الشأن الإسبانيتقاريرسياسة
أخر الأخبار

زيارة سبتة.. بين ضغط اليمين الإسباني وحسابات مدريد لتفادي أزمة جديدة مع الرباط

تحولت فكرة زيارة الملك إلى جزء من السجال الداخلي حول كيفية تعامل الدولة الإسبانية مع سبتة ومليلية، وأصبحت الزيارة بالنسبة إلى قطاعات من اليمين اختباراً لما تسميه "حزم الدولة" في الدفاع عن المدينتين..

تتزايد في إسبانيا الضغوط السياسية المطالبة بزيارة الملك فيليبي السادس إلى سبتة، خصوصاً بعد أزمة الهجرة الأخيرة التي أعادت المدينة إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي. غير أن الحماس الذي يبديه اليمين الإسباني لهذه الخطوة يقابله حذر واضح من جانب الحكومة المركزية، التي تدرك أن زيارة ملكية إلى المدينة قد تتجاوز بعدها الرمزي لتتحول إلى اختبار جديد للعلاقات مع المغرب.

وكان رئيس حكومة سبتة المحتلة، خوان خيسوس فيفاس، قد أعلن عقب لقائه الملك فيليبي السادس في قصر ماريفنت يوم 6 غشت الجاري، أن العاهل الإسباني ملتزم بزيارة المدينة، من دون أن يكشف عن موعد محدد. لكن تصريحات وزير التحول الرقمي والإدارة العامة أوسكار لوبيز، في اليوم الموالي، بدت أكثر تحفظاً، إذ ربط الزيارة بكون الظروف “مناسبة” وبضرورة تنسيقها مع الحكومة.

ولا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في تقدير التوقيت، فالملكية الإسبانية تتحرك ضمن إطار دستوري يجعل القرارات الملكية ذات الطابع السياسي خاضعة للتوقيع الحكومي، وهو ما يجعل أي زيارة إلى سبتة، بالنظر إلى حساسيتها تجاه المغرب، قراراً يتطلب حسابات دقيقة داخل قصر مونكلوا.

اليمين يحول الزيارة إلى اختبار سياسي

في المقابل، يسعى اليمين الإسباني إلى منح الزيارة دلالة تتجاوز البروتوكول. فحزب الشعب تعامل مع تحركات الملك تجاه سبتة باعتبارها رسالة دعم للمدينة، بينما طالب رئيس حكومة مليلية بأن يرافق رئيس الوزراء بيدرو سانشيز العاهل الإسباني في زيارة إلى المدينتين.

أما حزب “فوكس”، فقد اختار خطاباً أكثر تصعيداً، إذ وصف أحداث الهجرة الأخيرة بعبارات شديدة اللهجة، وطالب بتشديد الإجراءات الأمنية وتعزيز الوجود العسكري على الحدود.

وبذلك تحولت فكرة زيارة الملك إلى جزء من السجال الداخلي حول كيفية تعامل الدولة الإسبانية مع سبتة ومليلية، وأصبحت الزيارة بالنسبة إلى قطاعات من اليمين اختباراً لما تسميه “حزم الدولة” في الدفاع عن المدينتين.

وزادت صحيفة La Razón من الضغط الإعلامي عندما نشرت تصريحات للباحث في العلاقات الدولية كارلوس إتشيفيريا، مدير مرصد سبتة ومليلية، دعا فيها الملك إلى زيارة المدينة بصورة طبيعية، منتقداً ما اعتبره حذراً مفرطاً من جانب السياسة الخارجية الإسبانية تجاه المغرب.

غير أن المشكلة بالنسبة إلى مدريد لا تكمن في الزيارة نفسها بقدر ما تكمن في ما يمكن أن يحدث في اليوم التالي لها.

ذاكرة 2007 ما تزال حاضرة

فالملك فيليبي السادس ليس أول عاهل إسباني يواجه هذا الاختبار. ففي نونبر 2007، زار الملك خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا كلاً من سبتة ومليلية، في خطوة أثارت غضباً مغربياً واسعاً.

