في كل مرة يواجه فيها لبنان خطر التصعيد أو شبح حرب جديدة، تسارع السلطة اللبنانية إلى تقديم نفسها على أنها صاحبة المبادرة وصانعة الحلول، وكأنها تمسك بخيوط اللعبة السياسية والأمنية وتدير مسار الأحداث بما يحفظ البلاد ويمنع انزلاقها إلى مواجهة مفتوحة.
إلا أن ما جرى خلال الأيام الأخيرة أعاد طرح السؤال نفسه الذي يرافق اللبنانيين منذ سنوات: هل ما تقوله السلطة عن دورها يعكس حقيقة ما يجري، أم أنه مجرد محاولة جديدة لتجميل العجز وتسويق الوهم؟
فمع تصاعد التهديدات الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية وبيروت في خطابها السياسي والإعلامي، خرجت مواقف رسمية وإعلامية قريبة من السلطة لتوحي بأن الاتصالات اللبنانية التي أجريت مع عواصم القرار نجحت في تحييد الضاحية ومنع وقوع ضربة إسرائيلية كانت وشيكة.
وسرعان ما تحولت هذه الرواية إلى مادة للتداول، وكأن الدولة اللبنانية استطاعت، عبر تحركها الدبلوماسي، فرض معادلة جديدة أو انتزاع ضمانات حالت دون تنفيذ التهديدات.
غير أن التمعن في الوقائع التي ظهرت تباعًا خلال الساعات والأيام التالية يكشف صورة مختلفة تمامًا.
فالمعلومات التي تسرّبت من أكثر من جهة، إضافة إلى التصريحات التي صدرت عن مسؤولين وقادة في دول معنية مباشرة بالملف، أظهرت أن المشهد كان أكثر تعقيدًا من أن يُختصر باتصال هنا أو رسالة هناك من مسؤول لبناني.
بل إن المعطيات المتداولة تشير إلى وجود شبكة واسعة من الاتصالات الإقليمية والدولية التي تحركت على أكثر من خط لمنع انفجار الوضع، في ظل إدراك الجميع أن أي خطأ في الحسابات قد يدفع المنطقة بأسرها نحو مواجهة لا يريدها أحد في هذه المرحلة، وخصوصًا بعد بيان مقر خاتم الأنبياء الذي أكد أن القوات الإيرانية سوف تتدخل عسكريًا وتستهدف مناطق واسعة في شمال فلسطين المحتلة ومواقع إسرائيلية إذا ما أقدم العدو على قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، الأمر الذي دفع إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى التحرك سريعًا والضغط على بنيامين نتنياهو لعدم جر المنطقة إلى تصعيد عسكري جديد.
كما برز الحديث عن دور اتصالات أجراها رئيس مجلس النواب نبيه بري مع جهات عربية فاعلة، بينها المملكة العربية السعودية ودولة قطر، في محاولة للمساهمة في احتواء التوتر.
إلا أن العنصر الأكثر إثارة للاهتمام جاء من واشنطن نفسها. فقد تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب علنًا عن اتصالات وصفها بالمثمرة مع أشخاص مقربين من حزب الله، في تصريح لم يمر مرور الكرام، لأنه كشف وجود قنوات تواصل ومسارات عمل لا تمر بالضرورة عبر المؤسسات الرسمية اللبنانية التي تحاول اليوم إقناع اللبنانيين بأنها كانت في قلب الحدث وصاحبة الدور الحاسم فيه.
وإذا كان من حق أي سلطة أن تسوّق لنفسها سياسيًا، فإن ما يثير الاستغراب هو أن معظم المعطيات التي خرجت إلى العلن لم تأتِ على ذكر أي دور محوري لرئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة في الاتصالات التي قيل إنها أسهمت في احتواء الموقف.
فالتصريحات الأميركية، والمعلومات المتداولة من جهات مختلفة، وحتى ما صدر عن أطراف لبنانية معنية مباشرة بالملف، لم تُظهر أن الرئاسة الأولى أو الثالثة كانتا تمسكان بمفاتيح الأزمة أو تديران مسارها.
ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالسلطة اللبنانية لا تكتفي في كثير من الأحيان بالمبالغة في توصيف دورها، بل تبدو وكأنها تحاول بناء رواية موازية للواقع. رواية تجعل من كل تطور إيجابي إنجازًا رسميًا، حتى عندما تكون الوقائع تشير إلى أن عوامل أخرى هي التي لعبت الدور الأساسي في صناعة ذلك التطور.
هذا السلوك ليس جديدًا على اللبنانيين. فمنذ أشهر طويلة اعتاد اللبنانيون الاستماع إلى وعود من السلطة لا تتحقق، وإلى إنجازات لا يلمسونها، وإلى انتصارات لا يرون آثارها في حياتهم اليومية. لكن الخطورة اليوم تكمن في أن هذا النهج يُمارس فيما البلاد تعيش واحدة من أكثر المراحل حساسية وخطورة منذ سنوات.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. فالمسألة لم تعد مجرد مبالغة سياسية أو محاولة لتسجيل نقاط إعلامية، بل تحولت إلى نهج قائم على صناعة أوهام وإنجازات لا وجود لها إلا في بيانات المسؤولين وتصريحاتهم.
فبينما تتكشف الوقائع تباعًا عن اتصالات ومساعٍ وقنوات تأثير لا علاقة للسلطة اللبنانية بمعظمها، يصر بعض المسؤولين على تقديم أنفسهم كأبطال نجحوا في منع التصعيد وحماية البلاد.
لكن أي سلطة هذه التي تتحدث عن نجاحات دبلوماسية فيما تتعرض أراضيها للقصف والتدمير والقتل بشكل يومي منذ أكثر من أربعة وتسعين يومًا؟ وقبلها نحو سنة ونصف السنة من الغارات والاغتيالات؟ وأي إنجاز يمكن الحديث عنه فيما يواصل العدو اعتداءاته متى شاء وأين شاء، مستهدفًا مناطق لبنانية مختلفة، فيما تكتفي الدولة ببيانات الاستنكار وانتظار نتائج اتصالات يجريها الآخرون؟
كيف يمكن لسلطة لم تستطع وقف العدوان، ولا فرض احترام سيادة بلادها، ولا حماية مواطنيها من القصف والاغتيال، أن تخرج لتوزع شهادات النجاح على نفسها؟ وكيف يمكن لمسؤولين يشاهدون يوميًا القرى والبلدات تتعرض للاعتداءات أن يقنعوا اللبنانيين بأن الأمور تحت السيطرة وأن الدبلوماسية اللبنانية حققت إنجازات استثنائية؟
إن السلطة التي تعجز عن حماية أرضها وشعبها، ثم تحاول نسب ما يجري إلى جهودها، لا تمارس السياسة بقدر ما تمارس تضليل الرأي العام. والأسوأ من ذلك أنها تبدو وكأنها صدّقت روايتها الخاصة، فباتت تتعامل مع الأمنيات على أنها حقائق، ومع التمنيات على أنها إنجازات.
اللبنانيون يعرفون جيدًا ما يجري. يعرفون أن موازين القوى التي تتحكم بالمنطقة أكبر من البيانات الرسمية. ويعرفون أيضًا أن الجهات التي تدخلت لمنع التصعيد ليست بالضرورة تلك التي تظهر أمام عدسات الكاميرات لتعلن انتصاراتها. لذلك لم يعد من السهل تسويق روايات لا تصمد أمام أول اختبار للوقائع.
وما يزيد من حجم المفارقة أن السلطة نفسها لا تخفي تشاؤمها حيال المسار الذي تدافع عنه. فعدد من المسؤولين اللبنانيين تحدثوا خلال الأشهر الماضية عن أن المفاوضات الجارية قد لا تفضي إلى نتائج ملموسة أو سريعة، لكنهم عادوا ليؤكدوا أنها “الخيار الأفضل” و”الطريق الوحيد المتاح”!.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو؛ كيف يمكن اعتبار مسار تعترف الجهات التي ترعاه بإمكان فشله أو محدودية نتائجه إنجازًا سياسيًا يستحق الاحتفاء؟
فالتفاوض، في أي تجربة سياسية أو دبلوماسية، يُقاس بنتائجه لا بمجرد انعقاده، وبقدرته على حماية الحقوق لا بمجرد إبقاء قنوات التواصل مفتوحة.
أما حين يتحول إلى غاية بحد ذاته، فيما تستمر الاعتداءات ويتواصل القصف وتتراجع قدرة الدولة على فرض أي معادلة ردع أو حماية، فإن الحديث عن نجاحات يصبح أقرب إلى محاولة الهروب من مواجهة الحقائق منه إلى توصيف واقعي لما يجري.
والأخطر أن هذا الخطاب الرسمي يضع اللبنانيين أمام معادلة ملتبسة، فمن جهة يُطلب منهم الثقة بأن الدولة تمسك بزمام الأمور وتحقق تقدمًا على المستوى الدبلوماسي، ومن جهة أخرى يُطلب منهم في الوقت نفسه تقبّل استمرار الاعتداءات والاغتيالات والقصف باعتبارها وقائع لا يمكن منعها.
وبين هذين الخطابين المتناقضين تضيع الحقيقة الأساسية، وهي أن نجاح أي سلطة لا يُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما يلمسه المواطن على أرض الواقع. فالدولة التي تعلن الإنجازات فيما مواطنوها يعيشون تحت التهديد اليومي، لا تقنع الناس بقوتها بقدر ما تدفعهم إلى التشكيك أكثر في صدقية روايتها.
في النهاية، ليست المشكلة في أن السلطة تحاول تحسين صورتها أمام الرأي العام، بل في أنها تفعل ذلك فيما لبنان يتعرض لعدوان مستمر، وفيما يدفع أهل الجنوب يوميًا ثمن هذا الواقع من أمنهم وأرزاقهم واستقرارهم.
وعندما تصبح الأكاذيب السياسية بديلًا من المصارحة، وعندما تتحول البيانات إلى ستار لإخفاء العجز، فإن الأزمة لا تعود فقط أزمة حرب أو تفاوض، بل تصبح أزمة سلطة فقدت صلتها بالواقع، وباتت تكذب على مواطنيها، وربما على نفسها أيضًا.




