لا أستطيع أن أحدد اللحظة التي بدأت فيها مدريد القديمة تتسلل إلي، ربما حين ضعت أول مرة بين الأزقة الضيقة، أو حين توقفت فجأة دون سبب واضح في ساحة بلازا مايور، كأن قدمي قررتا أن تتصرفا من تلقاء نفسيهما.
كنت قد خرجت بنية “جولة عادية”، شيء يشبه ما يفعله أي زائر في مدينة جديدة. لكن مدريد القديمة لا تسمح لك بهذا النوع البسيط من النوايا.
هي لا تزار فقط، بل تربكك بهدوء، ثم تتركك تمشي وكأنك تعرف الطريق، بينما أنت في الحقيقة تتعلم كيف تنسى فكرة الطريق نفسها.
في بلازا مايور، لم أشعر بالدهشة كما توقعت. الساحة جميلة، نعم، لكن ما شدني أكثر كان شيء آخر.. هذا التوازن الغريب بين الحركة والسكينة. الناس يأكلون، يلتقطون الصور، يمرون، وأنا فقط كنت واقفا أراقب دون أن أقرر الوقوف.

جلست على طرف الساحة للحظة، لا أدري كم استمرت. ربما دقائق، وربما أقل. كان هناك رجل يرسم، وطفل يركض بلا اتجاه، وصوت أقدام على الحجر يختلط بكل شيء دون أن يترك أثرا واضحا.
من هناك، أخذت طريقا ضيقا نحو بويرتا ديل سول. الطريق أقصر مما تتوقع على الخريطة، لكنه في الواقع يبدو أطول، لأنك تتوقف كثيرًا دون أن تنتبه. لا شيء محدد يجذبك، لكن كل شيء يبدو كأنه يستحق نظرة إضافية.
في “سول”، عند نقطة الصفر، وقفت قليلًا. فكرة أن كل المسافات في إسبانيا تقاس من هنا تبدو جميلة نظريا، لكنني شعرت بشيء مختلف، كأنك تقف في مركز كل شيء، ومع ذلك لا تعرف أين أنت بالضبط داخليا. كان هناك ازدحام، ضجيج، كاميرات، لكن وسط ذلك كله، لحظة صمت صغيرة لا أعرف لماذا شعرت بها.
لم أكن ألتقط الكثير من الصور في ذلك اليوم. ليس لأن المكان لا يستحق، بل لأنني كنت أشعر أن الانشغال بالكاميرا سيجعلني أفقد شيئا غير مرئي.

في لحظة عابرة، وجدت نفسي أنزل إلى مترو مدريد عند غران بيا. هناك تحمل شيئًا من التاريخ الصامت، فهي تعود إلى عام 1919، كأنها تحتفظ بذاكرة المدينة تحت الأرض أكثر مما تفعل الشوارع فوقها.
الانتقال من ضوء الشارع إلى عمق الأنفاق كان أشبه بالانتقال بين زمنين، أحدهما يعيش على السطح والآخر يتنفس في الأسفل دون أن يُرى.
في الأزقة الخلفية، بدأت مدريد القديمة تظهر وجها مختلفًا. الشوارع أضيق، الجدران أقرب، وبعض النوافذ تبدو وكأنها لم تفتح منذ وقت طويل، أو ربما العكس، كأنها تفتح دائمًا على نفس الهواء القديم.
هناك شعرت بشيء لا أستطيع شرحه جيدا، المدينة ليست جميلة فقط، بل “مكدسة”. طبقات فوق طبقات، دون محاولة لإخفاء شيء. حتى الصمت فيها يبدو قديما.

مساء مررت بسوق سان ميغيل. في البداية لم أدخل. وقفت عند الباب تقريبا، أتردد. كان الداخل مليئا بالأصوات والروائح، شيء بين الفوضى والنظام. ثم دخلت أخيرا،لا أدري لماذا. ربما لأن الوقوف خارجه بدا غير منطقي.
في الداخل، كل شيء يتحرك بسرعة. الناس يأكلون واقفين، يضحكون، يتحدثون بلغات مختلفة، والروائح تختلط بشكل لا يمكن فصله. اشتريت شيئا بسيطا لا أتذكر اسمه الآن. ليس لأنه لم يكن مهما، بل لأن التجربة كلها كانت أهم من الطعام نفسه.
حين خرجت، شعرت فجأة بالبرودة. ليس برودة الطقس، بل برودة الانتقال من كثافة إلى فراغ. كأنك خرجت من طبقة صوت عالية إلى شارع عادي.
واصلت رحلتي في اليوم الموالي ومشيت نحو القصر الملكي. المبنى ضخم بطريقة تجعلك تصمت تلقائيا، ليس إعجابا فقط، بل نوع من الاعتراف بأن بعض الأشياء موجودة قبل أن تفكر فيها أصلًا. وقفت أمامه لفترة طويلة. لا أعرف إن كنت أفكر بشيء محدد، لكنني أتذكر أنني شعرت بثقل المكان أكثر من جماله.

في الساحة المقابلة، كان هناك فراغ واسع. هذا الفراغ بالتحديد هو ما بقي معي. ليس القصر، بل المسافة حوله. أحيانًا الفراغ يقول أكثر من البناء نفسه.
بعد ذلك، بدأت المدينة تأخذني نحو أماكن لم أكن أخطط لها. في أحد الأزقة، وجدت نفسي قريبًا من المكان الذي عاش فيه ميغيل دي ثربانتس. لا أعرف لماذا توقفت هناك. ربما لأن الاسم وحده يخلق نوعا من الصمت.
“دون كيخوطي دي لامانشا” ليس مجرد رواية، بل فكرة عن الإنسان وهو يقاتل ما لا يمكن الإمساك به. وقفت قليلًا أمام المكان، ثم واصلت المشي دون أن أقول شيئًا. أحيانًا لا تحتاج المدن إلى تعليقات.
ليس بعيدا رأيت تمثال فيديريكو غارثيا لوركا. لم أكن أبحث عنه، لكنه ظهر فجأة في ساحة سانتا آنا. كان هناك مقهى قريب، وضجيج خفيف، لكن التمثال نفسه بدا كأنه لا ينتمي إلى اللحظة.

وقفت أمامه لثوان قصيرة. لا أعرف لماذا لوركا دائما يترك هذا الإحساس: حضور هادئ لكنه غير مكتمل، كأن صوته ما زال في الهواء لكنه لم يعد يقال.
في مدريد، التماثيل ليست زينة. هي جزء من المشي نفسه. ترفع رأسك فجأة فتجد فوق أحد المباني أشكالًا قديمة، شخصيات أسطورية، وجوه لا تعرف إن كانت تحرس المكان أم تراقبه فقط.
نافورة نبتون كانت واحدة من تلك اللحظات التي لا تحتاج شرحا. الماء يتحرك، والتماثيل في وسطه يبدو وكأنه لا يهتم بمن ينظر إليه. لم أشعر أنها “معلم سياحي”، بل شيء موجود دائمًا، حتى قبل أن تصل إليه. وفي مكان قريب، نافورة سيبيليس، نفس الإحساس تقريبا، لكن بطريقة مختلفة.. هناك نوع من الجدية في حضورها، كأنها لا تمزح مع الزمن.
ما بدأ يلفتني أكثر في مدريد القديمة هو هذا التعايش الغريب بين الأسطورة واليومي. لا يوجد فصل واضح بينهما. كأن المدينة لا ترى فرقا بين إله اغريقي وروماني ورجل يعبر الشارع.

وفي لحظة ما، خطر لي اسمها القديم: “مجريط”. الاسم العربي الذي يعود إلى زمن كانت فيه المدينة أصغر بكثير، مجرد حصن على أطراف تاريخ آخر.
فكرة أن هذا المكان كان يحمل اسمًا مختلفا تماما جعلتني أنظر إلى الجدران بشكل مختلف. كأنك تدرك أن كل شيء هنا مر من صيغة أخرى للحياة.
في المساء، بدأت أبطئ أكثر دون أن أنتبه. الضوء تغير، والحجر أصبح أدفأ، والمدينة بدت أقل صخبا وأكثر صراحة. جلست في مقهى صغير في زاوية شارع لا أستطيع تذكر اسمه الآن. ربما لو عدت إليه لن أجده بسهولة، وهذا لا يزعجني.
طلبت قهوة، ليس لأنني أردت القهوة فعلاً، بل لأن الجلوس دون شيء كان سيجعلني أشعر أنني عابر تمامًا. كان هناك رجل مسن يقرأ جريدة، وامرأة تنظر إلى هاتفها، وشخصان يتحدثان دون حماس واضح. كل شيء يبدو عاديا، لكن بطريقة مريحة.

في تلك اللحظة، شعرت أن مدريد القديمة لا تحاول أن تبهر أحدا. هي فقط موجودة، وهذا يكفي. حين بدأت العودة، لم أكن متأكدا من الاتجاه، لكنني لم أكن قلقًا. المدينة كانت تقودني بطريقة ما، حتى وإن لم أكن أفهمها تماما
ما خرجت به من ذلك اليوم ليس صورة واضحة، بل إحساس متقط، أن المدن ليست أماكن نذهب إليها، بل أشياء تتغير فينا ونحن نمر بها.
ومدريد القديمة تحديدا لا تبقى كما هي في الذاكرة. هي تعود لاحقا، بشكل غير متوقع، في لحظة صمت، أو أثناء المشي في مكان آخر، كأنها لم تنته هناك أصلا.
وفي كل مرة تعود فيها، أسمع الاسم القديم في الخلفية قليلا، مجريط.. وكأن المدينة تذكرك بأنها كانت شيئا آخر قبل أن تصبح ما هي عليه الآن، وربما ما زالت شيئا آخر في مكان ما لا نراه.





