آراء
أخر الأخبار

وطن.. بلا ذاكرة

بعد نهاية الحرب، طُويت صفحات ثقيلة تحت عنوان “المصالحة”

لبنان ليس فقط بلد الأزمات المتكرّرة، بل بلد النسيان المنهجي. هنا، لا تتحوّل الكوارث إلى محاسبة، بل إلى ذكريات باهتة تُطوى بسرعة، وكأن الزمن السياسي مصمّم لمحو الصدمات بدل البناء عليها.

من الحرب الأهلية إلى الانهيار المالي، مرورًا بمحطات مفصلية كان يفترض أن تؤسس لعدالة أو تغيير، بقي الثابت الوحيد: لا أحد يُحاسَب.

ليست المسألة مجرد تقصير مؤسساتي، بل ثقافة متجذّرة. اللبناني، تحت وطأة الخوف أو التكيّف أو الإرهاق، طوّر قدرة استثنائية على التعايش مع ما لا يُحتمل.

تتحوّل الفضيحة إلى نكتة، والجريمة إلى خبر عابر، والكارثة إلى “حادثة مؤسفة” سرعان ما تُستبدل بغيرها. هكذا، يصبح النسيان آلية بقاء… لكنه أيضًا آلية تواطؤ غير معلن.

بعد نهاية الحرب، طُويت صفحات ثقيلة تحت عنوان “المصالحة”، لكن من دون مساءلة فعلية. ملف العمالة مع العدو مثال صارخ: عوضا عن مقاربة قضائية واضحة تضع حدودًا فاصلة بين الخيانة والمحاسبة، جاءت المعالجات ملتبسة، متفاوتة، وفي كثير من الأحيان خجولة.

النتيجة اليوم ليست فقط ذاكرة مثقوبة، بل جرأة متزايدة لدى البعض في التطبيع مع فكرة العمالة نفسها، وكأنها لم تعد وصمة، بل خيارًا قابلاً للنقاش.

في السياسة، المشهد أكثر فجاجة. لم يشهد لبنان محاسبة حقيقية لمسؤول كبير في قضايا فساد بنيوي. كل الملفات  تُفتح إعلاميًا وتُقفل سياسيًا.

حتى في ذروة الانهيار المالي، تحوّلت قصة رياض سلامة إلى ما يشبه العرض الطويل: ملاحقات، تسريبات، استدعاءات، ثم ضباب كثيف. لا نهاية واضحة، ولا رسالة ردع. وكأن النظام يقول بصراحة: يمكنكم أن تعرفوا كل شيء، لكن لا يمكنكم أن تغيّروا شيئًا.

أما انفجار مرفأ بيروت، الحدث الذي كان يفترض أن يكون لحظة فاصلة، فقد لحق بسابقاته. غضب، دموع، شعارات، ثم تعطيل ممنهج للتحقيق، وتآكل تدريجي للضغط الشعبي. لم يُترجم حجم الجريمة إلى عدالة، بل إلى إحباط إضافي يرسّخ القناعة بأن الحقيقة نفسها قابلة للتأجيل إلى ما لا نهاية.

هكذا يتكرّس لبنان كـ“بلد النسيان”: ذاكرة جماعية قصيرة، ونظام طويل العمر. المشكلة ليست أن اللبناني ينسى بطبعه، بل أنه دُفع إلى النسيان كخيار وحيد للاستمرار.

لكن هذا الخيار، مهما بدا مريحًا على المدى القصير، يحمل كلفة متراكمة: دولة بلا مساءلة، ومجتمع بلا ثقة، ومستقبل يُعاد تدويره من أخطاء لم يُحاسَب عليها أحد.

https://anbaaexpress.ma/5lx4e

شادي منصور

كاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى