية.

كانت الدولة تنفق، وتستدين، ثم تستدين لكي تدفع كلفة الاستدانة.

أما الاقتصاد المنتج، فكان يتراجع.

وحين جاءت لحظة الحساب، اكتشف اللبناني أن النظام كله كان قائماً على تأجيل الانفجار.

ثم انفجر.

في 2019 انهارت الليرة، وتراجعت القيمة الفعلية للرواتب، وبدأت المصارف تفرض القيود على الودائع، وتحولت أموال اللبنانيين التي اعتقدوا أنها مدخراتهم إلى أرقام معلقة في حسابات لا يستطيعون الوصول إليها كما كانوا يفعلون سابقاً.

كانت تلك أكبر رسالة يفترض أن تصل إلى أي حكومة بعد ذلك:

لا تعيدوا إنتاج النظام نفسه.

لكن ماذا فعلت حكومة نواف سلام بهذا الإرث؟

هنا تبدأ مسؤوليتها الفعلية.

المواطن اللبناني اليوم لا يحتاج إلى خبير اقتصادي ليشرح له الأزمة.هو يعيشها، يعرفها عندما يدخل إلى السوبرماركت. يعرفها عندما يدفع فاتورة المولد. يعرفها عندما يملأ خزان سيارته. يعرفها عندما يذهب إلى الطبيب أو الصيدلية. ويعرفها جيداً عندما ينظر إلى راتبه في منتصف الشهر ويسأل نفسه: كيف سأكمل الأيام المتبقية؟

لم يعد السؤال كم بلغ معدل التضخم في تقرير اقتصادي.

السؤال أصبح أكثر بساطة وأكثر قسوة:

كم بقي من راتب اللبناني بعد أن يدفع ثمن الطعام والكهرباء والنقل والدواء والتعليم؟

المؤشرات المنشورة عن كلفة المعيشة خلال النصف الأول من ٢٠٢٦ تقول إن مؤشر أسعار ١٤٠ سلعة وخدمة أساسية ارتفع بنسبة ١٩،٠٥ في المئة. وفي الربع الثاني من العام ارتفعت أسعار الفاكهة بنسبة 22,8 في المئة، والألبان والأجبان ١١،٥ في المئة، واللحوم 7 في المئة، إضافة إلى ارتفاعات طالت النقل والاتصالات والمحروقات.

قد يقرأ مسؤول هذه الأرقام في تقرير، ويضع عليها ملاحظة، ثم ينتقل إلى ملف آخر.

أما المواطن فيعيشها ثلاث مرات: عند الشراء، وعند دفع الفواتير، وعندما يكتشف في نهاية الشهر أن دخله لم يعد يكفي.

ولذلك فإن الحديث عن الاقتصاد في لبنان لم يعد حديثاً عن مؤشرات مجردة.

إنه حديث عن حياة الناس.

المشكلة أن الحكومة، بدلاً من أن تبحث أولاً عن الموارد الضائعة، تبدو وكأنها تجد الطريق الأسرع إلى الخزينة عبر الضرائب والرسوم.

مشروع موازنة 2027، كما نًشر، يقدّر الإيرادات والنفقات عند 614945 تريليون ليرة، مقارنة 538415 تريليوناً في موازنة 2026، أي بزيادة تقارب 14,2 في المئة.

لكن الرقم الأكثر إثارة للاهتمام ليس حجم الموازنة وحده.

الإيرادات الضريبية ترتفع إلى 528,333 تريليون ليرة، مقارنة 429,619 تريليوناً، أي بزيادة تبلغ نحو 20,02 في المئة.

هنا يجب أن نتوقف.

لأن السؤال الحقيقي ليس: كم تريد الحكومة أن تجمع، بل من أين ستجمع؟

جزء كبير من الجواب موجود في بنية الضرائب نفسها.

فالضرائب الداخلية على السلع والخدمات، إلى جانب الضرائب على التجارة الدولية، تبلغ نحو 388,370 تريليون ليرة، أي حوالى 73,5 في المئة من مجموع الإيرادات الضريبية. أما ضريبة القيمة المضافة وحدها فتبلغ 205,666 تريليون ليرة، أي حوالى 39,9 في المئة من الإيرادات الضريبية.

وهنا تكمن المفارقة التي لا يجوز أن تمر مرور الكرام.

الدولة، في الوقت الذي يشكو فيه اللبناني من تراجع قدرته الشرائية وارتفاع أسعار حاجاته الأساسية، تعتمد بدرجة كبيرة على الضرائب التي يدفعها المستهلك في نهاية المطاف.

أي أن المواطن لا يدفع فقط ثمن الأزمة.

إنه يدفع أيضاً ثمن الخزينة.

لماذا لا يبدأ البحث عن المال من مكان آخر؟ لماذا لا يكون السؤال الأول عن الهدر؟ عن التهرب الضريبي؟ عن الاقتصاد غير المنظم؟ عن الأملاك العامة؟ عن الإيرادات التي يمكن للدولة أن تحصل عليها ولا تحصل عليها؟ عن العقود والتلزيمات؟ عن المؤسسات التي تنفق ولا تنتج؟ عن كل قرش يمكن تحصيله من دون أن نضع ضريبة جديدة على الاستهلاك؟

خذوا الأملاك البحرية.

الحديث هنا ليس عن مورد هامشي. هناك إمكانات إيرادات تتجاوز ملياري دولار سنوياً من هذا القطاع، وهو رقم يكفي وحده لجعل ملف الأملاك البحرية في صدارة أي نقاش جدي حول موارد الدولة.

فكيف يمكن لدولة تبحث عن كل ليرة في جيب المواطن أن تتعامل مع مورد بهذا الحجم وكأنه ملف مؤجل؟

هذه ليست مسألة محاسبية.هذه مسألة عدالة.

لا يمكن أن تطلب من مواطن راتبه لا يكفي نصف الشهر أن يدفع المزيد من الضرائب، بينما تترك الدولة أبواباً أخرى للإيرادات غير مستثمرة بما يكفي.

والأكثر غرابة أن المواطن يشعر بأن الدولة تعرف تماماً أين يمكن أن تحصل على المال، لكنها غالباً تختار الطريق الأسهل: المواطن الذي لا يستطيع الهرب.

ثم نصل إلى الإنفاق.

مشروع موازنة 2027 يضع الرواتب والأجور والمنافع الاجتماعية عند حوالى 328,03 تريليون ليرة، أي ما يقارب ٥٣،٥ في المئة من إجمالي النفقات.

ولكي لا تختلط الأرقام، فإن مبلغ 56,5 تريليون ليرة الذي أُقر كاعتماد إضافي في 2026 ليس إجمالي رواتب القطاع العام والقوى العسكرية، كما قد يُفهم خطأً، بل هو اعتماد إضافي لتمويل ستة رواتب إضافية للموظفين والعسكريين والمتقاعدين، بأثر رجعي اعتباراً من آذار.

أما في مشروع موازنة 2027، فالرقم الصحيح للرواتب والأجور والمنافع الاجتماعية هو 329 تريليون ليرة.

والصورة تصبح أكثر وضوحاً عندما نقارنها بالاستثمار.

فحيازة الأصول الثابتة، وهي المؤشر الأقرب إلى الإنفاق الاستثماري، تبلغ نحو 666,63 تريليون ليرة، أي حوالى 10,08 في المئة فقط من إجمالي الإنفاق.

أكثر من نصف الإنفاق تقريباً يذهب إلى الرواتب والمنافع، فيما لا يصل الإنفاق الاستثماري إلى 11 في المئة.

هذه ليست موازنة دولة تستعد للنمو.

هذه موازنة دولة تحاول إدارة أعبائها.

والفرق كبير.

قد يقول البعض إن الرواتب حق للموظفين، وإن الدولة لا تستطيع ببساطة خفضها وهذا صحيح. لكن الإصلاح لا يعني بالضرورة قطع الرواتب.

الإصلاح يعني أن تسأل الدولة: كيف وصلنا إلى هذه البنية أصلاً؟ كيف نرفع الإنتاجية؟ كيف نعيد تنظيم الإدارة؟ كيف نوقف التوظيف السياسي؟ كيف نربط الإنفاق العام بالإنتاج والخدمة؟ كيف نستثمر في الاقتصاد كي تتوسع قاعدة الإيرادات بدلاً من زيادة العبء الضريبي على القاعدة نفسها؟

هذه هي الأسئلة التي كان يجب أن تكون على طاولة الحكومة. لا أن يصبح المواطن هو الطاولة نفسها.

وهناك ملف آخر لا يقل حساسية: التلزيمات بالتراضي.

هنا أيضاً لا بد من الدقة. ليس صحيحاً مهنياً أن نضع كل عقد بالتراضي في خانة المخالفة القانونية تلقائياً، لأن لكل حالة أساسها القانوني وشروطها ومبرراتها.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاستثناء ممارسة تحتاج إلى تفسير.

لماذا تم التلزيم بالتراضي؟

لماذا لم تحصل مناقصة تنافسية؟

ما قيمة العقد؟

من المستفيد؟

ما الأساس القانوني الذي استندت إليه الإدارة؟ وهل حصلت الخزينة فعلاً على أفضل سعر وشروط؟

هذه أسئلة بسيطة، لكنها في دولة تعاني أزمة مالية ليست ترفاً.

فإذا كانت الحكومة تطلب من المواطن أن يدفع ضريبة إضافية بحجة حاجة الخزينة، فإن عليها في المقابل أن تكون أكثر تشدداً في حماية المال العام عند إنفاقه.

لا يمكن أن نطلب من المواطن شد الحزام بينما يبقى السؤال عن كل عقد وكل تلزيم بلا جواب واضح.

أما على المستوى الاجتماعي، فالمشهد أكثر قسوة.

الوظيفة ليست متاحة للجميع، والرواتب لا تواكب كلفة الحياة، والكهرباء العامة لا تزال عاجزة عن توفير ما يحتاجه المواطن، ما يبقي الاعتماد على المولدات الخاصة عبئاً إضافياً على الأسر. والحكومة تعرف ذلك.

بل إن وزارة الاقتصاد أعلنت تنفيذ أكثر من ١٥ ألف عملية تفتيش منذ بداية 2026 وحتى أواخر آب، مع أكثر من 900 شكوى وأكثر من 600 محضر مخالفة، شملت المواد الغذائية والسلع الأساسية والمولدات الخاصة وغيرها.

لكن الرقابة، مهما كانت ضرورية، لا تكفي وحدها.

لا تستطيع الدولة أن تلاحق كل متجر، وكل مولد، وكل تاجر، ثم تعتقد أنها عالجت أصل المشكلة.

المشكلة أعمق.

هناك اقتصاد ضعيف، منافسة غير كافية في قطاعات عدة، اعتماد كبير على الاستيراد، تقلبات في أسعار الطاقة والنقل والشحن، وهوامش يمكن أن تتسع في بعض الأسواق مستفيدة من الأزمات.

وهنا يفترض أن يكون دور الدولة أكبر من دور الشرطي.

الدولة لا يجب أن تصل بعد وقوع المشكلة فقط.

الدولة يجب أن تمنع البيئة التي تسمح بتكرارها.

وهذا يقودنا إلى السؤال السياسي الكبير.

ما الذي تفعله حكومة نواف سلام تحديداً لتغيير النموذج الذي أوصل لبنان إلى الانهيار؟

إذا كانت المشكلة هي الإدارة السيئة، فأين الإصلاح الإداري الجذري؟

إذا كانت المشكلة هي المالية العامة، فأين إعادة هيكلة الإنفاق؟

إذا كانت المشكلة هي الاقتصاد، فأين خطة الإنتاج؟

إذا كانت المشكلة هي فقدان الثقة، فأين الإجراءات التي تعيدها؟

وإذا كانت المشكلة هي عجز الدولة عن تمويل نفسها، فلماذا يبدو المواطن دائماً الهدف الأسهل؟

لا يكفي أن تقول الحكومة إنها تريد الإصلاح.

الإصلاح في بلد مثل لبنان ليس كلمة في بيان وزاري.

الإصلاح قرار مؤلم، يبدأ من الدولة قبل المواطن.

والحقيقة أن أخطر ما في هذه المرحلة ليس أن الحكومة قد تكون أخطأت.

كل الحكومات تخطئ.

الأخطر أن يشعر اللبناني بأنها لا تعرف أصلاً إلى أين تتجه.

في السياسة، غياب الرؤية يخلق ارتباكاً.

في الاقتصاد، غياب الرؤية يخلق خسائر.

في القضاء، غياب الرؤية يخلق فقداناً للثقة.

وفي الشأن الاجتماعي، غياب الرؤية يعني أن يدفع الأضعف الثمن.

وهنا تتجمع المشكلة في حكومة واحدة.

حكومة مطلوب منها أن تدير السياسة في بلد شديد الحساسية، والاقتصاد في بلد مفلس، والمال العام في بلد يعاني أزمة ثقة، والشأن الاجتماعي في بلد تآكلت فيه الطبقة الوسطى، والقضاء في بلد أصبحت فيه العدالة نفسها موضع سؤال دائم.

هذه ليست مهمة حكومة عادية.

ولهذا كان يجب أن تكون المعايير أعلى، لا أقل.

ربما كان أسهل على حكومة نواف سلام أن تقول إنها ورثت كل شيء.

ورثت الدين.

ورثت الانهيار.

ورثت المصارف.

ورثت الليرة.

ورثت الفقر.

ورثت الكهرباء.

وكل ذلك صحيح.

لكنها ورثت أيضاً فرصة تاريخية.

فرصة أن تقول للبنانيين: لن نكرر ما فعلته الحكومات السابقة.

وهنا تحديداً سيكون الحساب.

فالحكومة التي تأتي بعد الانهيار لا تُقاس بما فعلته الحكومات التي سبقتها، بل بما فعلته هي لمنع تكرار الانهيار.

إذا كانت الحكومات السابقة قد أوصلت لبنان إلى الحائط، فإن حكومة نواف سلام مطالبة بأن تفتح الباب.

لا أن ترسم على الحائط ضريبة جديدة.

لقد دفع اللبناني كثيراً. دفع من ودائعه، من راتبه، من قيمة عمله، من صحته، من تعليم أولاده، ودفع من أعصابه ووقته وكرامته وهو يركض خلف أبسط معاملة في دولة يفترض أن تكون في خدمته.

ولذلك فإن أي حكومة تأتي اليوم مطالبة بأن تتعامل معه لا كخزينة متنقلة، بل كمواطن له حقوق.

الموازنة ليست مجرد أرقام.

والضريبة ليست مجرد رقم في جدول.

والإنفاق العام ليس مجرد بند محاسبي.

كل رقم له وجه.

وراء الـ 329,02 تريليون ليرة رواتب ومنافع هناك موظفون وعسكريون ومتقاعدون.

وراء الـ  528,223  تريليون ليرة إيرادات ضريبية هناك ملايين العمليات التي يدفع ثمنها الناس.

وراء الـ  205,666 تريليون ليرة من ضريبة القيمة المضافة هناك مستهلك يشتري حاجاته اليومية.

وراء كل دولار لا يدخل إلى الخزينة من مورد عام ضائع، فرصة ضائعة على الدولة والمواطن معاً.

هذه هي السياسة عندما تتحول الأرقام إلى حياة يومية.

لهذا كله، لا أعتقد أن وصف حكومة نواف سلام بأنها «أسوأ حكومة في تاريخ لبنان» يجب أن يُترك في خانة الشعارات.

يمكن مناقشته، رفضه او حتى الدفاع عن الحكومة.

لكن لا يمكن تجاهل الأسئلة التي تفرض نفسها.

ماذا تحقق من الوعود؟

ما الذي تغير في حياة المواطن؟

أين الإصلاح؟

أين الاستثمار؟

أين النمو؟

أين الموارد البديلة؟

أين وقف الهدر؟

أين الإدارة الأكثر كفاءة؟

وأين الدولة التي يفترض أن يشعر اللبناني بأنها تحميه بدلاً من أن تلاحقه في جيبه؟

حتى الآن، الصورة ليست مطمئنة.

بل إن المفارقة المؤلمة أن اللبناني الذي خسر جزءاً كبيراً من أمواله بسبب الانهيار المالي، يجد نفسه اليوم أمام دولة تحتاج إلى مزيد من المال، وأمام موازنة تعتمد بصورة كبيرة على الضرائب غير المباشرة والاستهلاك.

وكأن القصة لم تنتهِ عند الودائع.

بعدما أُخذ من اللبناني ما كان في المصرف، يأتي الدور على ما تبقى في جيبه.

وهنا تحديداً يجب أن تتوقف الحكومة.

لأن جيب اللبناني ليس صندوقاً احتياطياً للخزينة.

والمواطن ليس ماكينة ضرائب.

والدولة التي تريد استعادة ثقة شعبها لا تبدأ من السؤال: كم نستطيع أن نأخذ منه؟

بل من السؤال الأصعب والأكثر عدالة:

كم نستطيع أن نوفر له؟

وهذا هو الامتحان الحقيقي لحكومة نواف سلام.

حتى الآن، وفي ضوء ما يراه اللبناني في يومياته، وفي ضوء الأرقام التي تقدمها موازنة 2027، يبدو أن الحكومة لم تنجح في تقديم الإجابة.

وربما لهذا السبب تحديداً، يتزايد الاقتناع بأنها ليست مجرد حكومة عجزت عن تحقيق وعودها.

بل حكومة جاءت في أسوأ مرحلة من تاريخ لبنان، وكان يفترض أن تكون الأفضل لمواجهتها.

فإذا عجزت عن ذلك، فمن حق اللبناني أن يسأل:

ماذا بقي كي نقول إن هذه الحكومة – حكومة نواف سلام هي الأسوأ منذ الطائف حتى اليوم؟ حكومة لا تملك رؤية سياسية ولا اقتصادية ولا اجتماعية ولا قانونية، حكومة لا يهمها إلا الإذعان لطلبات الخارج والعمل على تفتيت ما تبقى من السلم الأهلي والعيش المشترك، لا بل اكثر من ذلك حكومة تعمل على تدمير ما تبقى من لبنان.

https://anbaaexpress.ma/6v0re

داني م. الأمين

صحفي لبناني ومستشار علاقات عامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى