تشهد الفضاءات الحضرية المعاصرة تحولات متسارعة تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمجال العمومية وتطرح تساؤلات عميقة حول حدود الحريات الفردية والجماعية في ظل طغيان مظاهر الاحتلال العشوائي للشوارع والممرات تحت ذرائع متباينة تتقاطع فيها الممارسات الاجتماعية والطقوس الدينية مع الحق الاصيل في الولوج السلس والسكينة المنزلية المستقرة.
وحين تبرز أصوات شجاعة ترفض هذا التعدي السافر وتطالب باحترام القوانين المنظمة للحياة اليومية تواجه غالباً بحملات شرسة من التشهير والتنمر الرقمي الذي يقوده قطاع واسع من المنتفعين من توجيه العواطف العامة وفرض الوصاية الفكرية على المجتمع بأسره.
مما يدفعنا إلى التساؤل الجوهري حول الأبعاد القانونية والشرعية التي تحكم تدبير الفضاء المشترك وهل أصبحت المطالبة بحق الدخول إلى البيوت جريمة تستوجب محاكم التفتيش الافتراضية والازدواجية الفاضحة في المعايير.
مسوغ هذا التمهيد هو انتشار مقطع فيديو قصير للصحفية سلوى فتوح تحتج فيه على إقامة الصلاة في الشارع وأمام بيتها مما منعها من الولوج إليه وأظهرت من خلاله حجم المعاناة اليومية التي تواجهها الأسر عندما يتحول الفضاء العام إلى عائق أمام حرية التنقل والحياة الخاصة واستنكرت هذا التعدي الواضح على الحقوق الفردية باسم ممارسات دينية ينبغي ألا تتعارض مع حقوق الآخرين في السكينة والمرور السلس.
والحقيقة أن وسائل التواصل الحديثة غرقت هذه الأيام بهؤلاء الذين يتخذون من الدين خطاباً شكلياً سائداً وهيمنوا على الشاشات والمنصات الرقمية من خلال حضورهم المكثف وظهورهم المستم الذي يمتلك القدرة على توجيه الرأي العام وإثارة العواطف حيث يمارس هؤلاء الدعاة الجدد وأتباعهم سلطة معنوية تشكل الوعي الجمعي وتفرض نوعاً من الوصاية الفكرية التي تلغي أي صوت مخالف أو تمنع كل محاولة عقلانية قراءة الأحداث بعيداً عن حماس الحشود والتجييش المداوم.
والحادثة موضوع الفيديو تطرح بوضوح إشكالين جوهريين أولهما إشكال قانوني يتعلق بحرية التنقل وحق ملكية الولوج إلى السكن الخاص وثانيهما إشكال شرعي يتعلق بآداب الطريق وحقوق الجوار وحرمة بيوت الناس وعدم إلحاق الضرر بهم.
وتتأكد هذه الحقيقة حين نرى أمثلة واقعية صارخة كمثل إغلاق ممرات حيوية تماماً أمام سيارات الإسعاف الحاملة لمرضى في حالات حرجة أو تعطيل مصالح أمهات حاملات لأطفال رضع يعجزن عن اجتياز تلك الحشود الملتفة حول عتبات الأبواب دون مراعاة لأبسط قواعد الإنسانية والرحمة.
ويجمع القانون والشرع على رفض إلحاق الضرر بالآخرين وتعطيل حرية التنقل وحق الولوج إلى المساكن إذ تؤكد التشريعات على حماية النظام العام بينما يحرم الفقه الإسلامي أذية المارة ويطالب بإماطة الأذى عنها مما يجعل أي تعطيل للطرقات باسم العبادة منافياً لروح الشريعة التي جاءت لحفظ حقوق العباد وسلامة معاشهم بعيداً عن كل مظاهر الإضرار والاستعراض المرفوض..
إلا إذا كان هناك مكان محدد خصص لذلك كأن يكون ملعبا لكرة القدم أو فضاء معزولاً يقع بعيداً عن الدور السكنية والمحلات التجارية والإدارات العمومية والمستشفيات بحيث يُغلق بشكل منظم ودون أن يتسبب في أي أضرار أو عرقلة لحياة الناس ومصالحهم اليومية وحينئذ ينتفي الحرج ويزول الضرر تماماً لأن العبرة في تدبير الفضاءات العامة هي درء المفاسد وتحقيق التوازن السليم بين ممارسة الشعائر وحفظ حقوق العباد واستقرار معاشهم دون إفراط أو تفريط.
ومع ذلك فإن التيار الديني وأتباعه وحشداً من المواطنات والمواطنين انقضوا عليها بدعوى الغيرة الدينية وتنمروا على الصحفية بشكل شرس وقولوها ما لم تقله وحرفوا كلامها عن مواضعه واستندوا إلى تأويلات متعسفة لتشويه سمعتها والنيل من شخصها وكأن الدفاع عن حق إنسان في دخول بيته بات جريمة تستوجب التشهير والإعدام الرمزي في ساحات الافتراض.
وتجلى ذلك الإصرار العجيب من هؤلاء الدعاة وأتباعهم على الانتصار لما هو ديني شكلي على حساب ما هو شرعي حقيقي حيث يندفعون عند كل مواجهة لإثارة الحماس العاطفي وتجييش الجماهير وفرض الهيمنة المعنوية دون أن يدركوا أن الشرع الحكيم لا يبيح إلحاق الأذى بالمارة ولا يقبل بقطع الطرقات والتعدي على حقوق الجوار بحجة العبادة لأن المفاسد المترتبة عن إغلاق المسالك وعرقلة مصالح الناس تتنافى تماماً مع جوهر الدين السمح الذي تقوم قواعده على اليسر ورفع الحرج واحترام كرامة الإنسان.