وردت الرباط آنذاك باستدعاء سفيرها في مدريد للتشاور، ووصفت الزيارة بأنها خطوة مؤسفة، في أزمة دبلوماسية استمرت لأسابيع قبل أن تبدأ العلاقات في العودة تدريجياً إلى مسارها الطبيعي.

وتستحضر دوائر القرار الإسبانية هذه السابقة في وقت أصبحت فيه العلاقة مع المغرب أكثر تعقيداً وترابطاً في الوقت نفسه. فمدريد والرباط لا تجمعهما فقط ملفات السيادة والهجرة، بل شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية والحدودية.

ولهذا فإن أي خطوة رمزية في سبتة أو مليلية يمكن أن تكون لها تداعيات تتجاوز حدود المدينتين.

شريك اقتصادي يصعب تجاهل حساباته

تحتل إسبانيا موقعاً مركزياً في المبادلات التجارية المغربية، فيما توجد مئات الشركات الإسبانية في المملكة، وتتشابك مصالح البلدين في قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية والنقل والسياحة.

كما أن التعاون الأمني والهجرة يشكل أحد أهم مرتكزات العلاقة الثنائية، إلى جانب الاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، الذي سيجمع المغرب وإسبانيا والبرتغال.

ومن ثم، فإن مدريد لا تتعامل مع زيارة ملكية إلى سبتة باعتبارها مجرد مناسبة لرفع الرمزية الوطنية، وإنما باعتبارها قراراً يمكن أن ينعكس على منظومة واسعة من المصالح المشتركة.

وهنا تظهر المفارقة: الخطوة التي يريدها اليمين لإظهار قوة الدولة قد ينظر إليها صانع القرار باعتبارها مخاطرة يمكن أن تضعف هامش المناورة الدبلوماسية.

الملكية.. قناة هادئة في علاقة حساسة

تملك المؤسسة الملكية الإسبانية أيضاً خصوصية مختلفة في علاقتها بالمغرب. فقد حافظ القصران، رغم الأزمات السياسية المتعاقبة، على قنوات اتصال ذات طابع خاص، وهو ما يجعل المؤسسة الملكية في نظر بعض المتابعين إحدى أدوات التهدئة الممكنة، لا بالضرورة إحدى واجهات التصعيد.

ومن هذه الزاوية، فإن زيارة الملك إلى سبتة في ظرف متوتر قد تفقد هذه القناة جزءاً من قدرتها على لعب دور الوسيط الهادئ، وتحول الملك نفسه إلى طرف مباشر في واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية.

وهذا تحديداً ما يفسر الفارق بين الرغبة السياسية في الزيارة وبين الاستعداد الفعلي لتنفيذها.

بين الصورة والمصلحة

في نهاية المطاف، تبدو سبتة اليوم عالقة بين خطابين داخل إسبانيا: خطاب يرى في زيارة الملك واجباً رمزياً ورسالة سيادية، وخطاب آخر ينظر إلى السياسة الخارجية بمنطق المصالح طويلة المدى وتجنب الأزمات غير الضرورية.

وبين الاثنين تقف حكومة بيدرو سانشيز أمام معادلة دقيقة: كيف تستجيب للضغط الداخلي من دون أن تحول زيارة ملكية إلى أزمة دبلوماسية جديدة مع الرباط؟

لذلك، فإن إبقاء الزيارة ضمن خانة “ستتم عندما تكون الظروف مناسبة” قد لا يكون مجرد تأجيل بروتوكولي، بل صيغة سياسية تسمح لمدريد بالحفاظ على الوعد من جهة، وترك الباب مفتوحاً أمام الحسابات الدبلوماسية من جهة أخرى.

ففي العلاقات بين الدول، لا تكون كل زيارة مجرد صورة أمام الكاميرات. أحياناً تكون الصورة نفسها هي الرسالة، وما تخشاه مدريد ربما ليس ما سيقوله الملك في سبتة، بل ما قد تفهمه الرباط من مجرد وجوده هناك.

https://anbaaexpress.ma/em5fn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى