القراءة التي تختزل الخطوة الروسية في “دعم” مباشر للجبهة تبدو تبسيطية أكثر مما ينبغي، فموسكو لا تتحرك بمنطق الاصطفاف الحاد في هذا الملف بقدر ما تدير شبكة توازنات معقدة، عنوانها الأبرز الحفاظ على موقعها داخل مجلس الأمن الدولي كفاعل قادر على المناورة، لا كطرف منحاز يحرق أوراقه مبكراً.
أول ما يلفت في هذا التحرك هو عامل التوقيت: اللقاء يأتي قبيل محطة أممية حساسة مرتبطة ببعثة “المينورسو”، أي في لحظة يُعاد فيها تقييم أدوات إدارة النزاع وليس فقط مضمونه.
في مثل هذه اللحظات، تحرص القوى الكبرى على إبقاء قنواتها مفتوحة مع جميع الأطراف، ليس دعماً لها بالضرورة، بل لضمان حضورها في أي صيغة تسوية محتملة.
من هذا المنظور، يمكن فهم استقبال وفد “البوليساريو” كرسالة مفادها أن موسكو لا تزال “داخل اللعبة”، حتى وإن كانت قواعدها قد تغيرت.
لكن ما تغيّر فعلاً ليس فقط سلوك روسيا، بل البيئة الدولية نفسها، خلال السنوات الأخيرة، حدث تحول تدريجي في مقاربة النزاع داخل العواصم المؤثرة، حيث انتقل النقاش من منطق “تقرير المصير الكلاسيكي” إلى منطق “الحل الواقعي القابل للتطبيق”، وهو ما يصب بشكل مباشر في مصلحة الطرح المغربي.
هذا التحول تُرجم داخل قرارات مجلس الأمن، التي أصبحت تؤكد على مفاهيم مثل الواقعية والاستدامة والتوافق، بدل إعادة إنتاج صيغ مرجعية لم تعد قابلة للتنفيذ.
في هذا السياق، تبدو موسكو أمام معادلة دقيقة:
من جهة، لا تريد خسارة الجزائر، شريكها التقليدي في مجالات الطاقة والتسليح.
ومن جهة أخرى، لا تستطيع تجاهل الانفتاح الاقتصادي والسياسي المتنامي مع الرباط، ولا التحولات داخل المنظومة الغربية التي باتت تميل بشكل أوضح نحو دعم مبادرة الحكم الذاتي.
لذلك، فإن السلوك الروسي يتجه نحو الحياد المرن: لا دعم صريح للانفصال، ولا انخراط كامل في الطرح المغربي، بل تموقع في منطقة وسطى تسمح بالتحرك حسب موازين القوى.
الأهم من ذلك هو أن هذا اللقاء يعكس أزمة أعمق لدى “البوليساريو” نفسها. فالتوجه نحو موسكو ليس جديداً، لكنه اليوم يأتي في سياق انكماش الخيارات: تراجع الدعم داخل بعض الدوائر الأوروبية، محدودية التأثير داخل واشنطن، وتحول الخطاب الأممي.
بمعنى آخر، اللجوء إلى روسيا لم يعد ورقة قوة بقدر ما هو محاولة لتعويض فقدان الزخم في ساحات أخرى.
من زاوية استراتيجية أوسع، يمكن قراءة الخطوة ضمن ما يمكن تسميته “دبلوماسية التوازن المؤقت”:
روسيا لا تسعى إلى تغيير قواعد اللعبة، بل إلى منع حسمها الكامل لصالح طرف واحد، لأن الحسم يعني فقدان ورقة نفوذ.
لهذا، فإن إبقاء النزاع في حالة “تعليق مُدار” يخدم، جزئياً، مصالح القوى الكبرى التي تستثمر في مناطق الرمادية.
لكن هذه المقاربة تصطدم اليوم بواقع جديد:
تراكم الاعترافات الدولية بالمقترح المغربي، وتزايد الربط بين الحل السياسي والاستقرار الإقليمي، إضافة إلى التحولات الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة والتجارة، كلها عوامل تدفع نحو تقليص مساحة الغموض التي كانت تستفيد منها الأطراف المناورة.
الخلاصة أن استقبال “البوليساريو” في موسكو لا يمكن قراءته كتحول نوعي في الموقف الروسي، بقدر ما هو إعادة تموضع تكتيكي داخل لعبة دولية تتغير قواعدها بسرعة.
فروسيا تحاول أن تبقى لاعباً ضرورياً في الملف، بينما تشير المؤشرات إلى أن مركز الثقل في الحل يتجه تدريجياً نحو مقاربات أكثر واقعية، حيث لم يعد السؤال: “من يملك الشرعية التاريخية؟” بل “من يملك الحل القابل للتنفيذ؟”.




