آراء
أخر الأخبار

حين يصبح الصحفي هدفًا من غزة إلى جنوب لبنان.. استهداف الحقيقة تحت النار

إعلاميون يتحركون في مجموعات واضحة، يرتدون سترات الصحافة، ويتمركزون في نقاط مكشوفة..

داني الأمين – بيروت

 لم يعد استهداف الصحفيين في الحروب الحديثة تفصيلًا يمكن المرور عليه كأثر جانبي، بل بات ظاهرة متكررة تفرض نفسها على أي قراءة جدية لطبيعة النزاعات، خصوصًا عندما تتقاطع الوقائع بين أكثر من ساحة، كما هو الحال بين غزة وجنوب لبنان.

ففي كلتا الحالتين، لا يقتصر الخطر على بيئة الحرب بحد ذاتها، بل يتجاوزها ليطال من يفترض أنهم شهود عليها، أولئك الذين يحملون الكاميرا بدل السلاح، وينقلون الصورة بدل أن يصنعوا الحدث.

في غزة، خلال الحرب الأخيرة، سُجلت واحدة من أعلى الحصائل الدموية في صفوف الصحفيين في تاريخ النزاعات المعاصرة. تقارير لجنة حماية الصحفيين (CPJ) ومنظمات دولية أخرى تحدثت عن استشهاد أعداد كبيرة من الإعلاميين خلال فترة زمنية قصيرة، غالبيتهم أثناء قيامهم بمهامهم، أو داخل منازلهم مع عائلاتهم.

كما تم توثيق تدمير مقرات إعلامية بشكل كامل، ما أدى إلى إخراج مؤسسات صحفية من الخدمة. هذه الوقائع، سواء وُصفت بأنها استهداف مباشر أو نتيجة عمليات عسكرية واسعة، تطرح إشكالية عميقة حول مدى احترام مبدأ التمييز، أحد أهم ركائز القانون الدولي الإنساني، والذي يفرض على أطراف النزاع التفريق بشكل واضح بين الأهداف العسكرية والمدنيين.

هذا المشهد لا ينفصل عما يجري في جنوب لبنان، حيث تتكرر الحوادث ضمن نمط يثير الكثير من علامات الاستفهام. فالمشكلة لم تعد في وقوع إصابات بين الصحفيين، بل في طبيعة هذه الإصابات وظروفها.

إعلاميون يتحركون في مجموعات واضحة، يرتدون سترات الصحافة، ويتمركزون في نقاط مكشوفة، ومع ذلك يستهدفهم العدو الإسرائيلي بالقصف المباشر وهم يتنقلون لتغطية الأحداث. هذا التكرار يجعل من الصعب التعامل مع كل حادثة على أنها مجرد خطأ في التقدير.

حادثة استهداف الزميلة الشهيدة آمال خليل قبل أيام تعيد طرح هذه الأسئلة بإلحاح. فحادثة الإغتيال المتعمّد لم تأتِ من فراغ، بل سبقتها تهديدات مباشرة، بينها اتصال تضمّن تحذيرًا اسرائيليًا صريحًا بضرورة “الانتباه على رأسها قبل فصله عن جسدها”، مثل هذه التهديدات، لا يمكن فصلها عن الحدث نفسه، لأنها تشير إلى مستوى من القصدية يتجاوز المخاطر العشوائية للحرب، ويستدعي تحقيقًا دوليًا مستقلًا لتحديد المسؤوليات.

ولا بد من الإشارة مجددًا حول ما حدث في ذلك النهار، عندما استهدف العدو الاسرائيلي الزميلة آمال تقصد، بمنع فرق الاسعاف من الوصول اليها قبل مضي عدة ساعات، كي يتأكد من استشهادها، ما يعني ان قتلها كان مطلبًا اسرائيليًا واضحًا.

وقبل هذه الواقعة، كانت أسماء عدة قد سقطت في الجنوب، في ظروف متشابهة. المصور في وكالة “رويترز” عصام عبدالله قُتل في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2023 أثناء تغطيته في علما الشعب، في حادثة وثّقتها تحقيقات إعلامية وتقنية أشارت إلى أن الموقع كان يضم مجموعة صحفيين واضحة المعالم. وفي 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، استُشهدت الزميلة في قناة الميادين فرح عمر والمصور ربيع معماري أثناء عملهما الميداني، في استهداف أثار إدانات واسعة.

كما تم اغتيال الزميل الشهيد علي شعيب، والزميلة الشهيدة فاطمة فتوني، وشقيقها المصور الشهيد محمد فتوني، منذ 3 اسابيع في استهداف مباشر لهم، ضمن مشهد يتكرر فيه وضع الصحفيين في دائرة الخطر المباشر، سواء عبر الاستهداف أو التهديد أو العمل تحت نيران كثيفة في بيئة لا توفر الحد الأدنى من الحماية.

قانونيًا، لا لبس في موقع الصحفي. فالمادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تنص بوضوح على أن الصحفيين الذين يباشرون مهمات مهنية في مناطق النزاع يُعتبرون مدنيين ويجب حمايتهم بهذه الصفة.

كما يؤكد قرار مجلس الأمن رقم 2222 لعام 2015 إدانة الهجمات ضد الصحفيين، ويدعو إلى محاسبة المسؤولين عنها. ويُضاف إلى ذلك مبدأ التناسب ومبدأ التمييز، اللذان يشكلان حجر الأساس في القانون الدولي الإنساني، ويحرّمان أي هجوم لا يفرّق بين هدف عسكري ومدني، أو يوقع أضرارًا مفرطة بالمدنيين مقارنة بالهدف العسكري المرجو.

لكن الفجوة بين النص والتطبيق تبقى صارخة. ففي غزة، كما في جنوب لبنان، ورغم كثافة التوثيق، لا تزال المساءلة غائبة أو محدودة. التحقيقات، إن وُجدت، غالبًا ما تبقى داخلية أو غير مكتملة، فيما يكتفي المجتمع الدولي ببيانات قلق وإدانة لا تغيّر من الواقع شيئًا. هذا النمط من التعاطي يكرّس، بشكل غير مباشر، بيئة تسمح بتكرار الانتهاكات، لأن الكلفة السياسية والقانونية تبقى شبه معدومة.

الأخطر في هذا السياق ليس فقط سقوط الصحفيين، بل الرسالة التي تُبث إلى من تبقى؛ أن العمل الصحفي في هذه المناطق قد يكلّف الحياة، من دون أي ضمانة حقيقية للحماية أو العدالة. وهنا تحديدًا يتقاطع ما يجري في غزة مع ما يحدث في الجنوب.

في كلا المكانين، يواصل الصحفيون عملهم في ظروف استثنائية، مدفوعين بواجب مهني وأخلاقي، رغم إدراكهم لحجم المخاطر. الكاميرا هناك ليست أداة عمل فقط، بل شهادة قد تُدفع ثمنها غاليًا.

ومع ذلك، لا يزال هؤلاء يخرجون إلى الميدان، يلتقطون الصور، يوثقون اللحظات، وينقلون ما قد لا يريد أحد أن يُنقل. هذه الاستمرارية، رغم كل شيء، تكشف أن استهداف الصحفيين، مهما اشتد، لم ينجح في إسكات الحقيقة بالكامل، لكنه في المقابل يفرض ثمنًا إنسانيًا وأخلاقيًا لا يمكن تجاهله.

في الخلاصة، ما يجري من غزة إلى جنوب لبنان ليس مجرد تتابع لحوادث مأساوية، بل اختبار حقيقي لمدى التزام العالم بالمبادئ التي يعلنها. حماية الصحفيين ليست ترفًا قانونيًا، بل شرط أساسي لأي حديث عن عدالة أو شفافية أو حتى رواية موثوقة لما يحدث.

وأمام هذا الواقع، لا يمكن الاكتفاء بالرصد والتوثيق، بل يصبح من الضروري الانتقال إلى مستوى الفعل، حيث لا تبقى دماء الصحفيين خبرًا عابرًا، بل تتحول إلى قضية تستوجب المحاسبة.

وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى الصحفيون، في جنوب لبنان، خط الدفاع الأخير عن الحقيقة. يعملون تحت النار، بين التهديد والموت، لكنهم يصرّون على أن ينقلوا ما يرونه، لا ما يُراد لهم أن يروه.

هؤلاء لا يحتاجون إلى بيانات تضامن بقدر ما يحتاجون إلى حماية فعلية، لكنهم، رغم كل شيء، يستحقون أكثر من الصمت، يستحقون أن تُروى قصتهم كما هي، وأن يُعترف بأنهم لم يكونوا ضحايا صدفة، بل شهودًا دفعوا ثمن الشهادة.

https://anbaaexpress.ma/71m1b

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى