آراء
أخر الأخبار

نفوس مريضة.. نفوس للبيع

ليس لي عداء مع أحد ولا جهة، ولا عداوة مع غيري، ربما اعدائي حالتين فقط من الناس لا شخصين: الغبي الذي لا يمكن علاجه والجلوس إليه أو التفاهم معه، والمتذاكي المتحذلق الدعي الذي يستحيل أن أتحدث إليه لأنه يبرع ويتفنن في إظهار ما لا يقدر عليه وما ليس فيه وهو عيي قميء وفاقد الشيء لا يعطيه، وأنا بعيد عنه كل البعد، لكن غير ذلك لا أجد في نفسي من أمراض النفوس شيئاً يذكر.

كثير ما أجد في الفعاليات الثقافية والفنية والأدبية والفكرية والسياسية وخلافه التي أحضرها ما يسترعي انتباهي تلك الشخصية المعروفة الشهيرة وهي تكره أن تلقني أو تلقي علي السلام لا لشيء إلا لأنني بين الحضور، بله من ذلك ، يكره حتى مشاهدتي بين الحضور (كره لله في لله) والغريبة أنا احترمه جداً، وربما مصدر كراهيته لي أنني رأيته في منظر غير أخلاقي مع احداهن في فعالية ما أو لربما لشيء في نفس يعقوب، الله أعلم أي ذلك كان.

هذا مريض نفسي بلا ريب، أما المريض الآخر فهو المتنطع المتحذلق الدعي الغبي الذي لا يرجى برأه ، ويحدث الناس بما لا يفقه أو يعرف، وليس هنا موضع الكراهة أو المرض النفساني، بل الأدهى والأمر هو رغيه والتفاف الناس حوله متبحلقين فاغرين فيهم، يعظمون أجره وجهده وجهله، والأهم منهما هو أن وجدني بين الحضور لا يزيده ذلك إلا مقتاً لي من غير سبب وجيه، وربما مصادفة كنت في ذات المكان الذي هو فيه، هذا سلوك نفساني عقيم لا يرجى شفاؤه، وأذكر أنني صوبته في موضع ما فلم ينسها لي سلباً وإن كنت قد نسيت الأمر برمته.

وعادتني فلانه بنت فلان، وكانت بالأمس القريب تكن لي الود وترسل لي باقات الورد كل صباح ومساء، فهي الآن عدو لي إلا رب العالمين، واستقبحني فلان المتشاعر المعروف لأنني وصفت شعره بالهلبسيس، وليس له في الشعر كوع ولا بوع وإن كان قد صدر له ثمانية دواوين شعرية هزيلة ، فملأ العقول باللامعقول من خبث الكلام وسحره ونفثه والناس يقدسون سره الباتع ولله الأمر من قبل ومن بعد، ولا أحسبه أطلع على رأي الاخفش الكبير في نظم الشعر وفنه، قال أبو بصير:

وشعر كبعر الكبش فرق بينه * لسان دعيي في القريض دخيل

أما النفوس التي للبيع فهي كثيرة وعجيبة، واعجبها تلك المتصلة بالسياسة والعمل العام، فلا تخلو من نفاق وتباين في المواقف وتلوين في الملمات، وهم هم الموصوفون في القرآن الكريم ب (المنافقون) سورة كاملة تنبئهم بما في نفوسهم، فهم حالة وظاهرة بشرية لن تنتهي بنهاية الحدث أو قل: بنهاية الموسم السياسي الجاري، وأنا حزين وعلى يقين تام بأن حالة اللادولة في السودان هي بسببهم بلا منازع وبلا مجاملة وأثرها السالب واضح على مائدة الطعام والشراب والميديا والدولار والمعابر والحدود.

أن تكون لك وجهة نظر مغايرة تماماً عن صاحبك في الجانب الآخر من التفكير لهو حق مباح ومشاع ومكفول بفرضية سنة الله في البشر (ولا يزالون مختلفين، ولذلك خلقهم)، لكن أن توظف كل تلك الحفنة من المدعين للحق المخالفين لك في الرأي، كل تلك الإمكانيات المتاحة والطاقات المبذولة لتحقيق أهداف قميئة باسم الوطنية السودانية والانتماء الوطني والحرية والعدالة والسلام والديمقراطية والمدنية المرتجاة لهو محط الأخلاق والقيم الإنسانية ورداءتها بلا تردد، ومثاله موجود على السوشيال ميديا بين الفرقاء السياسيين أو قل الإخوة الأعداء للوطن أو الشركاء المتشاكسون باسم الحرص على الثوابت الوطنية السودانية والشعب السوداني الفضل، فلأن تذهب الأحزاب السياسية والفصائل المنشقة والقيادات الوطنية والحركات المسلحة والإدارات الأهلية ومشجعوا كرة القدم وهلم جرا إلى نار جهنم الحمراء، أهون عليهم من أن يذهبوا جميعاً إلى صناديق الاقتراع ليعرف الشعب السوداني من يمثله ومن يمثل عليه، فالطريق إلى السلطة المطلقة القابضة دونها خرق القتاد واستئجار النائحات وإراقة الدماء على طرقات المدينة تحت شعار المجد لللساتك والمجد للبندقية أيهما أفضل، وسيل الباكية المرملة ومعسكرات النزوح ومعاطن اللجوء وتقارير الأمم المتحدة للنوايا السيئة هي ورقة الضغط السياسي على الجميع وجسر من حبال بين الغبي الذي لا يمكن علاجه وبين المتحذلق الدعي الذي يلعب بالكلام واللحى وهم يحملون المصاحف على أسنة الرماح وعلى مشهد من المتفرجة في مسرحية كوميدية ساخرة اسمها قلوبهم مع الشعب وسيوفهم على الخلق والعصا لمن اطاع وعصا.

التاريخ الإنساني يخبرنا باشباههم من الحالتين السابقتين، فرعون موسى، وحميدتي دقلو، في السياسة الرعناء والاستهبال الأغلف ، وعن الصنف الأول إنما هم زعيط ومعيط ونطاطوا الحيط، ” ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم إسرارهم ” قال شاعرهم:

هذا زمانك يا مهازل فامرحي * قد عد كلب الصيد من الفرسان

إذا استمر السودان وبنوه على هذا المنوال فعلى الدنيا السلام، وعلى المواطنين السودانيين الشرفاء البحث عن وطن بديل ويتفرقوا بين القبائل بحثاً عن الانتماء الجمعي والهوية القومية الجديدة ولسان حالهم يقول: كانت هناك دولة اسمها السودان ، وكان هناك شعب اسمه الإنسان.

الحوار السوداني السوداني، ضد الشعب وضد الذات وضد الأشياء والاحياء ، هذا إذا كنت تؤمن بفكرة الحريات العامة والخاصة وحقوق الإنسان، أما إذا كنت (ابن كلب ومفتح) ولا تؤمن بالشعارات الجوفاء ولا الحقائق المزيفة فهو ضد الإرادة الشعبية والمعارضة السياسية، وإذا كنت في موقف الحياد، وما أدراك ما الحياد، ثم ما أدراك ما الحياد، فأنت تحت طائلة القانون المزيف والتهم الباطلة الذين ظهرا في منتصف القرن الثاني الاخراجي أمثال الزنادقة والخوارج والمعتزلة والشعوبية وهلم جرا، واليوم فأنت في أي موقف تكون: بلبوسي وكوز وقحتاوي وعميل وأبو جهل وابن ستين كلب.

إن إلصاق التهم جزافاً على المخالفين لك في الرأي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، جاهزة ومعدة سلفاً، بغرض الاغتيال المعنوي والنفسي والاجتماعي، فمن ليس معنا فهو ضدنا والعكس بالعكس قمين، ألم يكن بالأمس الشعار مرفوعاً (حرية سلام وعدالة، والثورة خيار الشعب) ؟ طيب، ورحكاكم الانتخابات، ورحكاكم التفاوض، ورحكاكم الحوار.

الذي يكرهني حيث يجدني عليه البحث عن مكان آخر، فأنا لن أغادر، والذي يرفض رأيي وأنا أمارس حريتي حرية كاملة حيث أنا رجل حر، أفكر كما أشاء وأقول بما أفكر واعمل بما أقول وليس عاقبة أمري إلا خيراً وبرا للنا، ولا أدعي الكمال من حيث أنا ناقص، ونقصي من كمالي، فأنا من بشرين اخطئا في الماضي والدي آدم وحواء، والنبي الكريم يقول: (إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد) فأنا أنا.

اللهم لطفا بالسودان وبنيه واصلح حالهم ومن يكرهني حيث يجدني

https://anbaaexpress.ma/bc4lw

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى