لم تكن أزمة العبور الجماعي نحو سبتة خلال الأسابيع الماضية حدثاً عادياً. فقد تحولت في وقت وجيز إلى قضية حظيت بضجة إعلامية واسعة في المغرب وإسبانيا وأوروبا، بعدما حاولت أعداد كبيرة من الأشخاص الوصول إلى المدينة، في مشهد أعاد إلى الواجهة حساسية الحدود المغربية الإسبانية وملف الهجرة غير النظامية.
لكن الدولة المغربية تعاملت مع الوضع بمنطق الاحتواء، عبر تشديد الإجراءات الأمنية ومنع تكرار محاولات العبور، في وقت أشادت فيه إسبانيا والاتحاد الأوروبي بالدور المغربي في ضبط الحدود والتصدي للهجرة غير النظامية.
وقد أظهرت الأزمة مرة أخرى أن المغرب أصبح طرفاً محورياً في المعادلة الأوروبية المرتبطة بالهجرة، وأن التعاون المغربي الإسباني في هذا المجال بات عنصراً أساسياً في حماية الحدود الأوروبية.
وفي خضم هذا المشهد، ظهر وزير العدل عبد اللطيف وهبي في وسائل الإعلام، ليعيد ملف سبتة ومليلية إلى الواجهة من خلال تصريحات متكررة.
وهنا تبدأ الأسئلة.. من أزمة الهجرة إلى ملف سبتة ومليلية
في 11 غشت، تحدث وهبي عن ملف سبتة ومليلية، مؤكداً أن المغرب لم يتخلَّ عن مطالبته بالمدينتين، وأن القضية تحتاج إلى نفس طويل وحوار هادئ.
ثم عاد في 21 غشت ليؤكد بصورة أكثر وضوحاً أن سبتة ومليلية أراضٍ مغربية، وأن للمغرب حقاً تاريخياً وجغرافياً فيهما، مع التشديد على مواصلة المطالبة بهما عبر الحوار.
وفي المقابل، لم تتأخر مدريد في التفاعل مع هذه التصريحات، إذ جددت موقفها الرافض لأي نقاش حول سيادتها على سبتة ومليلية، مؤكدة أن المدينتين جزء من الأراضي الإسبانية.
ويكشف هذا الرد أن الملف، رغم التعاون القائم بين الرباط ومدريد، لا يزال من أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين البلدين، وأن أي تصريح بشأنه يمكن أن يتحول سريعاً إلى مادة سياسية وإعلامية تتجاوز السياق الذي قيل فيه.
من حيث المبدأ، لا يحمل هذا الموقف جديداً على مستوى الثوابت المغربية، فمغربية سبتة ومليلية ومطالبة المغرب بتسوية وضعهما قضية معروفة في السياسة المغربية منذ عقود.
لكن الجديد الذي يستحق القراءة هو التوقيت والجهة التي أعادت الملف إلى الواجهة وطريقة طرحه إعلامياً.
لماذا وزير العدل تحديداً؟
السؤال هنا ليس تشكيكاً في حق أي مسؤول مغربي في التعبير عن موقف بلاده، وإنما يتعلق بالسياق السياسي والمؤسساتي.
فملف سبتة ومليلية يرتبط مباشرة بالسياسة الخارجية والعلاقات الدولية والأمن والهجرة، وهي ملفات تتداخل فيها مؤسسات الدولة وقطاعات متعددة.
ولهذا فإن ظهور وزير العدل بشكل متكرر للحديث عن هذا الملف، خصوصاً بعد أزمة الهجرة الجماعية، يطرح سؤالاً مشروعاً: هل كانت تصريحات وهبي مجرد تأكيد للموقف المغربي المعروف، أم أنها حملت أيضاً رسالة سياسية أراد الوزير إيصالها في هذه المرحلة؟
لا توجد معطيات علنية تثبت أن وهبي اتخذ موقفاً أحادياً أو أنه تلقى توجيهاً معيناً من جهة ما، ولذلك سيكون من غير المنصف الجزم بذلك، لكن في المقابل، فإن التوقيت يفرض نفسه على أي قراءة سياسية.
هل استُغلت الأزمة لإعادة تسليط الضوء على الملف؟
بعد أزمة الهجرة، كانت الأضواء مسلطة بقوة على سبتة، وكانت وسائل الإعلام الإسبانية والأوروبية تتابع التطورات الحدودية باهتمام كبير.
في هذه اللحظة تحديداً، عادت قضية مغربية سبتة ومليلية إلى الواجهة من خلال تصريحات وهبي.
وهنا يمكن قراءة الأمر من زاويتين:
الزاوية الأولى ترى أن الوزير أراد التأكيد على أن التعاون المغربي الإسباني في مجال الهجرة لا يعني بأي شكل من الأشكال تخلي المغرب عن مطالبه التاريخية.
أما الزاوية الثانية فتطرح احتمالاً سياسياً أكثر حساسية: هل وجد وهبي في الظرف الإعلامي فرصة لإبراز نفسه وحزبه، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات المقبلة، عبر قضية ذات حضور قوي في الوجدان المغربي؟
وماذا عن الهجرة؟
ربما تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في تصريحات وهبي في الربط بين ملف سبتة ومليلية وسياسة الهجرة.
فالمغرب، خلال السنوات الأخيرة، رسخ نفسه شريكاً أساسياً لإسبانيا والاتحاد الأوروبي في مواجهة الهجرة غير النظامية وشبكات الاتجار بالبشر.
وخلال الأزمة الأخيرة، تمكنت السلطات المغربية من احتواء الوضع ومنع محاولات جديدة للعبور، وهو ما دفع إسبانيا وأوروبا إلى التنويه بأهمية التعاون مع الرباط.
وبالتالي، فإن توجيه انتقادات إلى إسبانيا في هذا السياق يجب أن يُقرأ بحذر شديد، لأن سياسة المغرب تجاه الهجرة لا تُبنى على التصريحات الظرفية، وإنما على تعاون مؤسساتي وأمني ودبلوماسي واسع.
وهنا يبرز سؤال آخر يبقى مشروعاً: هل كانت انتقادات وهبي لإسبانيا تعبيراً عن موقف شخصي، أم أنها جزء من رسالة سياسية أوسع؟
إسبانيا.. شريك استراتيجي رغم الملفات العالقة
لا يمكن قراءة قضية سبتة ومليلية بمعزل عن التطور الكبير الذي عرفته العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة.
فإسبانيا أصبحت شريكاً استراتيجياً للمغرب في مجالات متعددة، من الأمن والهجرة إلى الاقتصاد والتجارة والاستثمار.
والأهم أن مدريد اتخذت موقفاً متقدماً من قضية الصحراء المغربية، عندما أعلنت دعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية للتوصل إلى حل سياسي للنزاع المفتعل الذي طال أمده.
وهذا التحول كان له أثر كبير في إعادة بناء العلاقات بين الرباط ومدريد.
لذلك فإن أي توتر جديد بين البلدين لن يخدم المصالح المغربية ولا الإسبانية، بل قد تستفيد منه أطراف أخرى لا تريد للشراكة الاستراتيجية بين البلدين أن تتطور.
المغرب دولة مؤسسات
وهنا ربما تكمن الرسالة الأهم في هذه القضية. المغرب بلد مؤسسات، والملفات السيادية الكبرى لا ينبغي أن تُدار بمنطق التصريحات الفردية أو المواقف الشخصية، وإنما من خلال المؤسسات المختصة والقنوات الرسمية.
فالتصريح الإعلامي الصادر عن مسؤول حكومي لا يُنظر إليه دائماً باعتباره رأياً شخصياً، بل قد يُفهم خارجياً على أنه يعكس جزءاً من موقف الدولة.
ولهذا فإن التلقائية في التعامل مع وسائل الإعلام تصبح أمراً يحتاج إلى الحذر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف سيادي شديد الحساسية مثل سبتة ومليلية وباقي الجزر المغربية.
فالكلمة في السياسة الخارجية قد تتحول إلى رسالة، والرسالة قد تتحول إلى موقف، والموقف قد تكون له تداعيات تتجاوز نية صاحبه.
لهذا، فإن الدفاع عن الثوابت الوطنية لا يعني بالضرورة رفع سقف الخطاب في كل مناسبة، خصوصاً وأن ملف سبتة ومليلية جزء من الملفات التي يتمسك المغرب بتسويتها.
وإذا كان وهبي نفسه قد تحدث عن الحوار والنفس الطويل، فإن السؤال المطروح هو ما إذا كانت كثافة ظهوره الإعلامي في هذا الملف تنسجم تماماً مع هذا النهج الهادئ، أم أنها أضافت بعداً سياسياً وإعلامياً كان يمكن تفاديه.
ومع اقتراب الانتخابات، يصبح من الطبيعي أن يتساءل المتابعون عما إذا كان هذا الحضور الإعلامي قد يخدم، بشكل مباشر أو غير مباشر، صورة الوزير وحزبه.
خلاصة القول
تصريحات وهبي حول سبتة ومليلية لا ينبغي تضخيمها باعتبارها إعلاناً عن تحول في السياسة المغربية، كما لا ينبغي التقليل منها باعتبارها مجرد تصريحات عابرة.
هي تصريحات صدرت في توقيت حساس، بعد أزمة هجرة جماعية سلطت الضوء مجدداً على سبتة، وفي وقت تحظى فيه العلاقات المغربية الإسبانية بأهمية استراتيجية كبيرة.
وفي كل الأحوال، فإن المغرب الذي استطاع احتواء أزمة الهجرة الأخيرة بمنطق الدولة والمؤسسات، وأصبح شريكاً محورياً لإسبانيا وأوروبا في مكافحة الهجرة، يحتاج في الملفات الحساسة إلى خطاب محسوب ومتناسق مع مؤسساته.
فالعلاقات المغربية الإسبانية أكبر من تصريح، وأعمق من أزمة ظرفية، وأهم من أي حساب انتخابي.
وأي توتر مستقبلي بين الرباط ومدريد لن يخدم البلدين ولا الشعبين، وإنما قد يخدم فقط أولئك الذين يبحثون عن ثغرات لضرب الشراكة الاستراتيجية التي بناها البلدان خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً وأن هناك ملفات ومشاريع كبرى مستقبلية، أبرزها تنظيم كأس العالم 2030 الذي يجمع المغرب وإسبانيا والبرتغال.
وجدير بالذكر، في القضايا السيادية، أن قوة الموقف لا تقاس بارتفاع الصوت، وإنما بدقة الرسالة، وحسن التوقيت، وانسجام التصريح مع منطق الدولة والمؤسسات.




