لا شك أن الانتخابات لها أجواءها الخاصة التي قد تبرّر نسبياً بعض التراشق الحزبي والخطابات النارية لإضعاف المنافسين وكسب المؤيدين وإظهار الغيرة على الوطن وإرادة الإصلاح. لكن بعض الخطابات قد تتجاوز الحدود المسموح بها.
وفي هذا الإطار، وعندما استُدعي المرشح مصطفى الإبراهيمي عن حزب العدالة والتنمية، من طرف النيابة العامة على خلفية تصريحه في تجمع حزبي حول انتخابات 2021 والسياسيين المتابعين بسبب المخدرات، عبّرت حينها للأصدقاء في الحزب وغيرهم الذين رأوا في الإجراء تضييقا، بأن هذا الإجراء كان ضرورياً ورسالة حاسمة للجميع من أجل تحصين المشهد الانتخابي وضبط حرارة التنافس الانتخابي.
لكن عندما ينتقل الأمر إلى تصريحات يقينية تصدر عن مسؤولين حزبيين ومرشحين، كحال المرشح العربي المحرشي عن حزب الأصالة والمعاصرة، تؤكد علانية وجود مرشحين من تجار المخدرات ومحميين من جهات ما، فإننا نكون أمام منعطف بالغ الخطورة يهدد الأمن الأخلاقي والمؤسساتي للبلاد.
إن تصريح المحرشي في حوار صحفي لم يكن تلميحا أو تحذيرا، بل جاء أكثر وضوحاً وصراحة في توجيه الاتهام ودون أي حاجة لتأويل.
تحدث عن “مرشحين يتاجرون في المخدرات ويحظون بالحماية” حسب قوله. هنا وجب الحسم من الأحزاب والدولة.
وتبرز في المقام الأول المسؤولية التاريخية والأخلاقية للأحزاب السياسية، فهي ليست مجرد دكاكين انتخابية تمنح التزكيات لمن هب ودب، بل هي في الأصل مدارس لاختيار النخبة وتأطير وتوعية المواطنين وحماية المشهد السياسي وضبط بوصلة مناضليها ومرشحيها.
فمن غير المقبول أن يعلم سياسي بوجود شبكات مخدرات داخل المشهد الانتخابي ويقتصر دوره على إطلاق الكلام.
بل وجب إخضاعه لتحقيق جاد داخل مؤسسات حزبه أولاً، وتحميله كامل المسؤولية لتقديم أدلته للجهات المختصة أو تحمل تبعات ذلك، فضلاً عن تطهير آليات اختيار وترشيح الأسماء والقطع نهائياً مع منطق “المقعد بأي ثمن” ولو بالمال المشبوه، والقطع أيضا مع الخطابات بدون ضابط والوعود بدون التزام.
أما الدولة، فهي تقف بمؤسساتها السيادية أمام مسؤوليات جسيمة ومتعددة المستويات تتجاوز البعد الأمني المحض، في محاربة شبكات الجريمة وتجفيف منابع السموم، وهي تقدم في ذلك إنجازات عظيمة.
واليوم هي مدعوة إلى التحقيق في هذه التصريحات وتتبع خيوطها إلى أن تصل إلى أحد أمرين. إما نفي ماجاء في التصريح، مما يوجب زجر ومحاسبة صاحبه، وإما تأكيد الوقائع مما يوجب الاعتقال والمنع من الترشيح ومحاسبة الأحزاب المعنية.
وجب أن يكون ذلك منهجا ثابتا لضمان حق وحرية التعبير والتنافس الشريف والخطاب المتوازن والممارسات الرشيدة والمؤسسات المحصنة.
ذلك أن المسؤولية كبيرة في حماية سمعة البلاد ومكتسباتها من استغلال مثل هذه التصريحات من طرف خصوم المملكة للتحريض عليها والطعن في مؤسساتها والتشكيك في أجهزتها الأمنية.
كما تقع على عاتق الجهات المختصة مسؤولية وقائية صارمة تتمثل في تتبع مسارات تمويل الحملات الانتخابية، واقتفاء أثر الأموال المشبوهة، ومحاربة مظاهر التبخيس والإحباط وتعميق اليأس التي تتسرب إلى نفوس فئات واسعة من المواطنين جراء هذه الاتهامات، لصون نظافة الاستحقاقات باعتبارها الخط الدفاعي الأول عن استقرار الوطن وهيبة مؤسساته.
إن الوطن أغلى بكثير من كل المقاعد والمواقع، وحرام كل الحرمة على قادة الأحزاب، ممن أقسموا أمام جلالة الملك، وقدموا الولاء، ووضعت الدولة ثقتها فيهم لتحمل أمانة المسؤولية، أن يقدموا مرشحين لا يستحقون، ممن يفسدون العقول والأخلاق والمؤسسات والشباب والأسر.
إن من يقترف ذلك يخون الوطن، ومن يعرف الحقيقة ويسكت عنها ولا يُبلغ الدولة ولا حزبه يخون الوطن أيضاً. وأي مسؤول يُثبت التحقيق تسترَه أو تقاعسه بعد كشف تجار المخدرات والمفسدين ولم يتخذ في حقهم شيئاً، فهو يخون الوطن أكثر.
إن خطورة وصول تجار المخدرات وشبكات الجريمة المنظمة إلى قبة البرلمان ومؤسسات الدولة لا تقتصر على تلويث المشهد السياسي فحسب، بل تمتد لتشكل ضربة قاصمة لجوهر المغرب الصاعد ومستقبل البلاد.
من هنا، فإن أي تهاون أو تساهل في الضرب من حديد على أيدي هؤلاء العابثين ومن يقف خلفهم لا يمكن اعتباره إلا خيانة وتهديداً خطيراً للمملكة، وأمنها واستقرارها، ومستقبل أجيالها.
إن بناء مغرب الحضارة والمؤسسات يتعارض جذرياً مع تحول المجالس المنتخبة إلى ملاذات آمنة للجريمة المنظمة.
فالسياسة، في أصلها النبيل، وُجدت لخدمة المواطن وليست «مغسلة للأموال» أو درعاً للمصالح المشبوهة. هذا الوضع يستدعي يقظة جماعية صارمة لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة دون استثناء.
إن التهاون في تطهير المشهد السياسي من دنس أموال المخدرات وشبكات هذه الجريمة المنظمة يمثل خيانة صريحة لأمانة الوطن واستقرار مؤسساته.
فبين المسؤولية التاريخية للأحزاب في قطع الدابر مع «الشكارة الفاسدة» والتزكيات العمياء، والواجب السيادي للدولة في حماية نزاهة الاستحقاقات وملاحقة المتقاعسين، تتحدد مناعة المغرب ومستقبله.
فالوطن يستحق الأفضل دائماً، والدولة بحاجة ماسة إلى الأقوياء النزهاء داخل مؤسساتها، والمجتمع يترقب مناضليه الأوفياء لحراسة قيمه وحماية إرادته.
والرسالة قاطعة ولا تحتمل التأويل أو التردد: الأمر جد لا ينفع فيه إلا الجد.
نسأل الله الأمن والأمان لوطننا، وأن يسخر له خير الخلق وخير المرشحين وخير المدبرين، وأن يبعد عنه شر الخلق وشر المرشحين وشر المدبرين.. “ربنا اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من الثمرات” أمين.




