آراء
أخر الأخبار

الحملة الانتخابية ومنطق التسويق السياسي: بضاعة الوعود وضمانات ما بعد البيع

ما إن تفتح الحملة الانتخابية أبوابها حتى تتبدل ملامح السياسة، فتغدو الساحات والشاشات والأسواق فضاء واسعا لعرض البضائع الحزبية.

يخرج كل فريق بما في جعبته، ويدلي كل بدلوه، لا طلبا للماء وحده، بل سعيا إلى إقناع الناس بأن إناءه أصفى، وحبله أطول، ووعده أقرب إلى قاع الحاجة.

تتزاحم الصور والألوان والخطب، ويعاد طلاء الواجهات القديمة، حتى يبدو المشهد كأنه معرض كبير لمنتجات تتنافس على عين المواطن قبل أن تتنافس على عقله.

لا عيب في أن يقدم الحزب نفسه بأفضل صورة، فالسياسة تحتاج إلى الإقناع، والبرنامج يحتاج إلى شرح، والمرشح مطالب بأن يعرفه الناس.

غير أن الخلل يبدأ عندما تصبح الزينة بديلا عن الجودة، ويتحول الخطاب إلى غلاف لامع يخفي سلعة مجهولة المصدر والصلاحية.

عندها تكثر العبارات الرنانة، وتتسع الوعود حتى تشمل كل بيت وقرية ومهنة، بينما تضيق التفاصيل كلما سأل المواطن عن الكلفة والمدة والوسائل والجهة المسؤولة عن التنفيذ.

يشبه بعض المتنافسين تاجرا يمدح بضاعته قبل البيع، فيقسم أنها الأجود والأصلح والأبقى. يلين صوته، ويحسن الاستقبال، ويصغي إلى الشكوى، ويعد المشتري بخدمة لا تنقطع.

لكن ما إن تتم الصفقة حتى يختفي البائع، أو يتنصل من كلامه، أو يلقي باللوم على السوق والطقس والمورد والزبون. وحين يعود المواطن محتجا، يجد لافتة غير مكتوبة تقول إن البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل إلا بعد خمسة أعوام.

هذه الصورة الساخرة ليست حكما على الجميع، لكنها تكشف مرضا مزمنا في علاقتنا بالاستحقاقات: الاهتمام بلحظة الاختيار وإهمال ما يليها.

فالديمقراطية لا تكتمل بوضع الورقة داخل الصندوق، وإنما تبدأ منها. والتصويت ليس تفويضا مفتوحا، بل عقد ثقة محدد المدة، يفترض أن تصاحبه مراقبة ومساءلة وحق دائم في طلب الحصيلة. من نال المقعد لم يشتر صمت الناس، بل اقترض أصواتهم، والقرض السياسي يستحق بالسلوك والإنجاز.

لهذا ينبغي للناخب أن يتعامل مع العروض بعين المشتري الخبير. لا يسأل فقط: ماذا تعدون؟ بل يسأل أيضا: من سينفذ؟ وبأي موارد؟ وفي أي أجل؟ وما الأولويات إذا تعارضت المطالب؟ ثم يعود إلى سجل المرشح وحزبه، فيقارن بين القول والممارسة، وبين الحضور الموسمي والعمل المتواصل. فالصور الجميلة لا تصلح دليلا على النزاهة، وكثرة المنشورات لا تعوض نقص الكفاءة، والحماس فوق المنصة لا يثبت القدرة على التدبير.

كما أن المقارنة الجادة لا تعني انتظار وصفة سحرية تمحو المشكلات. العرض المحترم هو الذي يرتب الحاجات، ويعلن حدود الممكن، ويحدد ما يمكن إنجازه وما يحتاج إلى زمن أطول.

أما من يوزع الحلول بلا أرقام، ويعد كل فئة بما تشتهي، فإنه لا يقدم سياسة، بل يبيع أوهاما بالتقسيط. والصدق هنا قيمة من السخاء اللفظي، لأن المجتمع يستطيع احتمال طريق طويل واضح المعالم، لكنه يفقد ثقته عندما يكتشف أن الخريطة التي اشتراها لم تكن تقود إلى مكان. كما ينبغي أن تكون البرامج قابلة للقياس، حتى يعرف الناس بعد سنة مقدار التقدم والتعثر وأسباب التأخير.

وتتحمل التنظيمات السياسية مسؤولية تتجاوز جمع الأصوات. وظيفتها أن تربي الكفاءات على العمل العام، وأن تمنح الطريق لمن يملك المعرفة والاستقامة، لا لمن يتقن الحسابات الضيقة أو يملك وسائل الدعاية.

عندما يتحول الترشيح إلى بحث عن اسم قادر على الفوز بأي وسيلة، يصبح المجلس صورة لموازين النفوذ، لا مرآة لمطالب المجتمع. أما حين يكون الاختيار ثمرة إعداد طويل، فإن المواطن يجد أمامه شخصا يعرف الملفات قبل أن يحفظ الهتافات.

ومع ذلك، لا يصلح الغضب ذريعة للابتعاد. فترك الصندوق فارغا لا يعاقب الرديئين، بل يمنح الأكثر تنظيما قدرة أكبر على تقرير النتيجة.

المشاركة الواعية تقلل أثر المال والعصبية، وتدفع الأحزاب إلى تحسين عروضها، لأن السوق السياسية لا تتغير ما دام المشتري يقبل السلعة بلا فحص أو ينسحب تاركا غيره يختار عنه.

الحملة فرصة لسماع الجميع، لكنها أيضا امتحان لذاكرة المواطن. عليه أن يحتفظ بالفواتير الرمزية لكل وعد، وأن يقارنها بما يتحقق بعد انطفاء الأضواء.

يومها لن يعود المنتخب قادرا على التنكر لما باعه، ولن يبقى الصوت هدية موسمية. فالاقتراع الناضج لا يشتري الأمل مغلفا، بل يضع الثقة تحت الضمان، ويجعل المقعد مسؤولية قابلة للمحاسبة.

https://anbaaexpress.ma/efm6q

منير لكماني

مهندس مدني خبير في الإنشاءات والطاقة كاتب مغربي من ألمانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى