كتب العديد من الشخصيات، تاركين خلفهم للتاريخ مذكراتهم الشخصية. كتب السياسيون مثل البريطاني تشرشل، وكتب العسكريون مثل الروسي (جاكوف)، و(ديغول) الفرنسي، والألماني ثعلب الصحراء (رومل).
وكتبت الصينية (تشونغ تشانغ) حول حياة ثلاث أجيال من النساء في روايتها (البجعات البرية)، فقرأتُه فانتقلت عبر الزمن إلى الصين ومأساتها تحت حكم (ماو تسي دونغ) الذي أرسل إلى الموت بالمجاعة ملايين الناس. ولكنها أرحام تدفع وقبور تبلع.
وكتب الفلاسفة مثل (البدوي) المصري بعد تسعين كتابًا في الفلسفة، وكتب ثعلب السياسة في سوريا (أكرم الحوراني) أربع مجلدات في التاريخ السوري، ولكن ماذا تتوقع من حكايات الثعالب؟ كما كتب البعثي الأردني (منيف الرزاز) عن الأيام المرة، وكتب المصري (حسن البنا)، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، مذكراته بعنوان (الدعوة والداعية)، وانتهت حياته باغتيال على يد الملك فاروق وأعوانه في عرض الشارع، ولم يُسعف، بل تُرك ينزف حتى الموت.
وكتب (إدوارد سعيد) الفلسطيني (خارج المكان)، وكتب المغربي (عابد الجابري) (حفريات في الذاكرة)، وكتب الجزائري مالك بن نبي (مذكرات شاهد القرن)، وكتب المصري (عبد الوهاب المسيري) في سيرته، وهو المشهور بالموسوعة الصهيونية بعد أن نشر كتابه في سلسلة عالم المعرفة عن الأيديولوجية الصهيونية. وكتب العراقي الجادرجي وزوجته بلقيس شرارة عن السجن بعنوان (جدار بين ظلمتين)، ولما أُخرج لم يكن ليغطي عورته من الأمام أو الخلف على يد صدام.
بل وترك لنا الموسوعي التونسي ابن خلدون أربعة عشر مجلدًا في التاريخ، ولكن أهم من الكل مقدمته الشهيرة ذات القوانين الستة في تتبع الأخبار بعنوان سجعي، وهو المتبع والمعروف في زمانهم: (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر وأخبار العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر).
بل وترك لنا الرحالة الطنجاوي المغربي ابن بطوطة تحفته بعنوان (تحفة النظار في غرائب الأسفار وعجائب الأمصار)، وهي كتب تمتعت بقراءتها أيما متعة.
ولعل كتاب العراقي الوردي في موسوعته عن العراق، التي بقيت معها ستة أشهر أتذوقها، فهي من النوع السهل الممتنع، خلاف كتاب الفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) في كتابه عن حكمة الغرب، الذي لم أكمله ولم أتابعه، وأنا الصبور أو هكذا أزعم.
ومع العراقي الوردي مررنا في وديان من الثقافة، في نافذة لا تزال تتسع للتعرف على فرق شتى، منها حتى الماسونية، وقصة امرأة خارقة هي قرة عين التي أنهت حياتها قتلاً، وتعرفنا من خلالها على السيدة بيل في السفارة البريطانية التي كانت تدير الأمور من خلف ستار من الأنوثة الكاذبة.
وفي الجزء السادس من موسوعته، تحدث بشكل جيد حيادي عن نشأة المملكة العربية السعودية وشخصية مؤسسها بأربع صفات، وكيف تعرض لمحاولة اغتيال، لكنه نجا بعد أن أُلقيت قنبلة على خيمته فلم تنفجر.
وأهم ما نختم به هذه المقدمة عن سيرة المصطفى ﷺ، وهي ما كتب عنها مايكل هارت في كتابه (أعظم مائة شخصية مرت على العالم)، حيث توجها بشخصية نبي الرحمة ﷺ. ولكن كاتبًا مصريًا سرق تحفته ورصع اسمه فوق غلاف الكتاب.
وتأتي أهمية كتابة السيرة الذاتية في ثلاث نقاط:
1 ـ التجربة الذاتية وما تحويه من أوهام وأوجاع وحقائق.
2 ـ ثم هي وصف من تجربة شخص يصف ما رآه وعاصره، فهل هي الحقيقة؟
والجواب أنها ما رآها هذا الشخص. ولو سألت شخصًا آخر لروى الرواية على نحو يقترب أو يبتعد، بل قد يرويها في إطار مختلف تمامًا، كما جاء في قصة العميان الأربعة والفيل.
هنا يدخل أيضًا الكذب والمبالغة أمام اليقين الخطير، أو محاولة الصدق ما أمكن. أي إنها رؤية شخصية وتجربة خاضها الإنسان في هذه الحياة، هي تجربته لا أكثر ولا أقل.
3 ـ والأمر الثالث محاولة الإنصاف من خلال عملية النقد الذاتي. وفي النهاية، المحصلة التي يصل إليها الكاتب أنها أشياء مرت في حياته وتركت انطباعًا لا يزول، خاصة تلك التي ترافقت بالمعاناة، فليس مثل المعاناة حفظًا للذاكرة.
أنا شخصيًا دخلت المعتقلات في زمن البعث الأسدي أربع مرات، تركت في ذاكرتي ألمًا لا يُمحى، ولست الوحيد. والأخ الفاضل باسل شيخو من السويد ـ وهو رجل قمة في التهذيب ـ ألحّ علي أن أسجل مذكراتي، فهي أمانة ومسؤولية أمام جيل كامل.
ومع أنني أعرف أن جيلنا كان يقرأ، فإن الجيل الجديد لا يقرأ إلا قليلًا، ويكتفي بما يسمع عبر الهواتف الذكية. نحن أمام تحول خطير في وسائل التواصل.
قال الأخ شيخو: علينا أن نسجل، فهي مسؤولية، وهناك من يقرأ. اقترحت عليه، أمام هذا التحول، أن أسجل له على امتداد شهر كامل مذكراتي الشخصية على شكلين: مكتوب، ثم تسجيل كل حلقة كتابة ونطقًا في فيديو مستقل.
وفي النهاية، نجمع المكتوب في كتاب مستقل قد يُطبع، وقد يتحول إلى كتاب إلكتروني يصل إليه من يريد. أظن بهذه الطريقة نكون قد واكبنا تطلعات الجيل القديم الذي يودع، والجيل الجديد الذي يسمع أكثر مما يقرأ.
أنا رجل وصلت إلى حافة الثمانين من العمر، ومررت بخمس مراحل أساسية من حياتي: بين مدينة القامشلي التي وُلدت فيها وترعرعت بين عامي 1946 و1964، وكان ذلك بين الطفولة والمراهقة، ثم ودعتها إلى دمشق، حيث بقيت فيها عشر سنوات بين 1964 و1975، بنيت خلالها عائلتي وأنهيت دراسة كليتي الطب والشريعة.
ثم قفزت، خائفًا من البعث وربما إلى يوم البعث، إلى ألمانيا، وبقيت فيها تسع سنوات حتى عام 1983، حيث أنهيت التخصص الطبي في الجراحة، مع تدريب مكثف في جراحة الأوعية الدموية في ثلاث محطات.
وأخيرًا لجأت إلى السعودية، حيث اشتغلت فيها في مرحلتين، بين الجراحة العامة ثم التفرغ لجراحة الأوعية الدموية، متنقلًا بين ست محطات: المنطقة الشرقية في مدينة الدمام، ثم جبال عسير بين النماص وأبها وخميس مشيط، ثم منطقة القصيم في المشفى التخصصي بمدينة بريدة، لأختم عملي في برنامج الدعم الطبي بين حائل وعسير، المنطقة الجبلية في السعودية.
وأخيرًا الاستقرار في كندا.
وأكتب حاليًا في المغرب، حيث أصبحت أتنقل في موسمي الصيف والشتاء بين أفضل ما يمنحه الله للإنسان: بين كندا برقيها وبردها، وبين الجنة المغربية.
فهذه هي فصول حياتي، تعرفت فيها على الشرق الأوسط، ثم أوروبا، ثم الخليج، ثم أمريكا الشمالية، ثم أفريقيا حيث المغرب، في خمس موجات من الترحال، اختلطت فيها بالعديد من الثقافات واللغات والمناخات، بين حرارة السعودية التي تصل إلى 54 درجة في الظل، وبين كندا التي تهبط في مونتريال إلى نحو ثلاثين درجة تحت الصفر، ولكن في بيوت معزولة مدفأة، ولك الويل إن انقطعت الكهرباء ولم تكن مزودًا بحطب كافٍ لموقد التدفئة.




