آراء
أخر الأخبار

حين يبدو الآباء.. غرباء في مملكتهم

لقد انزاح ميزان القوى بعدما تراجعت هيبة الأب الرمزية أمام تدفق تقني، جعل الأبناء يمتلكون أدوات العصر التي يجهلها الآباء..

تتشابك في مجتمعاتنا المعاصرة خيوط أزمة مدوية تملأ أسماعنا وتغزو نقاشاتنا اليومية، معلنة عن تحول جذري في بنية العلاقات التي ألفناها لقرون.

لم يعد البيت ذلك الحصن الذي يسكنه اليقين، بل صار ساحة لتدافع القيم واختلاف المرجعيات.

وهذا التحول العميق يطرح علينا إشكاليتين جوهريتين: هل انكسرت الهيبة التقليدية للأب تحت وطأة الانفجار المعرفي الحديث؟ وهل تحولت الأم من شريكة في التربية إلى لسان حال جيل يرى في والديه مجرد صراف آلي؟

يكمن الجواب في تفاصيل واقع يثبت أن عصر الآباء قد انتهى، فنحن نعيش اليوم عصر الأبناء بامتياز.

لم يعد الأب يشكل تلك المرجعية التي تنهل منها الأسرة قيمها وتستمد منها قراراتها.

لقد انزاح ميزان القوى بعدما تراجعت هيبة الأب الرمزية أمام تدفق تقني، جعل الأبناء يمتلكون أدوات العصر التي يجهلها الآباء.

ففي الوقت الذي كان فيه الأب قديماً هو من يفسر العالم لابنه، أصبح الابن اليوم هو من يشرح لوالده كيفية تشغيل التطبيقات البنكية المعقدة أو فك شفرات التواصل الرقمي الحديث.

أدى ذلك إلى تراجع الخبرة الحياتية أمام المهارة التقنية اللحظية، وهذا التفاوت خلق فجوة جعلت الجيل الجديد يرى في نفسه المرجعية الوحيدة، بينما بات الأب يحاول جاهداً اللحاق بركب لا يملك مفاتيح قيادته.

الأم هي الأخرى فقدت دورها القيادي التقليدي، ووجدت نفسها مكرهة لتكون لساناً ناطقاً باسم الأبناء.

صارت تتبنى قضاياهم وتدافع عن اختياراتهم في اللباس أو الخروج أو السهر أمام سلطة الأب التي لم تعد تجد لها صدى، مما حولها من مربية حازمة إلى محامية تبرر جموح الأجيال الجديدة.

هذا الواقع المرير لم يعد حبيس الجدران الصامتة، بل صار المادة الدسمة والوجع المشترك الذي يفيض به حديث الأولياء في كل مكان.

تجده حاضراً في جلساتهم الحميمة مع الأصدقاء، وفي أحاديث المقاهي والنوادي، وفي الملتقيات العامة ومع الضيوف، بل وحتى في ردهات مقرات عملهم.

يشتكون بصوت واحد من هذا الانفلات المرجعي الذي جعلهم يشعرون بالاغتراب داخل بيوتهم.

يرى الأب ابنه غارقاً في عالمه الخاص لساعات دون كلمة واحدة، وحين يحاول فتح نقاش جاد يواجه ببرود أو بجواب مقتضب يوحي بأن ما يقوله الأب ينتمي لعصور بائدة لا صلة لها بالواقع.

ومع ذلك، فإن هذا التفوق الظاهري للأبناء لا يعني أبداً أن الصواب يقف دائماً إلى جانبهم.

فرغم كونهم أكثر تكنولوجية ومواكبة للتطور العلمي المذهل، إلا أن الكثير من الدراسات تثبت أنهم أقل ذكاءً عقلياً وأقل قدرة على التحليل العميق أو التركيز الطويل.

لقد منحهم العصر سرعة الوصول إلى المعلومة، لكنه سلبهم مهارات التفكير النقدي وصبر الاستنتاج.

فصاروا يمتلكون مهارات تقنية عالية، يرافقها تراجع واضح في القدرات الذهنية التي لا تُبنى إلا بالقراءة المتأنية والاحتكاك المباشر مع تعقيدات الواقع.

نلمس هذا التراجع بوضوح حين نجد ابناً يتقن الألعاب الإلكترونية المعقدة ببراعة فائقة، لكنه يعجز تماماً عن إدارة ميزانية شخصية بسيطة أو حل مشكلة اجتماعية تتطلب نفساً طويلاً وحكمة.

كما نراه في عجز الكثير منهم عن صياغة فكرة متماسكة بلغة سليمة تعبر عن ذواتهم، فضلاً عن افتقارهم الجلي لآداب الحوار والجلوس مع الكبار.

تطغى النزعة الفردية والأنانية على حساب التقدير الاجتماعي الذي كان ركيزة الأسرة قديماً.

والإنصاف يقتضي القول إن الآباء أنفسهم يتحملون جزءاً كبيراً من المسؤولية.

فهم في كثير من الأحيان يريدون من الأبناء أن يسيروا وفق نمط تفكيرهم الخاص ورؤيتهم الأحادية، محولين التربية إلى محاولة لصناعة نسخ مطابقة للماضي.

كأن يصر الأب على توجيه ابنه نحو مسار مهني معين لمجرد إرضاء طموح شخصي قديم.

وهم يحتجون باستمرار بأن الأبناء لا يسمعون الكلام ويفعلون ما يريدون، لكن هذا التصلب في المواقف أدى إلى نتيجة عكسية.

أصبح الأبناء يعتبرون الأب مجرد آلة صرف، فلا يقتربون منه ولا يتوددون إليه إلا إذا كانوا محتاجين إلى النقود لشراء مقتنيات جديدة أو السفر مع الأصدقاء.

إننا أمام جيل يواكب العلم بآلية مدهشة لكنه يفتقر إلى الرصانة العقلية والصلابة النفسية.

يرافقه جيل من الآباء يشتكون من الجفاء، وهم الذين ساهموا في صنعه حين اختزلوا دورهم في السلطة أو المادة.

إن هذا الانقلاب في الأدوار يضعنا أمام تساؤل مصيري حول شكل الأسرة القادمة.

فلا الآباء يمكنهم الاستمرار في محاولة صياغة الأبناء وفق رغباتهم الذاتية، ولا الأبناء بمنأى عن الحاجة إلى تلك الحكمة التي تحميهم من رياح التيه الرقمي.

الهدف هو ألا تتحول بيوتنا إلى جزر معزولة يسكنها غرباء يتحدثون لغات مختلفة تحت سقف واحد.

فإذا كان الأبناء قد انتزعوا سلطة المعرفة والتقنية وظل الآباء متمسكين بسلطة الإنفاق أو محاولة السيطرة المطلقة، فمن الذي سيقوم بترميم الروابط الإنسانية التي لا تشتريها النقود ولا تمنحها الشاشات؟

https://anbaaexpress.ma/d9pjo

عبدالله فضول

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى