حين سُئلت سيلين ديون عن فيروز، وأجابت بأنها لا تعرفها، بدا الجواب بالنسبة إليّ أكثر من مجرد فجوة عابرة في المعرفة الموسيقية، ليس لأن على كل فنان غربي أن يعرف جميع رموز الغناء العربي، بل لأن الاسم هنا هو فيروز، التي تجاوز حضورها منذ زمن حدود الأغنية لتصبح جزءاً من الذاكرة اليومية العربية، حتى يصعب على المرء أن يتصور أن نجمة أمضت حياتها في الموسيقى، وكانت متزوجة من رينيه أنجيليل، الكندي المنحدر من أصول شامية، سورية ولبنانية، لم يمر بها هذا الاسم ولو مرة واحدة.
يزداد استغرابي، لأنني أعمل في العاصمة الفرنسية، وخلفي صورة صغيرة لفيروز، لا لوحة ضخمة تستدعي الانتباه، ومع ذلك أكاد أجزم أن أغلب الفرنسيين وغيرهم من الجنسيات الذين تقع أعينهم عليها يعرفون صاحبة ذلك الوجه، وكثيراً ما يسألونني للتأكد. أهذه فيروز؟ فأجيب بالإيجاب.
فكيف يتعرف أشخاص عاديون في باريس إلى صورتها، بينما تقول إحدى أشهر مغنيات العالم إنها لا تعرفها؟ المسألة هنا لا تستحق شتيمة سيلين ديون ولا الانتقاص من موهبتها، لكنها تستحق أن تسمى باسمها. جهل ثقافي يثير الدهشة، ويكشف في الوقت ذاته شيئاً من طبيعة المركزية الغربية التي اعتادت أن تقدم ما تعرفه بوصفه «العالم»، بينما تستطيع أن تجهل عوالم كاملة من دون أن تشعر بأن شيئاً ينقص معرفتها.
نحن نعرف سيلين ديون، كما نعرف عشرات المغنين والممثلين والكتاب الغربيين، لأن الثقافة الغربية امتلكت منذ عقود آلة هائلة تجعل رموزها رموزاً عالمية: شركات إنتاج وتوزيع وإعلان، وإذاعات وتلفزيونات وسينما وأسواق مفتوحة، تستطيع جميعها أن تحمل أغنية من استوديو في نيويورك أو باريس إلى أقصى الأرض.
ولا ينتقص ذلك من موهبة سيلين ديون، فهي صاحبة صوت استثنائي ومسيرة فنية ضخمة، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً: كم من «العالمية» هو موهبة، وكم منها صناعة وتوزيع وسلطة ثقافية واقتصادية؟.
أما فيروز، فجاءت من بلد صغير، ومن لغة لا تمتلك إمبراطوريات التوزيع التي تمتلكها الإنكليزية، ومع ذلك استطاعت أن تفعل ما هو أصعب من بيع ملايين الأسطوانات.
أن تتحول إلى عادة وجدانية لشعوب كاملة. لا يحتاج العربي إلى البحث عن فيروز، لأنها تأتي إليه مع الصباح من الراديو والسيارة والمقهى والبيت، وقد بقي صوتها يفعل ذلك جيلاً بعد جيل، فيما تتغير الأسواق والأذواق والنجوم. وهنا تكمن خصوصيتها، فنحن لا نتحدث فقط عن مطربة ناجحة، بل عن صوت أصبح جزءاً من توقيت الحياة العربية.
قد يسمع الملايين سيلين ديون حين يريدون الاستماع إلى أغانيها، أما فيروز فنسمعها أحياناً من دون أن نقرر ذلك، لأنها تسكن صباحنا أصلاً.
وهذا هو الفارق بين الشهرة وبين الذاكرة، فالشهرة تستطيع الصناعة أن تضخمها، أما أن يصبح صوت إنسان رفيق القهوة والطريق والحب والغربة، وأن يحمله المهاجر معه إلى باريس ومونتريال وسيدني كما يحمل صور أهله وذكريات بيته، فهذه منزلة لا تمنحها شركة إنتاج، ولا تصنعها حملة إعلانية.
بالطبع لم تولد تجربة فيروز الفنية في فراغ، وراءها عاصي ومنصور الرحباني، ثم زياد الرحباني، وموسيقيون وشعراء وعازفون وإذاعات ومسارح وتسجيلات صنعت مشروعاً فنياً استثنائياً، غير أن كل هذه العناصر لا تفسر وحدها ذلك السر الذي جعل الصوت يبقى بعدما تبدلت أجيال كاملة.
ثمة شيء في صوت فيروز يسبق الصناعة ويبقى بعدها، شيء لا يستطيع مهندس صوت أن يصنعه ولا شركة أن تشتريه، وأجد أن العبارة الأبسط والأصدق لوصفه أنه هبة من الله.
ولذلك لا أرى أن جهل سيلين ديون بفيروز ينتقص من فيروز في شيء، بل يكشف حدود فكرة «العالمية» نفسها، فنحن تعودنا أن يكون الفنان الغربي عالمياً بمجرد أن تصل إليه آلة الصناعة الغربية، بينما يبقى الفنان الآتي من ثقافة أخرى مطالباً بالحصول على اعتراف المركز لكي يمنح هذه الصفة.
ولكن هل يصبح المتنبي أقل شعراً، لأن ملايين الغربيين لم يقرأوه؟ وهل تصبح فيروز أقل عظمة، لأن سيلين ديون لم تسمع بها؟ إن الجهل بالعظيم لا يصغّر العظيم، بل يصغّر مساحة العالم لدى من يجهله.
حين أنظر إلى صورة فيروز الصغيرة خلفي في باريس، وإلى الفرنسي الذي يتوقف أمامها، ويسألني إن كانت هي، تبدو المفارقة مكتملة. امرأة خرج صوتها من لبنان الصغير، وحمل معه بيروت والقدس والحب والقرية والجبل والحنين، استطاعت أن تعبر الحدود من دون أن تنتظر شهادة من صناعة الموسيقى الغربية، ثم يأتي من قلب تلك الصناعة من يقول إنه لا يعرفها.
لسيلين ديون صوتها العظيم ونجوميتها ومبيعاتها ومسارحها، ولا حاجة إلى إنكار شيء من ذلك، لكن فيروز بلغت مكاناً آخر لا تقيسه أرقام المبيعات، لقد أصبحت جزءاً من حياة الناس وذاكرتهم، وحين يبلغ الفنان هذه المرتبة يصبح السؤال عمن يعرفه أقل أهمية من السؤال عمن يسكنه.
سيلين ديون نجمة عالمية صنعت موهبتها جانباً كبيراً من مجدها، وحملتها صناعة موسيقية هائلة إلى بقية العالم، أما فيروز فقد حملها صوتها إلى مكان أبعد من السوق والشهرة والجوائز، إلى صباحات الناس وبيوتهم وذاكرتهم.
ولهذا، إن كانت سيلين ديون لا تعرف فيروز، فذلك جهل بما كان يستحق أن يُعرف، أما فيروز فلا تحتاج إلى أن تعرفها سيلين ديون كي تكون فيروز، يكفي أنها، منذ عقود، “هبة من الله وصلاتنا الصباحية”.




