طه رياضي
يقدّم القانون التنظيمي رقم 86.15 المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين باعتباره أحد أعمدة الإصلاح الدستوري الذي حمله دستور 2011، وخطوة متقدمة نحو إرساء عدالة دستورية منفتحة على المواطن. غير أن قراءة متأنية لمضامينه، خاصة عند التطبيق، تكشف أن هذا النص لم ينجح في ترجمة الطموح الدستوري إلى آلية فعالة، بل أعاد إنتاج منطق التحفظ المؤسسي، حيث طغت هواجس الضبط والتحكم على فلسفة الحماية والتوسيع.
من حيث المبدأ، يكرس الدستور حق المتقاضي في الطعن في دستورية القوانين التي تمس بحقوقه وحرياته، وهو ما يفترض أن يعزز مكانة الفرد داخل المنظومة القانونية، ويجعل من القضاء الدستوري أداة يومية لحماية الحقوق. غير أن القانون التنظيمي جاء ليحاط هذا الحق بسلسلة من القيود الإجرائية المعقدة، تبدأ بمحاكم الموضوع، ثم تمر عبر محكمة النقض، قبل أن تصل إن وصلت إلى المحكمة الدستورية. هذه المسطرة المتعددة لا تعكس فقط تنظيما تقنيا، بل تعبر عن تصور سياسي حذر، يضع قيودا أمام ولوج الأفراد إلى الرقابة الدستورية.
في هذا السياق، يتحول الدفع بعدم الدستورية من حق مباشر إلى امتياز مشروط، يخضع لتصفية مزدوجة، تفتقر إلى معايير دقيقة وواضحة. فمفهوما “جدية الدفع” و”تأثيره في النزاع” يظلان فضفاضين، مما يمنح القاضي سلطة تقديرية واسعة قد تؤدي إلى تفاوت في التطبيق، بل وحتى إلى الحد من ولوج المتقاضين إلى المحكمة الدستورية. وهنا تتجلى المفارقة: حق دستوري أساسي يفرغ من محتواه بفعل غموض تشريعي.
كما أن المشرع المغربي اختار حصر حق إثارة الدفع في الأطراف دون تمكين القاضي من إثارته تلقائيا، وهو ما يعكس تصورا تقليديا لدور القضاء، يبتعد عن الدينامية الحديثة التي تجعل من القاضي فاعلا أساسيا في حماية الدستور. هذا الاختيار يضعف من فعالية الرقابة الدستورية، ويجعلها رهينة بمدى وعي الأطراف أو كفاءة دفاعهم، وهو ما يطرح إشكالا حقيقيا على مستوى تكافؤ الفرص أمام القضاء(الفصل 118 من الدستور).
أما على مستوى الأثر القانوني، فإن حصر نتائج التصريح بعدم الدستورية في المستقبل فقط، دون إمكانية المساس بالأحكام النهائية السابقة، يكشف عن تغليب واضح لهاجس استقرار المعاملات على حساب مبدأ سمو الدستور. صحيح أن الاستقرار القانوني قيمة أساسية، لكن لا ينبغي أن يكون على حساب العدالة الدستورية، خاصة عندما يتعلق الأمر بحقوق وحريات أساسية.
وعند المقارنة مع التجربة الفرنسية، وخاصة في إطار الفصل 61-1 من الدستور الفرنسي الذي أسس لآلية Question Prioritaire de Constitutionnalité في اطار المراجعة الدستورية سنة 2008، يتبين أن المشرع الفرنسي نجح في تحقيق توازن أكثر دقة بين التنظيم والفعالية. فالمسطرة، رغم مرورها عبر محكمة النقض الفرنسية أو مجلس الدولة الفرنسي، تقوم على معايير واضحة ومحددة، وتم تأطيرها باجتهاد قضائي مستقر تحت إشراف المجلس الدستوري الفرنسي.
الأهم من ذلك، أن النظام الفرنسي أظهر إرادة سياسية حقيقية في جعل الرقابة الدستورية أداة فعالة، حيث أصبحت QPC وسيلة حقيقية لتطهير المنظومة القانونية من النصوص غير الدستورية، وأسهمت في تعزيز ثقة المواطنين في القضاء. هذا البعد العملي هو ما يفتقده النموذج المغربي، الذي ما زال حبيس مقاربة شكلية حذرة.
إن الإشكال في المغرب ليس في غياب النصوص، بل في حدود الجرأة في تفعيلها. فالقانون التنظيمي 86.15 يعكس، في عمقه، ترددا سياسيا في تمكين المواطن من سلاح دستوري قوي، وهو ما يجعل من الرقابة اللاحقة آلية محدودة الأثر، رغم أهميتها النظرية.
بناء على ذلك، فإن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة النظر في هذا القانون، ليس فقط من زاوية تقنية، بل من منظور سياسي ودستوري شامل، يهدف إلى:
تبسيط المسطرة وتقليص مراحل التصفية
تحديد معايير دقيقة وملزمة لقبول الدفع
تمكين القاضي من إثارة الدفع تلقائيا
توسيع الأثر القانوني لقرارات عدم الدستورية
تعزيز دور المحكمة الدستورية في توجيه الاجتهاد
في النهاية، لا يمكن الحديث عن سمو الدستور في غياب آليات فعالة لحمايته. فالدساتير لا تقاس فقط بما تتضمنه من مبادئ، بل بمدى قدرتها على التأثير في الواقع. ومن هذا المنطلق، فإن إصلاح نظام الدفع بعدم الدستورية يشكل اختبارا حقيقيا لمدى التزام الدولة بجعل الدستور مرجعية فعلية، لا مجرد إعلان سياسي.
* طالب في القانون و العلوم السياسية بجامعة بوردو الفرنسية




