على غفلة، وربَّما حتى دون أن أعرف، تَوَفّيت البارحة عن عمرٍ يُناهز.. لا أتَذَكَّر!
الطبيعي في الأمر أنني حضرت الجنازة، والغريب أنني لن أتمكن هذه المرَّة من البُكاء رغم أن رَهبَة موتي كانت شديدة لدرجة أنني قررت بعدها مقاطعة زيارة بيوت العـزاء.
والدتي تبكي بطريقة جعلتني أعتقد أنها تُقَشّـر سبع بصلات على روحي الطاهرة، أُدرك أن الانفعال ليس في صالحها، آمل أن تكون عَمِلَت بنصيحتي واحتفظت بحبة ‘سنكرز’ لتسعفها بعد انخفاض منسوب السُّكر في دمها لحظة انخفاضي دون مستوى سطح الأرض.!
والدي لا يريد أن يُصدّق ما جرى، قبل الدفن بنصف ساعة، كان يقترب كلّ خمس دقائق منّي، يَشُمّني، يصرخُ في وجهي، منادياً اسمي في محاولة أخيرة لإيقاظي، كنتُ أسمعه جيداً ولا أَرُد.. ربَّما هي المرَّة الوحيدة التي كُنتُ فيها خبيثاً دون قصـد.!
أحدهُم كان يتسلق على بطني ويضحك، تبيَّن لي لاحقاً أنه أحد أولادي، كان يعتقد أنني أُمازحه وهو لا يدري أن دوري في اللعبة قد انتهى!
أخي الكبير، ربّما لن يكون أمامه متسع للحزن إلا بعد بضع ساعات، أو لحظة استراق نَفَس سيجارة أمام المسجد وهُمْ يُصَلّون عليَّ صلاة الوداع، كان الله في عونه؛ فهو مشغول بالترتيبات اللوجستية للدفن، وتجهيز التَّمر وفتحة القبـر، وإلى آخره، وإلى الآخرة بالـدّور.!
شقيقتي الآن في مِحوَر نقاش هادئ، تُحَدّثُ فيه أقاربي والأصدقاء عن مناقب الفقيد، وأنهُ كان يمزح كثيراً حتى بعد أن مات تركَ لنا هذه الرسالة.!
البعض يسأل عن زوجتي، هي حتى هذه اللحظة في غرفة العناية المركَّزَة، آمل أن يكفيها مصروف هذا الشهر، وأن تكون قد اصطحبت معها دفتر التأمين الصحّي الذي كُنتُ أحرصُ دائماً على وضعه في محفظة الهوية التي حرصت طوال حياتي على وضعها هي الأخرى في جيب مؤخرتي الأيمن.!
قبل وفاتي بقليل كنت أستوعب أهمية ومعنى أن تَحمل هوية في وطن محتل، أما في بقيةِ وطنٍ مقسوم فكاف.. سين.. شين.. صاد.. ضاد.. ضاعت هويَّتـي.!
المهم في اليوم الثالث لآخرتي كان النِّقاش أكثر سخونة من صحن الرّز الذي يتناوله الحضور على روحي، أحدهُم ممتعض من عدم استواء اللحم وآخر يسأل بعد تعقيب.. للأمانة الأكل فخم، صحيح الرُّز مالح شويّ، بس الجنازة مرتَّبه.. الله يرحمه، من وين جايبين الأكل.!
كنت عند تناولي طعام عزاء أحدهم أُحَدِّث نفسي ‘بس لو إنهم جايبين كولا كان الواحد هَضَّـم.!’
ما جرى في جنازتي كان أقل من عادي وأكثر من طبيعي، لم تُرفع الأعلام الحزبيّة في بيت العزاء؛ ربّما لأن الموت لا يعترف بالألوان، ولا راية تعلو فوق راية الكفن.!
البقيَّـة في حَياتِكُـمْ.
لروح الأخ والصديق الشهيد أ.محمد فوّاز الوحيدي ‘أبو صهيب’ الرحمة والسّلام




