مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في شتنبر المقبل، عاد الجدل داخل المشهد الإسلامي المغربي إلى الواجهة، لكن هذه المرة من بوابة العلاقة بين حزب العدالة والتنمية، وذراعه الدعوية حركة التوحيد والإصلاح، وجماعة العدل والإحسان.
فقد أعادت التصريحات الأخيرة للأمين العام للجماعة، محمد عبادي، فتح نقاش قديم حول طبيعة العلاقة بين هذه المكونات، وحدود التقاطع والاختلاف بينها، في توقيت سياسي بالغ الحساسية.
وتأتي هذه التطورات في سياق إقليمي ودولي متغير، تفرضه التحولات الجيوسياسية وإعادة تشكيل التحالفات، بما فيها ذات البعد الإيديولوجي، وهو ما ينعكس بدرجات متفاوتة على الديناميات السياسية الداخلية.
وفي الوقت الذي يسعى فيه حزب العدالة والتنمية إلى استعادة جزء من حضوره السياسي بعد نتائج انتخابات 2021، من خلال تبني خطاب معارض للأداء الحكومي ومحاولة إعادة تعبئة قواعده التقليدية، جددت جماعة العدل والإحسان تمسكها بموقفها الرافض للمشاركة في الانتخابات والمؤسسات السياسية بصيغتها الحالية.
وخلال الفترة الماضية، راجت تحليلات تتحدث عن احتمال حدوث تقارب بين الجماعة وحزب العدالة والتنمية، أو إمكانية أن يستفيد الحزب من القاعدة الشعبية للجماعة خلال أي استحقاق انتخابي مقبل.
غير أن هذا الطرح ظل أقرب إلى التأويلات السياسية منه إلى الوقائع، بالنظر إلى الاختلاف الجوهري بين المشروعين، فالجماعة ترفض المشاركة السياسية وفق تصورها الحالي، بينما يراهن الحزب على الإصلاح من داخل المؤسسات، كما أشرنا في مقالنا السابق تحت عنوان: “المشهد السياسي المغربي على أبواب الاستحقاقات: صراع المواقع وحدود عودة الإسلاميين.. وأين تقف العدل والإحسان؟“.
وجاءت تصريحات محمد عبادي لتعيد التذكير بالرسالة التي وجهتها جماعة العدل والإحسان سنة 2011 إلى كل من حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح، والتي حذرت فيها من أن المشاركة في الحكومة، في ظل البنية السياسية والمؤسساتية القائمة آنذاك، لن تمكن الحزب من تنفيذ وعوده الإصلاحية أو تحقيق التغيير الذي كان يرفعه في خطابه السياسي.
وأكد عبادي أن موقف الجماعة لم يكن نابعا من منافسة سياسية مع الحزب، وإنما من قراءة تعتبر أن هامش صلاحيات الحكومة لا يسمح بإحداث إصلاحات عميقة أو بمحاربة الفساد والاستبداد بالشكل الذي كان ينتظره المغاربة، معتبرا أن تجربة الحزب في تدبير الحكومة أكدت، من وجهة نظر الجماعة، صحة هذا التقدير.
وتحمل هذه التصريحات دلالات سياسية تتجاوز استحضار وقائع سنة 2011، إذ تبدو وكأنها رسالة موجهة إلى الحاضر أكثر من الماضي، خاصة مع اقتراب الانتخابات المقبلة.
فهي تعيد التأكيد على تمسك الجماعة بخيارها السياسي المستقل، وتوجه في الوقت نفسه نقدا واضحا لتجربة العدالة والتنمية في تدبير الشأن العام، بما يضعف فرضيات أي تقارب أو اصطفاف انتخابي بين الطرفين خلال المرحلة المقبلة.
كما تؤكد هذه الرسائل استمرار الخلاف الاستراتيجي بين الجماعة والحزب حول مفهوم المشاركة السياسية وآليات الإصلاح، حيث ترى الجماعة أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتحقق في ظل البنية السياسية الحالية، بينما يتمسك الحزب بخيار الإصلاح التدريجي من داخل المؤسسات.
وفي هذا السياق، يرى عبادي أن العدالة والتنمية لم يتمكن، خلال قيادته للحكومة، من تحقيق الإصلاحات الجوهرية التي وعد بها، وأن ما تحقق اقتصر على بعض الجوانب التدبيرية والإدارية، معتبرا أن السبب يعود إلى محدودية صلاحيات الحكومة داخل المنظومة السياسية والمؤسساتية.
كما جدد موقف الجماعة من دستور 2011، معتبرة أن التعديلات الدستورية لم تكن كافية لإحداث تحول ديمقراطي حقيقي، وأن الإصلاح يقاس بالإرادة السياسية والممارسة الفعلية أكثر من النصوص القانونية.
وفي السياق ذاته، أكد عبادي أن انسحاب جماعة العدل والإحسان من حركة 20 فبراير لم يكن تراجعا عن مطالب الإصلاح، وإنما جاء بعد تقييم داخلي خلص إلى أن الحراك بلغ سقفه، مع استمرار الجماعة، بحسب تعبيره، في الدفاع عن مطالب الحرية والديمقراطية بوسائل أخرى.
ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة تمسك جماعة العدل والإحسان بخطها السياسي باعتباره امتدادا للتصور الذي أرسته منذ تأسيسها على يد شيخها الراحل عبد السلام ياسين، والقائم على رفض المشاركة في المؤسسات السياسية وفق صيغتها الحالية.
ويرى عدد من المتابعين أن الجماعة، رغم التحولات التي شهدها المغرب والمنطقة خلال العقدين الأخيرين، ما زالت تحافظ على المرجعيات نفسها، مع تطوير أدواتها في التواصل أكثر من تطوير خطابها السياسي، حيث عززت حضورها في الإعلام الرقمي والمنصات الإلكترونية، ووسعت انفتاحها على وسائل الإعلام الدولية لتقديم مواقفها ورؤيتها تجاه مختلف القضايا.
وفي المقابل، يبدو أن حزب العدالة والتنمية لن يترك هذه المواقف دون رد، إذ يُتوقع أن يواصل الدفاع عن حصيلته الحكومية والرد على الانتقادات التي توجهها الجماعة، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من السجال السياسي والإعلامي بين مختلف مكونات التيار الإسلامي، في وقت تستعد فيه البلاد لاستحقاقات انتخابية ستكون لها رهانات سياسية مهمة.
وخلاصة القول، تبدو تصريحات محمد عبادي أكثر من مجرد استحضار لمحطة سياسية تعود إلى سنة 2011، إذ تحمل رسائل واضحة بشأن طبيعة العلاقة التي ترغب جماعة العدل والإحسان في ترسيخها مع حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح.
كما أنها تعيد التأكيد على استمرار التباين في الرؤى حول المشاركة السياسية وآليات الإصلاح، وتحد من فرضيات التقارب التي راجت خلال السنوات الماضية.
وبين تمسك الجماعة بخيارها الرافض للمشاركة، وسعي العدالة والتنمية إلى استعادة موقعه داخل المشهد السياسي، يبقى المشهد الإسلامي المغربي مرشحا لمزيد من النقاش والتجاذب خلال المرحلة التي تسبق انتخابات 2026، بما قد تكون له انعكاسات على توازنات الساحة السياسية ككل.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول بأن الجماعة، رغم التحولات التي شهدها المشهد السياسي المغربي والإقليمي خلال السنوات الأخيرة، لم تُجرِ مراجعات جوهرية على تصورها للعمل السياسي، وظلت تعتمد خطابا نقديا تجاه الفاعلين والمؤسسات، مع التركيز على التعبئة واستقطاب الأنصار، وتكثيف حضورها في الفضاء الرقمي والإعلام الإلكتروني، بهدف إيصال خطابها إلى أوسع نطاق.




