يأتي كتاب “أصداء الطوفان.. موت غزة في زمن الانكسار” للباحث والإعلامي المغربي عبد الحي كريط، الصادر عن مؤسسة أفرا للدراسات والأبحاث بالمغرب عام 2025، في 316 صفحة، بوصفه وثيقة فكرية ووجدانية تتجاوز التوثيق التاريخي.
في هذا العمل، يتجاوز الكاتب هدوء الكتابة الفكرية التقليدية، ويقترب مباشرة من قسوة الواقع الذي تعيشه غزة، ويكتب من داخل التجربة نفسها لا من خارجها.
عبد الحي كريط، مدير نشر ورئيس تحرير موقع أنباء إكسبريس، يعمل في الإعلام والبحث الثقافي، ويركز اهتمامه خصوصًا على الأدب الإسباني والحوار الثقافي بين المشرق والمغرب.
أصدر قبل هذا الكتاب عملين: (نوافذ حوارية في الأدب الإسباني والفن والفلسفة 2024)، و(مدارات ثقافية.. الشمس تشرق من المغرب 2025). ويتناول فيهما قضايا ثقافية وفكرية مرتبطة بهذا الاهتمام.
أما (أصداء الطوفان) فيبدو مختلفا عن هذه الأعمال، إذ يتجه فيه إلى كتابة أقرب إلى الواقع الإنساني المباشر، بدل الاشتغال الثقافي العام.
منذ الصفحات الأولى يظهر أن الكاتب لا يكتب من مسافة بعيدة، وكأن الفكرة تتدفق قبل أن تكتمل، وهذا ينعكس أحيانًا على إيقاع النص. لكن ما أراه ليس خللًا، بقدر ما هو مرتبط بطبيعة الموضوع وثقله، وربما أيضا بأسلوب الكاتب وهو يلاحق الفكرة وهي تتشكل.
غزة هنا لا تظهر كقضية سياسية فقط، بل تبدو أقرب إلى حالة إنسانية ثقيلة تجعلنا نتساءل: كيف يمكن للعالم أن يرى كل هذا ويستمر كأن شيئا لم يكن؟ الكاتب لا يذهب إلى التفسير كثيرا، ولا يحاول ترتيب المعنى، بل يترك ما يحدث كما هو، من خلال أصوات وشهادات متفرقة؛ لأن ما يجري أكبر من أن يُحصر في قراءة واحدة أو حتى في كتاب.

في الفصل الأول (حوارات في زمن الطوفان)، والذي يشغل مساحة كبيرة من الكتاب، يبدو هذا الاختيار مقصودا؛ فصوت واحد لا يكفي للإحاطة بما يحدث، لذلك تتعدد الأصوات، وكلها تدور حول فكرة واحدة هي (الانكسار).
في أحد المقاطع يقول أكرم الصوراني: (دعني أفضفض لكم من قلب الخيبة. فنحن لسنا بخير ونموت كل دقيقة) (ص 13). الجملة مشحونة بثقل واضح، وهي أقرب إلى كلام يُقال تحت ضغط التجربة نفسها أكثر من كونها صياغة أدبية. كلمة (أفضفض) تعطي إحساسًا بأن النص يخرج من تعب مباشر، لا من رغبة في التزيين أو البلاغة.
وفي موضع آخر: (صرنا ننام على الأرض… صارت الخيمة بيتنا) (ص 18). العبارة تأتي كما هي تقريبا، بلا مسافة كبيرة بين الفكرة وصوتها، وهذا ما يجعل أثرها أقوى من أي شرح زائد.
في هذا الفصل تتكرر بعض الأفكار بصيغ مختلفة، وأحيانا يبدو الأمر كأن الفكرة تعود مرة أخرى دون تغيير كبير. ربما لأن التجربة نفسها ثقيلة إلى درجة يصعب حصرها في صيغة واحدة، أو لأن الشهادات متقاربة في أصلها وتعكس واقعا واحدا تقريبا.
نحن كشعوب نتألم لما جرى لأهلنا في غزة من حرب إبادة وتشريد، وما خلفته من خسائر إنسانية قاسية طالت البيوت والذاكرة معا.
في الفصل الثاني يتغير الإيقاع قليلا، حيث يقترب الكاتب من التحليل أكثر؛ فيتحدث عن الرواية الإسرائيلية، والموقف الغربي، وكذلك الصمت العربي. النص يتحرك بين السرد والتحليل دون أن يستقر على شكل واحد.
يقول: (إن ما يسمى بالحق التاريخي ليس إلا بناء أيديولوجيًا متأخرًا) (ص 41). فكرة (الحق التاريخي) تظهر هنا كشيء يُصنع داخل الخطاب أكثر مما يُكتشف في التاريخ، وكأنها تتشكل مع الزمن لا قبله.
وفي موضع آخر: (المقاومة ليست فعلًا عسكريًا فقط، بل حالة وعي تتشكل تحت ضغط القهر) (ص 58). المعنى يتوسع هنا ليشمل الوعي والضغط معًا، وليس الجانب العسكري وحده.
وفي لحظة هادئة يقول: (ما بعد الطوفان ليس كما قبله، ليس لأن الحرب تغير كل شيء، بل لأنها تكشف ما كان مخفيا) (ص 72). الفكرة بسيطة في جوهرها: أن ما يظهر بعد الحدث ليس جديدًا بالكامل، بل هو ما كان موجودًا وانكشف فقط.
في الفصل الثالث والأخير، يتغير الإيقاع بشكل واضح، أو هكذا يبدو لي. لم يعد الكاتب واقفًا عند حدود التحليل، بل يقترب من لغة مشحونة بالوجع والألم، كما في نص (غزة اليتيمة.. في وجه الخذلان) ص 268، حين يقول: (خُذلت غزة، في الزمن المظلم / في القلب وجع، وفي الحناجر سكون).
ما يعلق في الذهن هو تلك المفارقة الصغيرة: (الحناجر الصامتة). كأن الأمر ليس في ما يحدث فقط، بل في ما لا يُقال أيضًا. الصمت هنا لا يبدو عابرًا، بل ثقيل إلى درجة أنه يدخل في تفاصيل المشهد نفسه.
بعد ذلك، لا يبقى النص على نبرة واحدة. ينتقل إلى الإدانة المباشرة حين يكتب: (غزة ليست جرحًا في تاريخهم، بل وصمة عار) (ص 270).
هنا أشعر أن المسافة النقدية تضيق أكثر مما يجب. كأن الكاتب لم يعد يهتم كثيرًا بفكرة التوازن، أو ربما لم يعد يراها مهمة أصلًا. الإدانة تكبر على حساب الشرح، وتتكرر كلمات مثل الخذلان، الصمت، السقوط… وكأنها تدور في مساحة واحدة.
وفي موضع آخر تأتي جملة شديدة الكثافة: (في غزة، للجوع نكهة دم، وللرغيف هيئة شهيد) (ص 285). الجملة هنا لا تشرح بقدر ما تترك أثرها مباشرة. الجوع والموت يظهران جنبًا إلى جنب دون مسافة كبيرة بينهما، وهذا ما يجعلها ثقيلة في معناها، واضحة في أثرها.
بينما في مقطع آخر: (الطفل الذي حمل كيس الطحين، حمل خلفه خريطة وطن ممزق). مشهد صغير يفتح مساحة أوسع بكثير: طفل، كيس طحين، ووطن يظهر كأنه ظل ممتد بلا نهاية واضحة.
في نص (الموت يساوي صفرًا.. في غزة)، يهدأ الإيقاع قليلًا، أو يبدو كذلك. هناك محاولة للتماسك، وإن لم تكتمل تماما. حين يقول: (ما يُرعب في غزة ليس عدد القتلى، بل اعتياد الموت) (ص 293).
الجملة تبدو هادئة في ظاهرها، لكنها أكثر قسوة مما تبدو عليه. لأنها لا تتعامل مع الحدث نفسه، بل مع تحوله إلى شيء مألوف، وهذا وحده يغيّر المعنى بالكامل.
أما في نص (خان يونس.. صلاة الجنوب في محراب الرماد)، فهناك نبرة مختلفة، أقرب إلى الحنين، لكنها غير مكتملة الصفاء. (كنا نتمشى فوق شاطئك، ندون على الرمال أسماء الأمل قبل أن تبتلعها الأمواج).
هذه الجملة تبدو كأنها تلتفت إلى الخلف. صورة تريد أن تبقى كما كانت، قبل أن يتغير كل شيء بهذا الشكل الثقيل، وكأنها آخر ما بقي من ذلك الخفوت القديم.
(أصداء الطوفان) لا يسعى لأن يكون عملا مكتملا بقدر ما هو اقتراب من غزة، بما يحمله هذا الاقتراب من توتر واضطراب في الإيقاع.
وكما يظهر، فإن النص يتحرك بين الشهادة والتحليل والانفعال، وأحيانا يميل إلى التعبير الوجداني أكثر من التحليل. ومع ذلك ينجح في نقل ثقل التجربة كما هي، دون محاولة لتخفيف حدتها أو إبعادها عن القارئ.
من وجهة نظري، تكمن قيمة هذا العمل في صدقه في التعامل مع موضوع بحجم غزة. قد تُلاحظ بعض التكرارات أو اندفاع اللغة في بعض المقاطع، لكن هذه السمات تبدو جزءا من طبيعة النص نفسه.
وفي النهاية، يظل هذا النوع من الكتابة مهما لأنه ينبع من قلب التجربة، لا من مسافة بعيدة عنها.




