السيادة لا تستمد رسوخها من ارتفاع النبرة، وإنما من وضوح الموقف وحكمة الدفاع عنه. لذلك تطرح زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة سؤالا يتجاوز مراسم الاستقبال: هل تساعد الرسائل المصاحبة لها على ترميم الثقة بين المغرب وإسبانيا، أم تضيف إلى الخلاف لغة تجعل التفاهم أكثر صعوبة وتضاعف كلفة الجوار؟.
خلال زيارته في الثالث عشر من أكتوبر الجاري، أكد العاهل الإسباني أن سيادة بلاده ووحدتها الترابية غير قابلتين للتفاوض، وأن الدفاع عنهما واجب.
وتضمن خطابه أيضا دعوة إلى علاقة مع المغرب تقوم على الثقة والاحترام المتبادل. والجمع بين هاتين النبرتين يستحق قراءة هادئة، تميز بين الموقف المعلن وآثاره السياسية المحتملة.
من منظور مغربي، تبدو الزيارة خطأ في تقدير حساسية الظرف، خصوصا عندما تقترن بعبارات توحي بإغلاق باب النقاش. فقد تطمئن هذه اللغة الجمهور الإسباني، لكنها تستطيع، في المقابل، تعميق الشعور المغربي بأن الشريك يتجاهل قضية حاضرة في الذاكرة الوطنية. والدبلوماسية المسؤولة تقيس نجاح خطابها بقدرته على بناء الثقة لدى الطرفين.
تظل سبتة ومليلية، في الوعي المغربي، مرتبطتين بسؤال استكمال الوحدة الترابية، بينما تتمسك مدريد بسيادتها عليهما.
وهذا الاختلاف لا يزول بزيارة رسمية، ولا يحسمه تصريح مهما علت مكانة صاحبه. ومن حق المغرب صون موقفه والدفاع عنه بوسائل سلمية، تجمع قوة الحجة واستمرار العمل الدبلوماسي، وتحفظ للمنطقة استقرارها وللعلاقة إمكان تطورها.
في هذا السياق، اكتسب خطاب الملك محمد السادس أمام البرلمان، يوم التاسع من أكتوبر، دلالة واضحة عندما وصف الشراكة بأنها «اختيار سيادي والتزام إرادي»، ورفض إخضاعها للضغط والتهديد والابتزاز.
إنها قاعدة تنظم التعاون على أساس الندية، وتؤكد أن الوفاء بالالتزامات يقترن بحق المملكة في حماية مصالحها وتحديد شروط انخراطها بحرية.
ومن هنا، فإن القول إن جلالة الملك محمد السادس عصي على الاستفزاز والابتزاز يجد قوته في هذا التصور للسيادة: استقلال القرار، والثبات على الموقف، والقدرة على اختيار التوقيت المناسب.
فالرد الرشيد يحتاج إلى تقدير النتائج، واستيعاب موازين المصالح، وتحديد الوسيلة الأجدى للدفاع عن الوطن. وتلك مسؤولية تتطلب صبرا يوازي الحزم، وبصيرة تتجاوز الانفعال.
المغرب وإسبانيا معنيان بتحويل الجوار إلى مساحة للتعاون المنتج، في الاقتصاد والأمن والتنمية وتدبير الهجرة.
غير أن التعاون يفقد توازنه عندما يتعامل أحد الشريكين مع الآخر بوصفه منفذا لتوقعاته الداخلية. والشراكة المستقرة تقتضي توزيع المسؤوليات بعدل، والاعتراف بحساسيات الطرف المقابل، وحماية العلاقات الثنائية من المزايدات التي تستهلك الثقة وتؤخر الحلول.
وتفرض ملفات الصحراء المغربية وأمن مضيق جبل طارق مسؤولية أكبر في إدارة العلاقات. فالمصالح المتشابكة تستدعي تفاهمات تحمي الاستقرار الإقليمي، وتوسع فرص التنمية المشتركة، وتحول دون اختزال الجوار في اختبار قوة أو تبادل رسائل لا تنتج حلولا عملية.
أما زيارة مقبرة سيدي مبارك لتكريم ضحايا الغرق، فتستحق أن تقرأ أولا في بعدها الإنساني. احترام الموتى واجب يتسع للجميع، بصرف النظر عن الدين والجنسية.
ولا يصح تحويل التعزية إلى منافسة بين تاجين، أو افتراض قصد سياسي وراء كل إشارة رحمة. ومع ذلك، تظل كرامة الضحايا أسمى من توظيف صورتهم لتبرير موقف سيادي.
والوفاء الحقيقي لأرواح الغرقى يبدأ من مسؤولية الأحياء: التثبت من هويات المفقودين، وإبلاغ أسرهم، وضمان حرمة قبورهم، وتطوير الإنقاذ، وتوسيع فرص العيش الكريم.
كما يقتضي معالجة الهجرة ضمن رؤية مشتركة تحمي الإنسان وتحترم القانون. فالزهور تحمل رسالة عزاء، لكن الوقاية من المأساة تحتاج سياسات مستمرة، وموارد كافية، والتزامات قابلة للتنفيذ والمساءلة.
لذلك، يستدعي نقد الزيارة وضوحا يحترم الأشخاص ويحاسب الخيارات. يمكن الاعتراض على توقيتها وعلى مضمون خطابها دون المساس بمقام الملك الإسباني أو تعميم الأحكام على شعبه.
وبالمثل، فإن الدفاع عن المغرب يكتسب مصداقيته من دقة الوقائع وقوة التحليل. وتبقى القنوات الدبلوماسية مجالا ضروريا لتبديد الالتباس، وتسجيل المواقف، ومنع تحول الاختلاف إلى أزمة مفتوحة.
حسن الجوار يختبر حين تختلف الدول، والسيادة تختبر حين تتعرض علاقاتها للضغط. أمام هذه اللحظة، يحتاج المغرب إلى مواصلة الجمع بين الثبات والانفتاح، وتحتاج إسبانيا إلى تقدير أثر كلماتها خارج حدود جمهورها.
أما الضحايا، فلهم حق في الرحمة يعلو على حسابات المراسم. والقيادة الحكيمة تصون كرامة الوطن، وتحفظ للإنسان حرمته، وتترك للحوار بابا مفتوحا.