ولو تعرض أي واحد من هؤلاء المنتقدين لموقف طارئ تتعرض فيه حياة أبيه أو أمه لخطر داهم أو احتاج مريضهم إلى دواء عاجل في لحظة حرجة تفصل بين الموت والحياة ووجد طريقه مسدوداً بتلك الحشود التي تحتل الممرات وتغلق المداخل فهل كان سيكون موقفهم هو التبرير الهادئ والخنوع والمباركة أم أنهم سيرفضون بشراسة ويحتجون بأعلى أصواتهم ويتمردون على هذا التعطيل القسري الذي يسقط ادعاءات المثالية المزيفة عندما يتعلق الأمر بالمصالح الشخصية والمحن الخاصة التي تكشف زيف الشعارات وتبين أن المبادئ عند هؤلاء تتغير بتغير المواقع والظروف..
إن الرسول الكريم عاتب أسامة بن زيد أشد العتاب حينما قتل رجلاً بعد أن نطق بالشهادتين متسائلاً بنبرة الإنكار البليغة ألا شققت عن قلبه لتعلم أصدق أم كذب وكأن هؤلاء المنتفضين غافلون عن روح هذا الحديث النبوي الشريف أو متغافلون عنها عمداً فلا يستحضرون هذه الواقعة العظيمة التي تضع الحدود الفاصلة بين ظاهر الأفعال وما يضمره الإنسان في سريرته وهو درس نبوي خالد لكل إنسان يتسرع في إطلاق الاتهامات وتوزيع صكوك التخوين على الآخرين بناء على التأويلات الظاهرية والمواقف المجتزأة التي تفتقر إلى أبسط قواعد التبين والإنصاف.
وكان الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم يبحثون عن وجه واحد للحق أو العذر لكي يحملوا عليه فعل المسلم ويبتعدوا تماماً عن أوجه التبديع أو التكفير حرصاً منهم على حفظ الأواصر وعدم إخراج الإنسان من الملة لأسباب واهية أو مواقف محتملة التأويل وهو منهج أصيل في التراث الإسلامي الرصين الذي يؤسس للرحمة ويحترم عقول الناس وكرامتهم بدلاً من الانزلاق وراء نزوات التجييش ومحاكم التفتيش التي تضيق الدين وتفرغه من محتواه الإنساني السمح وتجعل من الاختلاف في تدبير الفضاء العام مبرراً لهتك الأعراض والتشهير بالخلق دون وازع من دين أو خلق.
ومن بين الانتقادات العجيبة التي وجهها المنتقدون لتلك الصحفية تساؤلات مفتعلة من قبيل لماذا لم تتحدثي عن غلاء الأسعار ولماذا لم تحتجي على غلاء المحروقات أو على إغلاق الشوارع بسبب مهرجان موازين والأعراس والمناسبات حيث تُقطع الطرق وتُستباح الفضاءات العامة دون حساب وهي في الحقيقة مغالطة مفضوحة تكشف عورات ازدواجية المعايير لديهم إذ يباركون إغلاق الشوارع حين يكون مرتبطاً بالترفيه أو المألوف الاجتماعي بينما يستشيطون غضباً وينصبون محاكم التفتيش حين يتعلق الأمر بمن يطالب بحقه البسيط في السكينة وحرية التنقل دون وصاية أو استعراض أعمى.
ولا سيما أن المهرجانات الفنية والتظاهرات الكبرى غالباً ما تخضع لتنظيم وإدارة مرورية دقيقة تضمن انسيابية الحركة ولا تعطل السير العام وربما تكون مبرمجة في فضاءات بعيدة عن التجمعات السكنية المكتظة كالفضاءات المفتوحة قرب البحر أو الساحات الكبرى المخصصة لذلك بخلاف إغلاق الشوارع والأزقة المجاورة لبيوت الناس عشوائياً وبشكل مفاجئ كل جمعة مما يقطع السبل ويشل حركة الحياة اليومية للأسر والمواطنين دون أي تدبير أو تنظيم مروري يذكر.
إن معركة الوعي اليوم لا تتلخص في الدفاع عن تفاصيل عابرة بقدر ما هي صراع مرير بين عقلانية تنشد العدل وترفع الحرج وبين شعبوية زائفة تقتات على التجييش وهتك الأعراض، فالصحفية سلوى فتوح كانت تصرخ باسم الحق المشروع في حرية التنقل وحرمة البيوت ولم تكن خصماً للدين بل كانت مدافعة عن جوهره السمح في وجه تيار أجوف يحاول تجريم المطالبة بابسط الحقوق الإنسانية.
فالقانون والشرع يظلان حصناً منيعاً لحماية كرامة الإنسان وحريته بينما يظل الدين الحق بريئاً من كل ممارسة تضر بالعباد مما يستدعي الاحتكام إلى بصيرة الفقه السليم ورفع الوصاية الفكرية عنها وعن كل صوت حر يرفض الفوضى والظلم، فكيف يستقيم التوازن الأخلاقي في مجتمع تتداخل فيه حرية العبادة مع وجوب صيانة حقوق الجوار والسكينة العامة دون إفراط أو تفريط،؟!..




