آراء
أخر الأخبار

أنا نائم برلماني محترم

وجدت نفسي دون سابق إعلام، أنني أصبحت أهتم بأحوال السياسيين والساسة، لم يأت هذا الأمر بتخطيط قبلي ولا بتوجيه من أحد، ظروفي الاجتماعية هي من قادتني وبقوة.

حتى لا أطيل عليكم، بداية أعرفكم عن شخصي المتواضع، عشت في وسط عائلي هش، والدي عامل مياوم ووالدتي ربة بيت، مستواها الدراسي لم يتعد قسم الثالث ابتدائي، لي ستة إخوة أنا أوسطهم، تابعت دراستي فلم أفلح في إتمامها لقلة ذات يد الوالد.

كنت أحب السهر، بل كنت أخرج ليلا عندما تنام الأسرة خفية، ففكرت أن أعمل حارسا ليليا لأساعد والدي على مصروف البيت ولأخفف عنه بعض الأحمال الثقيلة، فوجدت عملا في حي راقٍ قرب مقر حزب، فشرعت في عملي، ولم أكن أشعر بالملل إلا قليلا، لأن الحركة في الحي كانت متصلة، والمناضلون والمناضلات يترددون على مقر الحزب باستمرار، هناك دينامية وحركية وحيوية.

عند خروجهم من مقر الحزب، كنت أستفيد من بعض دراهمهم وبعض منشوراتهم، وأيضا من بعض النقاشات التي كانوا يفتحونها معي أو بينهم أمام مقر الحزب، كنت أسترق السمع وأرخي لأذني حرية التقاط الكلمات والعبارات، فأعجبت بكل ذلك واشتريت مدياعا أصبحت من خلاله أتابع برامج حوارية وأخرى إخبارية وأخرى ثقافية، ومضيت على هذا الحال والمنوال لسنوات ذوات العدد.

ولاحظت أن شبابا التحقوا بالحزب وأصبحت لهم مكانة مرموقة داخل المجتمع، رصيدهم كان عبارات وكلمات منتقاة، قلت: لم لا أفعل وأنتمي للحزب وأحقق مبتغاي وأخرج نفسي من طبقة دنيا كما فعل غيري من المتملقين الوصوليين؟.

فقصدت كبيرهم، وهو يعرف أن أسرار الحزب الليلية واللقاءات الساخنة لم تكن تغيب عن عيني، فأصبحت مناضلا وارتقيت وأصبحت مسؤولا عن مقر الحزب، أصبحت الآمر الناهي، فازدادت معرفتي بالمناضلين والمناضلات عن قرب، وخاصة اللقاءات الليلية.

كل ذلك زاد من تعاطف المناضلين معي، فتم اقتراحي أن أصبح نائبا برلمانيا، فاختاروا لي المنطقة وهيأوا لي الظروف ونصبوا لي المنصات فاعتليتها، وكانت خطبي قوية بحمولة نضالية تستميل عواطف المستمعين، فنلت ثقة المواطنين وأصبحت برلمانيا.

فتحسن وضعي المالي والاجتماعي، فأصبحت مقربا من وزراء مناضلين كان لهم حضور ليلي بالمقر، ينشطون لقاءاته التي كانت تنتهي في وقت متأخر من الليل، وكان عيبي هو السهر والسمر، الشيء الذي كان يجعلني أحضر جلسات البرلمان فأغط في نوم عميق، مما كان يضيع علي المساهمة في النقاشات الدائرة أو في طرح الأسئلة.

فلما وجدت هذه العادة السيئة ملازمة لي، قررت الغياب الكلي حتى لا أصبح مادة دسمة للكاميرات التي تتعقب النائمين داخل القبة، وكانت فيديوهات تتعلق بي تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي بمشاهدات عالية.

أعتذر عن كوني نائم برلماني محترم، ظروفي التي حكيت لكم كانت هي السبب، حاولت معالجة الأمر وكانت النتيجة التي وصلت إليها، وهي تزول الجبال ولا تزول الطباع، لكن واعدت نفسي بعد نهاية الولاية أن ألتحق بحزب ذي مرجعية بناشية تجمع شتات الأيديولوجيات، لأنني أصبحت أنتمي لكل أولئك، وهي آخر ابتكارات المصلحيين والوصوليين والمتملقين والمنبطحين.

https://anbaaexpress.ma/04seh

شكيب مصبير

كاتب وفنان تشكيلي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى