أصاب الرئيس المصري الراحل أنور السادات حين قال إن “99 بالمئة من أوراق اللعبة بيد الولايات المتحدة”. غير أن إسرائيل خالفته وعملت منذ حرب عام 1956 على اعتبار أن هذه الأوراق كاملة بيد واشنطن، ولا مكان لأي لاعب آخر مهما كبر أو صغر.
ووفق ما أصبح عقيدة، أنكرت إسرائيل جهود أوروبا، ورفضت أي حديث عن مؤتمر دولي، وتجاهلت القرارات الأممية وما يمكن لمؤسسات الأمم المتحدة أن تفتيه بشأن الصراع مع الفلسطينيين والعرب أجمعين. لكن شيئاً ما قد تغيّر.
لأول مرة في تاريخ الصراع الشرق أوسطي، تتخلى الولايات المتحدة عن ميزة الاحتكار والأوراق الـ99. يكفي تأمل مسار وسياق تدبير خطّة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب في غزّة لاستنتاج إقرار واشنطن أنها لا تستطيع أن تفعل ذلك وحدها، لا بل إنها تستقوي بمناخ دولي وإقليمي متعدد الأطراف لفرض الخطّة على الداخل الأميركي وإسرائيل. ليس تفصيلاً أن يقول ترامب لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو “لا تستطيع مواجهة العالم”.
واجهت إسرائيل العالم أجمع من دون أن يرفّ لها جفن. ما تغيّر أن واشنطن التي مكّنت إسرائيل من أن تدير ظهرها لدول الكوكب قررت، ولمصالح أمريكية، أن تتخلى عن هذا الوضع وتفتح الباب على مصراعيه للتعدد الدولي بالانخراط بشراكة واسعة ومطلوبة مع الولايات المتحدة لفرض واقع جديد.
وبغضّ النظر عن عدم واقعية تعويل ترامب على نيل جائزة نوبل للسلام كحافز لـ”سلق” خطة غزّة، فإن للرجل طموحات معلنة في أن يكون لخطّته مفاعيل أوسع تشمل السلم في كل الشرق الأوسط.
اللافت أن إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، قبلت، حتى إشعار آخر على الأقل، أن يشرف على الخطّة “مجلس سلم” متعدد الهويات، وأن تراقب الخطّة قوات متعددة الجنسيات، وأن يتوافد ترامب وشركاؤه في العالم إلى مصر للاحتفال بالحدث الكبير.
بدا أن ذلك التحوّل أعاد الدوائر العربية والإسلامية والأوروبية إلى مجال يُفترض أن الولايات المتحدة تحتكره بشكل كامل ولا تسمح إسرائيل بأي منافس مهما علا شأنه.
ولو سلّطنا مجهراً على الحدث، لاسيما في قمّة شرم الشيخ، لاستنتجنا أن مؤتمراً دولياً مقنّعاً لطالما مقتته إسرائيل فكرته يُعقد، وأنها ترضخ له طاعة لمشيئة البيت الأبيض وسيّده.
يقوم هذا التحوّل على حقيقة أن الولايات المتحدة أقرت أن العالم يتغيّر، وأن العالم العربي يتحوّل، وأن مقاربتها البليدة للصراع صارت متقادمة ولا تأخذ بعين الاعتبار متغيرات هذا العصر.
باتت الدول المنتجة للنفط تفرض قواعدها السوقية حتى لو كان الأمر مخالفاً لمصالح الإدارة في واشنطن. استنتجت إدارة الرئيس السابق جو بايدن أن الرياح العربية لا تنفخ باتجاه الأشرعة الأميركية بشأن الحرب في أوكرانيا.
استنتجت أيضاً كما إدارة ترامب لاحقا شلل الاتفاقات الإبراهيمية وقيادة السعودية لمسار يشترط لأي تطبيع مع إسرائيل قيام دولة فلسطينية، ثم ترقية هذا المسار إلى مستوى دولي أنتج تدافعاً للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
حاول ترامب أن يتمسّك بسياسات خشبية. أيد فكرة الهجرة الجماعية للغزيين. ابتكر فكرة “ريفييرا” في قطاع غزّة. جرب بذهنية رجل الأعمال أن يعرض اقتراحات عدمية تلاقي مرامي نتنياهو وطموحاته. وحين تصدت له مصر والأردن والسعودية وبقية دول المنطقة، تراجع برشاقة وابتلع أفكاره.
بدا أنه قد فهم أيضا أن المزاج الغربي قد انقلب من حالة الدعم غير المشروط لإسرائيل عقب “الطوفان” إلى المطالبة بوقف المقتلة والدفاع عن حلّ الدولتين. حتى أن هناك شبهة أن يكون ترامب نفسه قد شجع ذلك التحوّل.
فليست صدفة أن يعلن كير ستارمر رئيس وزراء بريطانيا عن احتمال الاعتراف بالدولة الفلسطينية بعد ساعات من لقائه بترامب في اسكتلندا في تموز الماضي، وأن يعلن ذلك الاعتراف رسمياً بعد لقائه بالرئيس الأمريكي خلال زيارته الرسمية لبريطانيا في أيلول.
لم تخرج خطّة ترامب إلى النور إلا بعد اجتماع عقده في نيويورك حضره قادة ووزراء من السعودية ومصر والأردن وقطر والإمارات وتركيا، لكن أيضاً أندونيسيا وباكستان.
ولولا هذا الاجتماع لم تكن تلك الخطة، ولبقيت حبراً على ورق مثل أي خطط أخرى. ولم تولد الخطة إلا من رحم مزاج غربي شعبي غاضب من الإبادة التي ترتكب على الهواء مباشرة. تحوّل غضب الشارع إلى سياسة لدى العواصم تضغط على واشنطن لاجتراح حلّ من خارج الصندوق.
قبلت إسرائيل بدور تركي كانت ترفضه وبقوات غير أمريكية، عربية وإسلامية في غزّة. انتهت فكرة إخلاء غزة من غزييها، خضعت لرفض مصر نقل سكان القطاع إلى سيناء. رمت بتصاميم عودة الاستيطان في القطاع.
تخلت واشنطن أيضاً عن إمساكها وحيدة بالملف وباتت على نحو تاريخي غير مسبوق تتحرى التدثر برأي وقرار دوليين لفرض سلام ما في كل المنطقة. حتى إيران التي شكرها ترامب، ليست مستثناة من مروحة الدول التي تشارك واشنطن خطّتها.
قد تكون واشنطن قد تخلت عن احتكارها للعبة وقبلت بالشركاء، لكن الثابت أن لا لعبة أصلا من دون الولايات المتحدة. صحيح أن شكوكاً كثيرة ومنطقية ومبررة تحوم حول الخطّة وبنودها وشياطين تفاصيلها، لكن المنطقة كما العالم باتا أيضاً جزءاً من ورشة عملاقة تحتاج كل يوم إلى تحديث يعالج ما هو غامض ملتبس، وصولاً إلى تحقيق ما ورد بخجل في خطّة ترامب: مسار لإقامة دولة فلسطينية، مصغياً باهتمام إلى ما تجاهر به الرياض وشركاؤها في المنطقة والعالم ترياقاً للحلّ الكامل.




